تعزز الظروف التي مر فيها الاستفتاء على مشروع الدستور الجديد، أمس الجمعة، قدرة المغرب على تطوير آليات ديمقراطية تستجيب للمعايير الدولية. ووفقا للعديد من المراقبين، فإن "أجواء الشفافية والوضوح" التي ميزت الاستفتاء تضع المغرب في المقدمة على مسار الديمقراطيات الأكثر تقدما، مشيرين من جهة أخرى إلى أن الاستفتاء جرى في "مناخ من الحرية والانفتاح"، وبلغت نسبة المشاركة فيه 62ر70 في المئة وفق النتائج الجزئية والمؤقتة لثلثي مراكز التصويت. ويمهد هذا الاستفتاء، الذي جرى في ظروف عادية وفي جو تسوده روح المسؤولية والمواطنة، الطريق أمام تنفيذ الإصلاحات العميقة والهيكلية التي جاء بها النص الجديد، الذي يشكل نقلة نوعية في بناء ديمقراطية حقيقية كفيلة بجعل المغرب في موقع الريادة في المنطقة المغاربية والقارة الإفريقية برمتها. وبالفعل، فإن الدستور الجديد يحمل هندسة منسجمة ومتوازنة ومبتكرة، تنسجم تماما مع روح الدساتير الحديثة، وتكرس فضلا عن الأسس التقليدية للسلطات وآليات عملها، ثلاث دعائم جديدة تتمثل في الحقوق والحريات الأساسية، والحكامة الجيدة، والجهوية المتقدمة. كما يؤسس الدستور الجديد لنظام جديد للحكامة يكرس ملكية دستورية ديمقراطية برلمانية واجتماعية. وهكذا يضع الدستور أسس ملكية مواطنة، ضامنة لثوابت الأمة، وتسهر على مهام السيادة والتحكيم الأسمى. ويقدم أيضا شرحا واضحا ومفصلا لسلطات الملك بصفته أميرا للمؤمنين ورئيسا للدولة. ويكرس الدستور الجديد أيضا الفصل والتوازن بين السلط، وحكومة منبثقة من برلمان منتخب، يقودها رئيس حكومة يحظى بسلطات تنفيذية فعلية، وكذا برلمانا قويا ذا اختصاصات واسعة، يمارس سلطة التشريع، ويصوت على النصوص التشريعية، ويراقب العمل الحكومي، ويقيم السياسات العامة. كما يكرس الدستور الجديد سلطة قضائية مستقلة، تستجيب للمعايير الكونية في المجال. وبخصوص الحريات الفردية والجماعية، يؤسس الدستور الجديد لميثاق حقيقي للحقوق والحريات الأساسية المجسدة في المرجعية الكونية لحقوق الانسان، ويكرس سمو الاتفاقيات الدولية كما صادق عليها المغرب حول الحقوق والحريات والتي لا يوجد لها مثيل سوى في المجتمعات الديمقراطية المتقدمة، كالحق في الحياة وحظر التعذيب وجميع الانتهاكات الجسيمة والممنهجة لحقوق الإنسان، وقرينة البراءة والحق في المحاكمة العادلة وحرية الفكر والرأي والتعبير وحرية الصحافة والحق في المعلومة. وينص مشروع القانون الأسمى للمملكة أيضا على إنشاء مجلس أعلى للأمن، يرأسه الملك، وهو هيئة للتشاور بشأن استراتيجيات الأمن الداخلي والخارجي للبلاد وتدبير حالات الأزمات . من ناحية أخرى، تمت دسترة الجهوية المتقدمة في النص الجديد، مما يمهد الطريق أمام إعادة التنظيم الديمقراطي للاختصاصات بين الدولة والجهات، مع تكريس المبادئ الأساسية للجهوية المغربية، والمتمثلة في الوحدة الوطنية والترابية والتوازن والتضامن والممارسة الديمقراطية ، وانتخاب مجالس الجهات عبر الاقتراع المباشر ونقل السلطات التنفيذية لهذه المجالس الديمقراطية إلى رؤسائها. وأخيرا، ينص الدستور الجديد على دسترة هيئات حماية الحقوق والحريات، والتقنين والحكامة الجيدة، ولاسيما المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومؤسسة الوسيط ومجلس الجالية المغربية في الخارج والهيئة المكلفة بالمناصفة ومحاربة جميع أشكال التمييز وهيئات الحكامة الجيدة والتقنين .