انعقد، قبل أيام، المنتدى الوطني للمدرس، بمشاركة أزيد من 3500 أستاذة وأستاذ، في لحظة كان يفترض أن تكون لحظة مكاشفة وطنية كبرى حول أوضاع المدرسة العمومية. حدث بهذا الحجم، من حيث العدد والتنظيم والميزانية المرصودة، لا يمكن التقليل من أهميته، فهو يعكس، نظريا على الأقل، إرادة رسمية لإشراك الفاعلين التربويين في النقاش العمومي حول إصلاح التعليم، وهو ورش وطني استراتيجي لطالما ورد في خطب ملكية وأكد عليه المغرب في مختلف تقاريره الوطنية والدولية. لكن، بين ما كان منتظرا وما تحقق فعليا، تبرز فجوة مقلقة. ليس من المبالغة القول إن المنتدى الوطني للمدرس، تحول من موعد وفضاء وطني صريح للمكاشفة، ومنبر حر لتشخيص الأعطاب البنيوية التي ما تزال تنخر المنظومة التربوية إلى منبر تجنب الخوض في القضايا الحقيقية التي تؤرق المدرسات والمدرسين يوميا، خصوصا أنه جاء متزامنا مع صدور التقرير الموضوعاتي للدراسة الدولية للتعليم والتعلم "طاليس" والذي أفاد أن المغرب ينتمي إلى مجموعة الدول التي تعرف نظاما تربويا يكون فيه الأساتذة صبورين سيكولوجيا ولكن منهكون جسديا، وهو ما تشير له كذلك تقارير مختلفة، صادرة عن مؤسسات دولية مرموقة، من قبيل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية واليونسكو، والتي تتحدث عن تفاقم ظاهرة الاحتراق المهني في مهن التعليم، وما يترتب عنها من آثار نفسية ومهنية خطيرة وتدعو إلى تحسين شروط العمل والدعم النفسي والاجتماعي للأطر التربوية، كما تؤكد تقارير البنك الدولي أيضا على أن جودة أي نظام تعليمي تظل رهينة بوضعية المدرس، ماديا ومعنويا، وأن الاستثمار في هذا المورد البشري هو المدخل الحاسم لأي إصلاح مستدام، وهو ما ينسجم مع الأدبيات التربوية الحديثة التي تجعل من الثقة، بين الدولة والمدرس، وبين المؤسسة والمجتمع، رافعة أساسية للتغيير. لم يجد هذا كله، طريقه إلى النقاش داخل المنتدى بالشكل الذي يليق بأهميته وخطورته، كما غابت بشكل لافت قضايا يومية ضاغطة مثل الاكتظاظ، هشاشة البنيات، اختلالات تنزيل "مدرسة الريادة"، وضعف الأجور مقارنة بحجم الأعباء. الأدهى من كل هذا، تحول الفضاء المفترض فيه النقاش الحر إلى منصة لسرد قصص أقرب إلى الخيال، كما في المثال الذي تم تداوله حول تلاميذ ينبطحون أرضا ويرفضون مغادرة حصة الرياضيات لشدة تعلقهم بها وأصبح موضوع سخرية على مواقع التواصل الاجتماعي من التلاميذ والمدرسين على حد سواء، فحتى لو تملكت المشرفين على تنظيم المنتدى رغبة في إبراز الإيجابيات، فالأمر لن يتأتى من خلال إنتاج خطاب يفتقر إلى المصداقية، ويعمق فجوة الثقة بين الفاعلين التربويين والمؤسسات. لا أحد ينكر وجود تجارب ونماذج ناجحة قابلة للتعميم ومدعومة بمعطيات حقيقية وكان ممكن تقديمها بدل تقديم قصص تثير السخرية والشفقة في نفس الآن على حال المشرفين على واحد من أهم القطاعات الحيوية في البلد، لأن أخطر ما يمكن أن تقع فيه السياسات العمومية، ليس الفشل في تحقيق أهدافها في حد ذاته، بل العجز عن الاعتراف بهذا الفشل، فالتجارب الدولية الناجحة في إصلاح التعليم، كما هو الحال في فنلندا أو كندا، لم تبن على إنكار الأعطاب أو تزييف الواقع، بل على العكس تماما، بنيت على جرأة التشخيص، وعلى إشراك حقيقي للفاعلين، وعلى اعتماد معطيات دقيقة وشفافة كأساس لأي تدخل إصلاحي. وبالتالي، ومهما كانت النوايا، فإن مثل خطابات التطبيل لا تساهم في تثمين الإيجابي، بقدر ما تسيء إليه، لأنها تفقده شرطه الأساسي: المصداقية، فالجميع اليوم مدرك أن المدرسة العمومية، تعيش على إيقاع تحديات مركبة، لا يمكن القفز عليها بخطاب احتفالي. وإذا كان مضمون النقاش يطرح إشكالات، فإن شكل المشاركة نفسه، لا يقل إثارة للتساؤل، فكيف تم انتقاء هذا العدد الكبير من المشاركين؟ وما هي المعايير المعتمدة؟ ولماذا غابت أي معطيات رسمية أو مذكرات تنظيمية توضح مساطر الاختيار؟ إن الشفافية في هذه النقطة تتجاوز التفصيل التقني لأنها في العمق تعتبر شرطا أساسيا لضمان تمثيلية حقيقية، ولمصداقية أي خلاصات تصدر عن مثل هذه اللقاءات الوطنية. انطلاقا من تتبع أطوار المنتدى وما تلاه من تفاعل سلبي من طرف المشتغلين بالقطاع، نجد أنفسنا في الاتحاد الاشتراكي أمام ضرورة تجديد تأكيدنا وقناعتنا على أن إصلاح المدرسة العمومية لا يمكن أن يتم بمنطق التجزيء أو التدبير الظرفي، بل يتطلب رؤية شمولية قوامها إعادة الاعتبار لنساء ورجال التعليم، عبر تحسين أوضاعهم المادية، وتوفير شروط العمل اللائق، وتعزيز حمايتهم القانونية، إلى جانب إرساء حكامة تربوية قائمة على الشفافية والمساءلة، وإشراك فعلي لكل الفاعلين، بعيدا عن منطق الانتقاء غير المعلن. لقد كان المنتدى الوطني للمدرس فرصة حقيقية لفتح نقاش وطني صريح حول أعطاب المنظومة التربوية، وفرصة لبناء جسور الثقة المفقودة، غير أن هذه الفرصة، في صيغتها الحالية، لم تستثمر بالشكل المطلوب، وكل ما تبقى منها هو الإحساس بمزيد من الإقصاء لدى الفاعلين التربويين وتسجيل فيديو يكرس مزيدا من الاستهزاء بمهنة كانت يوما عنوانا لفرض الاحترام الذي يكاد يصل إلى التقديس تجاه المشتغلين بها. ومع ذلك، فإن الرهان على المدرسة العمومية يظل قائما، باعتبارها الفضاء الأسمى لتحقيق تكافؤ الفرص، وضمان العدالة الاجتماعية، وصناعة المستقبل. غير أن هذا الرهان نكررها، لن يكسب بخطابات التمجيد، بل بإرادة الإصلاح المبنية على الحقيقة.