العرائش أنفو في زمنٍ لم تعد فيه كرة القدم مجرد لعبة تُلعب على المستطيل الأخضر، بل تحوّلت إلى لغةٍ كونية تُخاطب الشعوب وتُعيد رسم موازين القوة بين الدول، يبرز النموذج المغربي كحالة فريدة تستحق التأمل العميق، لا من زاوية النتائج الرياضية فحسب، بل من زاوية الرؤية الاستراتيجية التي تقف خلفها. لقد أصبح واضحًا أن ما يعيشه المغرب اليوم ليس طفرة رياضية عابرة، بل ثمرة رؤية ملكية بعيدة المدى يقودها محمد السادس، رؤية جعلت من الرياضة—وكرة القدم تحديدًا—رافعة دبلوماسية وأداة تأثير ناعمة، تُعيد تموقع المملكة داخل إفريقيا وعلى الصعيد الدولي. كرة القدم... حين تتحول إلى مشروع دولة ما أشارت إليه صحيفة ويست فرانس ليس جديدًا في جوهره، لكنه مهم في دلالاته: المغرب لا ينظر إلى كأس إفريقيا 2025 أو مونديال 2030 كأحداث تنظيمية فقط، بل كجزء من مشروع متكامل يعيد صياغة صورة الدولة ويعزز حضورها القاري. هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة عمل مؤسساتي متراكم، لعب فيه فوزي لقجع دورًا بارزًا، لكن ضمن منظومة أكبر تقودها الدولة، وليس كصانع منفرد للنجاح. فاختزال هذا المسار في شخص واحد—كما تفعل بعض المنابر—هو تبسيط مخلّ، بل وقد يكون جزءًا من سردية إعلامية تُخفي أكثر مما تُظهر. بين الإشادة والريبة: قراءة في الخطاب الفرنسي الإشادة الفرنسية، سواء من ويست فرانس أو ليكيب، تطرح سؤالًا مشروعًا: هل هي اعتراف موضوعي بنجاح مغربي، أم محاولة لإعادة تأطير هذا النجاح ضمن زاوية تخدم مصالح معينة؟ التاريخ يُعلّمنا أن الخطاب الإعلامي ليس بريئًا دائمًا، خصوصًا حين يتعلق الأمر بإفريقيا، القارة التي كانت—ولا تزال—مسرحًا لصراعات النفوذ بين القوى التقليدية والقوى الصاعدة. وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل التراجع النسبي لنفوذ فرنسا في القارة، مقابل صعود نماذج جديدة، من بينها المغرب، الذي اعتمد مقاربة مختلفة تقوم على الشراكة بدل الهيمنة، وعلى مبدأ "رابح-رابح" بدل منطق الاستنزاف. كرة القدم كساحة صراع غير معلن حين تتحول كرة القدم إلى أداة قوة ناعمة، فإنها تتحول أيضًا—بشكل غير مباشر—إلى ساحة صراع رمزي. وهنا تبرز المنافسة الإقليمية، خاصة مع الجزائر، في سياق أوسع من مجرد نتائج المباريات أو تنظيم التظاهرات. كما أن ما يُثار حول توظيف بعض الأطراف في السنغال أو غيرها للتأثير في صورة المغرب، يعكس حجم الرهانات المرتبطة بهذه التظاهرات، حيث لم تعد الجماهير وحدها من تُحرّك المشهد، بل أيضًا شبكات إعلامية وسياسية تسعى لتوجيه الرأي العام. ومع ذلك، فإن القفز إلى استنتاجات قطعية بوجود "مؤامرات" منظمة دون أدلة واضحة قد يُضعف الحجة بدل أن يقويها. الأجدى هو التمييز بين: انتقادات أو حملات إعلامية قد تكون منحازة أو موجهة واتهامات ممنهجة تحتاج إلى دلائل دقيقة حين تتجاوز اللعبة حدودها ما وقع من توترات أو اعتداءات على بعض المغاربة في السنغال—إن ثبتت دقته—فهو أمر مرفوض ومدان، لكنه أيضًا مؤشر على أن كرة القدم لم تعد مجرد "كرة منفوخة بالهواء"، بل أصبحت وعاءً تُسكب فيه مشاعر الانتماء، وأحيانًا الاحتقان. وهنا تكمن الخطورة: حين تتحول الرياضة من جسر للتقارب إلى أداة للتأجيج. المغرب... نموذج مختلف أم استثناء مؤقت؟ ما يميز التجربة المغربية هو أنها لم تبنِ نفوذها على الصدام، بل على التراكم: استثمار في البنية التحتية تكوين الأجيال حضور دبلوماسي داخل الهيئات الرياضية وانفتاح إفريقي قائم على التعاون وهذا ما يجعلها أقرب إلى مشروع حضاري منه إلى مجرد إنجاز رياضي. الخلاصة: بين الحقيقة والسرديات الاحتفاء بإنجازات المغرب مشروع، بل وضروري، لكن الأهم هو قراءتها بوعي: لا اختزالها في أشخاص ولا تضخيمها إلى حد الأسطرة ولا تفسير كل نقد على أنه استهداف ممنهج فالنجاح الحقيقي لا يحتاج إلى نظرية مؤامرة ليبرر نفسه، بل إلى ثقة في المسار واستمرار في العمل. في النهاية، تبقى كرة القدم مرآةً لما نحن عليه: إن أحسنّا توظيفها، كانت جسرًا نحو الشعوب، وإن أسأنا استخدامها، تحولت إلى ساحة صراع بلا معنى. والمغرب اليوم أمام فرصة تاريخية: أن يثبت أن القوة الناعمة ليست مجرد أداة نفوذ، بل أيضًا رسالة أخلاقية تُعيد للرياضة معناها الإنساني العميق.