هل كان المغرب سيقدم على القطيعة التي شاهدناها لو لم يحصل «على إنذارات جدية» حول ما يمكن أن يتعرض له من هجومات قد تجعله يجثو على ركبتيه أمام قوة غير عاقلة في الجوار البعيد أو الجوار القريب؟ وهل ما قد يعتبره جزء من الرأي العام -خطأ أو صوابا- مغامرة غير محسوبة ولا مبررة، ليس في الحقيقة إلا مبادرة فرضتها على المغرب مواجهة استراتيجية كانت قيد التنفيذ والتنزيل؟ ولا سيما مع الردود المتعالية والمتكررة برفض «اليد الممدودة» (لأكثر من عشر مرات)، مقابل تسليح متزايد ومناورات على الحدود وقرارات قطع العلاقات، والحديث المتزايد عن الحرب مع «العدو الكلاسيكي»، بل إن الحرب كانت قائمة عمليا. آثار ثقيلة وقوية على المنطقة، مع توالي توثيق العلاقات من جهة والتوتر الذي يخلقه على المنطقة من إسقاطات من جهة ثانية. وهو شعور ما من شك أن الكثيرين، أحيانا الأغلبية من المغاربة والعرب والأجانب، يشتركون فيه. حاولت بعض الانتقادات، في المقابل، إقامة ربط تعسفي بين الصحراء وإسرائيل، بدعوى أن «احتلالا يساند احتلالا»، فيما ذهبت أطراف أخرى إلى أن الاتفاق الثلاثي سهل مأمورية الخصوم، وجعلوا منه ورقة للتأكيد على أن القرابة بين الدولتين تجعل من الضروري أو المحتمل الربط بين الملفين. والحقيقة الكامنة في الموضوع هو أن هذا الرابط تجاوز بكثير اللحظة، ذلك أن العملية قديمة منذ بداية مناقشة قضية الوحدة الترابية في المحافل الدولية، وقد كان للشهيد عمر بنجلون موقف في الموضوع ولحظة صراع واضحة مع ممثل الجزائر في المؤتمر الأفرو آسيوي الذي انعقد في موسكو بحضور 70 دولة وحزب اشتراكي في القارتين، أيام الاتحاد السوفياتي في شتنبر 1975، أي قبل شهر من طرح الموضوع على محكمة العدل الدولية( بالعودة إلى يومية المحرر الصادرة يوم 25 شتنبر 1975 نقرأ على صدر الصفحة الأولى «مجلس منظمة التضامن الإفريقية الآسيوية، ممثل الجزائر يقارن بين موقف المغرب من الصحراء بموقف الصهيونية من فلسطين». وقد كتب الشهيد عمر بنجلون، الذي حضر المؤتمر وكان ممثل المغرب في لجنة الشرق الأوسط فيه، عن الموضوع، بحدته الوطنية المعروفة قائلا: « أتخيل الوفد الجزائري اتسم بمنتهى الوقاحة حيث بدأ الأستاذ عمار بن تومي نقيب هيئة المحامين الجزائريين تدخله بالادعاء القائل إن منطق المغرب المعتمد على الاستدلال بالحقوق التاريخية هو نفسه المنطق الذي تعتمد عليه الصهيونية في فلسطين». مضيفا: « كانت فرصة انتهزناها لفضح حكام الجزائر أمام الشعوب بحيث لفتنا الانتباه إلى وقاحة الادعاءات المتعلقة بالصهيونية». سرد هاته الوقائع يأتي في سياق التفكير في استعمال هاته الورقة والتأكيد على أن استعمالها قديم، ولا علاقة له بالاتفاق الثلاثي، وأن البحث عن السبب يجب أن يكون في مكان آخر، وهو صناعة موازين قوة تسمح بتركيع المغرب، وكان لا بد من «قطيعة»، في التقدير الرسمي لكي لا يختل التوازن ضد المغرب. حول الاتفاق الثلاثي وشقه الاسرائيلي تضاربت المشاعر واصطدمت الإرادات بالعقلانيات الباردة. ولعله الوحيد الذي شعرنا أمامه بنوع حاد من التمزق، والمساءلة الأخلاقية والتقدير الباهظ الثمن: عندما يكون الوطن الأول والوطن الثاني في طرفي معادلة واحدة (فلسطين مغربية والصحراء مغربية)، في تعارض مع الضرورات الجيو سياسية. إن هذا الاتفاق لا يمكن أن يمر دون الوقوف عند رجته الارتدادية على العمق الشعوري والوعي الثقافي لشعب ونظام جعل من فلسطين مكونا ثابتا من مكوناته الوطنية وهويته الجيوسياسية، بلاد قدمت الشهداء وشاركت في حروب الشرق الأوسط التي قامت باسم فلسطين، وقدمت أرضها الموريتانية من أجل قيام منظمة العمل الإسلامي، ويوجد رئيس دولتها على رأس اللجنة الوحيدة التي تشتغل منذ ذلك التاريخ بلا كلل وبشكل يومي، من أجل أهل المقدس وجوار الرب في كل الصلوات. بلاد لها في الحرم المقدسي وفي عموم فلسطين وجود مادي ملموس ووجود رمزي تاريخي قديم ودائم…