في الطابق الذي تُقاس فيه الأيام بقطرات الأمصال وعدد الجرعات، وليس بآليات الزمن المعتادة، لا تقف الدكتورة فاطمة الزهراء المرابط كطبيبة أورام تقليدية. إنها تبدو، لمن يراقب حركتها، أقرب إلى "مايسترو" يضبط إيقاعا معقدا؛ إيقاع يتأرجح بين صرامة البروتوكولات العلاجية، وبين النبض المضطرب لعائلة تنتظر خلف باب غرفة الاستشارة. وفي طنجة، المدينة التي تسابق الزمن لتكريس نفسها كقطب صحي وعلمي رائد في شمال المغرب، اختارت المرابط أن تجعل من تخصصها مرآة حقيقية لاختبار طموحٍ جماعي: هل يمكن لمؤسسة صحية عمومية أن تُدار بمعايير المعرفة الدقيقة ذاتها التي تُنتجها كبريات المراكز العالمية؟ ومن موقعها كرئيسة لمصلحة الأنكولوجيا الطبية بمركز أحمد بن زايد آل نهيان لعلاج السرطان (بالمستشفى الجامعي محمد السادس)، لا تكتفي المرابط بالبقاء داخل جدران العيادة. إنها تتحرك بمرونة استثنائية داخل ثلاث دوائر متداخلة: سريرية، أكاديمية، ومدنية. وفي الدائرة السريرية، تقود الدكتورة المرابط فريقا يواجه يوميا أشرس المعارك البيولوجية—سرطانات الجهاز الهضمي، الثدي، والرئة. هناك، لا يُعد القرار الطبي مجرد وصفة تُكتب، بل هو خوارزمية إنسانية دقيقة توازن بين فعالية الدواء، وسلامة الجسد، ونوعية الحياة المتبقية. وفي الأروقة الأكاديمية، تزرع في عقول الأطباء المتدربين عقيدة طبية مختلفة، تدفعهم لتجاوز السؤال النمطي "ما هو البروتوكول؟" نحو التساؤل الأعمق: "كيف نفهم هذا المريض تحديداً داخل هذا البروتوكول؟". لكن ما يمنح مسارها هذا الزخم ليس كثافة المهام، بل "زاوية الرؤية". في أبحاثها وأوراقها العلمية، يبرز خيط ناظم يتمرد على الاستنساخ الأعمى للتجارب الطبية الجاهزة. وتنقل المرابط النقاش بشجاعة من إشكالية "ماذا نعالج؟" إلى واقعية "كيف نعالج في سياقنا المحلي؟". على سبيل المثال، في دراستها حول مسارات علاج سرطان البنكرياس في مركز طنجة، لم تكن تبحث عن استعراض الأرقام الباردة، بل كانت تسائل مدى ملاءمة الأنظمة العلاجية لواقع محلي تتفاوت فيه الموارد وتختلف فيه أنماط الولوج إلى الرعاية. وفي أبحاثها الرائدة حول "أورام المسنين"، انحازت إلى حقيقة بديهية طالما همشها الطب الحديث: العمر ليس مجرد رقم يُكتب في هامش الملف، بل هو متغير مركزي يجب أن يعيد تشكيل القرار العلاجي بأكمله. وبالنسبة لها، إدماج "التقييم الشيخوخي" في مسار العلاج ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو استرداد لعدالة طبية مفقودة في تخصص قد يظلم الأجساد الأضعف بصمت. ولا يتوقف هذا الوعي بالسياق عند حدود المستشفى، بل يمتد إلى الشارع عبر انخراطها المدني من خلال جمعية "ضياء" للوقاية والبحث في السرطان. وترفض المرابط أن تكون الوقاية مجرد شريط وردي يُعلق في شهر أكتوبر ثم يُنسى. بل الوقاية في قاموسها هي عمل بنيوي مستمر، يربط فصول المدرسة بقاعات المركز الصحي، ويحول الندوات التوعوية من مجرد خطابات إلى أدوات حقيقية للتمكين. فهي تدرك بيقين العارفين أن معركة السرطان لا تُحسم فقط تحت أضواء غرف العلاج، بل تبدأ في الوعي المبكر، وفي قدرة المجتمع على تفكيك طلاسم الخوف وتحويلها إلى معرفة. وعندما تمثل المغرب في المحافل الدولية، تقف المرابط في منطقة تقاطع مزدوجة كمُتلقية ومُنتجة للمعرفة. تستوعب أحدث الابتكارات في العلاجات الموجهة والمناعية، لكنها تعود بسؤال جوهري: كيف نُنزّل هذه الاكتشافات في منظومة صحية لها أولوياتها الخاصة؟ هذا التوتر الخلاق بين "العالمي" و"المحلي" هو ما يمنح صوتها ثقلاً خاصاً؛ فالقضية ليست مجرد اللحاق بركب الحداثة الطبية، بل إعادة تعريف هذه الحداثة لتخدم المريض. وفي نهاية المطاف، قد لا تُلتقط الصورة الأكثر تعبيرا عن فاطمة الزهراء المرابط خلف منصات المؤتمرات، بل في تلك اللحظة الصامتة والكثيفة بين طبيبة ومريضتها. في ذلك الحيز الضيق، يتجسد جوهر فلسفتها: طب أورام يتمسك بالصرامة العلمية ولا يتخلى عن دفء الإنصات. وفي زمنٍ إعلامي يميل إلى تسطيح سرديات المرض وقولبتها في ثنائية "الانتصار أو الهزيمة"، تصر المرابط على خلق مساحة ثالثة عاقلة: إدارة المرض بوصفه "مساراً" لا مجرد حدث عابر. هي ابنة جيل يعيد كتابة مفهوم الريادة في الصحة العمومية المغربية؛ ريادة لا تُقاس بالضوء المسلط عليها، بل بقدرتها على بناء الفرق، إنتاج المعرفة، وتغيير الممارسات. في طنجة، حيث يتقاطع البحران، تواصل الدكتورة المرابط نحت تقاطعها الخاص بين العلم والإنسان، تاركة بصمة مهنية أقل صخباً مما تتطلبه العناوين المانشيتات، وأكثر عمقاً بكثير مما يسمح به الاختزال.