تقارُب بالمُرٍّ مَشْرُوب    حكيمي يتفوق على بوفال و باريس سان جيرمان يعزز صدارته بفوز صعب على أنجيه    تسكع الشباب أمام المدارس والثانويات …..ظاهرة ترعب الآباء والأمهات    الصحة العالمية تدق ناقوس الخطر بشأن داء قتل مليون ونصف شخص في 2020    "حياة إيفانا" أول عروض مسابقة الوثائقي في مهرجان الجونة السينمائي    قراءة في فيلم نبيل عيوش "علي صوتك" الذي عرض أمس بمهرجان الجونة    السفري يشد إليه الأنظار بقطر    حريق مهول يأتي على محل لبيع العقاقير بطنجة (فيديو)    إعفاء ‬في ‬محله ‬للرميلي    رفض منح التأشيرات يزيد من أزمة سائقي وأرباب النقل الدولي ويهدد الاقتصاد الوطني    الرميلي تتفرغ للدارالبيضاء وآيت الطالب يعود لوزارة تُسَيّر مصالحها بالنيابة وتتعدد أعطاب منظومتها    مجلس حقوق الإنسان يبرز أهمية اتفاق الصخيرات والنتائج الإيجابية للاجتماعات الليبية المنعقدة في المغرب    المغرب يدعو بأديس أبابا إلى إحداث آلية تضامن لمكافحة سوء التغذية    تسليط الضوء على" قصة نجاح" ميناء طنجة المتوسط خلال الاجتماعين السنويين للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي    متى يستفيق «التخدير» من «البنج» ؟    طنجة: يوم تحسيسي حول مكافحة وصم الأشخاص المصابين باضطرابات نفسية    توزيع 23 حافلة للنقل المدرسي على الجماعات الترابية بإقليم العرائش    أمن مراكش يداهم "ڤيلتين" حوّلتا نشاطهما لحانة + صور    النصيري مطلوب بقوة في الدوري الانجليزي    الدورة السادسة من البطولة الاحترافية : الشباب السالمي يتحدى الدفاع الجديدي بملعب العبدي    المخرج السينمائي السوري محمد ملص… حكايات على مقام السينما    شركة غوغل تحذر من زيادة عمليات القرصنة الإلكترونية    نحو زراعة 30 ألف هكتار بالزيتون ضمن استراتيجية الجيل الأخضر بجهة الشمال    الرجاء يُجري حصته التدريبية ما قبل الأخيرة استعداداً لمنازلة أويلزر بحضور مكعازي المتواجد في اللائحة لأول مرة    باريس سان جيرمان يفلت من كمين أنجيه    "Morocco Now" تزين جدران المباني العملاقة في ساحة "تايم سكوير" بنيويورك الأمريكية    مداخيل الجمارك في 9 أشهر تتجاوز 51 مليار درهم    وكيل الملك بالرباط يتفاجأ بنشر بيان مغلوط من قبل "هيئة التضامن مع المعطي منجب"    أنسو فاتي لخورخي مينديز: "أريد برشلونة فقط"    بنموسى يدشن عمله الوزاري بعقد لقاء مع الكتاب العامين للنقابات التعليمية الأكثر تمثيلية والتداول في عدد من الملفات الهامة، وهذه أبرزها:    المغرب يمدد فترة العروض لبناء وتشغيل وحدة عائمة لتخزين وإعادة تحويل الغاز الطبيعي المسال إلى غاز    المغرب على موعد قريب مع التخفيف الشامل للطوارئ و"قيود كورونا"    "كورونا" يجد طريقه إلى زنزانة ناصر الزفزافي بسجن طنجة    صراعات قديمة يمكن أن تكون السبب في إقالة الوزيرة الرميلي    انعقاد مجلس الحكومة غدا السبت    بعنوان "Désolé".. جبران الشرجي يطرح أولى أغنياته    الجمعيات المدنية وسؤال إحياء المولديات المغربية 2/2    الاتحاد العام لمقاولات المغرب يقدم كتابه الأبيض "نحو نمو اقتصادي قوي.. مستدام ومسؤول"    تتصدرها جهة الرباط.. إليكم التوزيع الجغرافي للحالات المصابة بكورونا    التعريض بالجناب النبوي في بلاد الإسلام.. رب ضارة نافعة    فتاح العلوي تشارك في الاجتماع ال104 للجنة التنمية    تفاؤل عام بمجلس الأمن إثر تعيين المبعوث الجديد إلى الصحراء المغربية    ألمانيا ترفع المغرب من قائمة "الخطورة الوبائية" للسفر    المرزوقي : قيس سعيّد دكتاتور يريد أن يعيد حكم بن علي إلى تونس    قطبي يسلم زوجة ماكرون دليل-كتاب معرض "أوجين دولاكروا" المنظم بالرباط    السعودية تلغي إلزامية ارتداء الكمامة والتباعد ضمن إجراءات تخفيف الاحترازات الصحية    5865 إصابة نشطة بكورونا في المغرب والحالات الصعبة والحرجة تبلغ 414    اشتباكات بيروت: هل يقف لبنان على حافة حرب أهلية؟ – صحف عربية    تعيين المغربي فتح الله السجلماسي أول مدير عام لمفوضية الاتحاد الإفريقي    المغرب حاضر بثلاث أعمال سينمائية بمهرجان الجونة السينمائي    المغرب منها ولها القريب    زواج عائشة.. نص في مقرر للتعليم الإبتدائي يثير الجدل ويغضب شيوخ السلفية    السجن مدى الحياة للمليونير الأمريكي روبرت دورست بتهمة قتل زوجته وعشيقته    عشرات القتلى والجرحى جراء انفجار داخل مسجد للشيعة في أفغانستان    مونديال قطر 2022.. نتائج الجولة 12 وترتيب تصفيات أميركا الجنوبية    دعوة لثقافة فولتير    بعد نص الاجتماعيات.. ذ.خالد مبروك يكتب: "مصيبة التعليم"!    الشيخ عمر القزابري يكتب: الزمُوا حَدَّكُمْ.. إِنّهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم!!!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لماذا تراجع العرب في حقل الترجمة المعاصرة؟
نشر في مغارب كم يوم 06 - 01 - 2014

ليس من قبيل المصادفة أن يزدهر فعل الترجمة في اللحظات التاريخية لنهضة الأمم وتقدّمها. هذا ما قام به العرب عندما امتلأوا رغبة في الخروج من بيئتهم، والتعرّف إلى ثقافات الشعوب المحيطة بهم كالسريان واليهود والفرس والهنود. لذلك، رأوا في الترجمة نافذة تقودهم إلى العالم المتقدّم، فكان الجاحظ وابن المقفّع، وكان بيت الحكمة، وحنين بن اسحق في القديم، وكان بطرس البستاني مترجم الإلياذة في بداية عصر النهضة.
من المتعارف عليه أن الترجمة إلى العربية في أيامنا تواجه من المشكلات ما لا يعدّ ولا يحصى. فهناك توحيد المصطلحات وحدّ التصوّرات، وإحكام المنهجية المصطلحية في العلوم الطبيعية، أما في مجال علوم الإنسان وبخاصة في الأدب، فالمشكلات تزداد صعوبة نظراً إلى تداخل الثقافات، واختلاف البنى النحوية والمعجمية من لغة إلى أخرى، إضافة إلى وعورة التعرّف إلى السياق الثقافي للغة المنقول عنها، بحكم الاختلاف بين ثقافة لغة المنشأ وثقافة التلقّي، وبين الأمانة في الترجمة، وحرية التصرّف.
لا تقف مشكلة الترجمة عند هذه الحدود، وإنما تستثير أسئلة معرفية على درجة عالية من الأهمية، فتدور حول ماهية اللغة، وطبيعة المعنى، وعلاقة الكلمات بالأشياء، وحلّ مغاليق ذلك الصندوق الأسود الذي هو العقل الإنساني، وعلاقته بالوجود.
إذا كانت الترجمة نافذة المتخلّف التي تنفتح على عالم الآخر المتقدّم حتى مطلع عصر النهضة، فإنها اليوم في ظلّ العولمة التي نعيشها على كل المستويات مجال رحب للتواصل والتثاقف.
والعولمة، على خلاف ما يعتقد بعض المثقفين، هي ثلاث عولمات: سياسية، وهي بدأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وإنشاء الأمم المتحدة، واقتصادية بدأت مع عملية انفتاح الاقتصادات الوطنية على سوق أصبح كونياً في نهاية القرن العشرين، والثالثة هي عولمة ثقافية نعيشها اليوم في إطار مصطلحات كحوار الحضارات، وحوار الثقافات، والتعدّدية اللغوية. وطرحت العولمة بمجالاتها الثلاثة تحديّات على شعوب العالم المتقدّم والمتخلّف على السواء، والترجمة هي واحدة من بين هذه التحديّات التي تسهّل سبل التواصل بين البشر، وتساعد في نقل المعارف والتقنيات والأفكار، وتقرّب بين عادات مختلف شعوب العالم.
في هذا الجو العالمي «المعولم» أدركت منابر ثقافية في العالمين العربي والغربي أهمية الترجمة، فأنشأت دوراً للنشر تعنى بالترجمة ، وأقامت المؤتمرات حول الترجمة، وأعدّت مجلّات مختصّة تعنى بأحوال الترجمة، ومنها مجلة «هرمس» الفرنسية (تصدر عن المركز الوطني للبحث العلمي)، ونشرت عددين حول الترجمة.
يتضمن كتاب «الترجمة والعولمة» الذي نشرته الملحقية الثقافية السعودية في فرنسا بالتعاون مع منشورات «ضفاف»، مختارات مأخوذة من مجلة «هرمس» لكوكبة من الباحثين، نقلها إلى العربية محمد خير محمود البقاعي الأستاذ في جامعة الملك سعود. تدور هذه المختارات في بعض فصولها حول مقولة شاعت في الحقبة التي بدأت فيها الإنترنت في التسعينات، ومفادها أن لغة «الطرق السريعة للاتصالات» ستكون الإنكليزية، لأنها لغة كونية، وإنها وحدها لغة الحداثة، وما بعد الحداثة. ويضيف مروّجو هذه المقولة مستندين الى مثل تاريخي يتجلّى في سيطرة اللغة اللاتينية في العصر الوسيط، واللغة الفرنسية في عصر الأنوار، ويؤكّدون أن اللغة الإنكليزية ستسود العالم، وأنها ليست إلا مسألة وقت، وبانتظار ذلك يمكن الترجمة أن تسهّل الأمور. ولكن المشكلة كما يقول ميخائيل أوستينوف - أحد المشاركين في أبحاث الكتاب - هي أننا لم نعد في العصر الوسيط، ولا في عصر الأنوار، وأن الأحادية اللغوية بصفتها مفتاح قبّة التواصل الكوني لا تصمد أمام وقائع العالم المعاصر. فهناك لغات في العالم الغربي لن تقبل التنازل عن دورها والاستسلام للغة الإنكليزية مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية والإيطالية والروسية. وقد أعرب الاتحاد الأوروبي عن معارضته لمقولة «كل شيء بالإنكليزية»، ودعا إلى تشجيع التعدّدية اللغوية التي تعزّز دور الترجمة في التعرف والتواصل.
تميّز بربارة كسان، وهي باحثة مشاركة في الكتاب، بين لغة الخدمة ولغة الحياة اليومية ولغة الثقافة، وتعتبر أن الإنكليزية تصلح لأن تكون لغة نقل وليس لغة ثقافة لشعوب العالم أجمع. ذلك أن لكل شعب ثقافته التي تعبّر عنها لغة خاصة به. ولقد عبّر عن ذلك الكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو عندما قال: «إن لغة أوروبا هي الترجمة»، وآية ذلك أنه لا يمكن المرء في زمن العولمة، أن يتعلّم كل اللغات التي يتكلمّها مواطنو الاتحاد الأوروبي، لذلك يلجأ إلى الترجمة.
احتلّت الترجمة مكانة مرموقة على ما يقول ليونار أوربان أحد المشاركين في الكتاب، لأنها سمحت لهؤلاء بتجاوز الحدود اللغوية والثقافية بتمكينهم من الاطلاع على إبداعات جيرانهم، وتكوين شعور بهوية أوروبية مشتركة، زد على ذلك أن أوروبا تمكنّت بفضل الترجمة أن توجد مهناً جديدة لم تكن معروفة حتى اليوم، وهي مهن تتجاوز الإطار التقليدي للكتاب. فالسينما والتلفاز والمسرح والإنترنت ووسائل الإعلام الرقمية، هي أيضاً قطاعات تفتح فيها الترجمة آفاقاً جديدة.
إذا كانت الترجمة احتلّت مكانة مرموقة في بلدان الاتحاد الأوروبي، فأي دور كان لها - وما زال - في العالم العربي؟ يذكّر الباحثان إبراهيم البلوي (الملحق الثقافي السعودي في فرنسا) وفؤاد لعروسي وهما العربيان المشاركان في الأبحاث التي تضمّنها الكتاب، بالمكانة التي احتلّتها الترجمة في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية في العصر الوسيط، بحيث أدّت دوراً رئيساً في حفظ الأعمال الثقافية القديمة الإغريقية على وجه الخصوص، وفي نقل تلك الثقافة من الشرق إلى الغرب، بعدما أغنوها وطوّروها بإخضاعها لتفكيرهم. ويشير الباحثان إلى تقريرٍ أصدره المكتب الإقليمي للدول العربية التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وجاء فيه أن الترجمة تخلق إمكانات لاكتساب المعارف ونقلها، وتفتح فضاءات للتفاعل وللتأثير المتبادل، ويضيف أن الترجمة بالنسبة إلى المجتمعات العربية هي تحدّ رائع وضرورة حتمية تتطلّب جهوداً موجّهة ومنظّمة في إطار استراتيجية عربية طموح ومتكاملة. لكنّ التقرير يشير مع ذلك إلى أن الدول العربية لم تستوعب دروس الماضي وما زال حقل الترجمة كارثياً، فعدد الكتب المترجمة في العالم العربي في المدة بين 1970 - 1975 يبلغ خُمس ما ترجم في اليونان، بينما بلغ عدد الكتب التي أحصيناها اليوم لما ترجم في عصر المأمون 10000 آلاف كتاب، وهو ما تترجمه إسبانيا اليوم في عام واحد. وبين عامي 1980 وعام 1985 كان وسطي عدد الكتب التي ترجمت في العالم العربي 4,4 - أقل من كتاب في العام لكل مليون نسمة – بينما بلغ الوسطي في هنغاريا 519 وفي إسبانيا 920.
إذا كانت أزمة الترجمة إلى العربية لا تعزى إلى الترجمة نفسها، وإنما إلى العقبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، أو بكلام آخر تعزى إلى توقّف الحضارة العربية عن الاختراع والإبداع، فإن التخلّص من هذه الأزمة لا يتمّ إلا بطرح أسئلة عميقة عن العلاقات بين التعليم العالي والبحث، والحوكمة، والديموقراطية، والحريات الفردية، وغياب مجتمع إنتاج المعرفة... لنقل وبإخلاص، إن العالم العربي هو اليوم أكثر من أي وقت مضى في حاجة إلى الاهتمام بالترجمة بذاتها، أو بصفتها أداة صالحة للتشجيع على الحوار بين الحضارات.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.