سعيد رحم لا يزال المشهد الانتخابي في تيزنيت، قبل أشهر من الموعد الرسمي للانتخابات البرلمانية، يموج بالتوقعات والأسماء المطروحة بقوة على طاولة النقاش في الصالونات والكواليس المحلية. من بين الأسماء التي تتردد في أروقة المدينة وإقليمها، اسم فؤاد المودني، رئيس فريق أمل تيزنيت لكرة القدم الذي يقال بأنه مرشح للبرلمان باسم البام على ظهر "الجرار". لكن من المهم، قبل أي تحليل، أن نؤكد على نقطة جوهرية، فحديثنا هنا يدور بالكامل ضمن إطار التوقعات والقراءات، ولا يوجد أي تأكيد رسمي حتى الآن حول نية المعني، أو تزكية البام له، لخوض هذه المعركة الانتخابية، وكل ما سنناقشه هو مجرد قراءة لما يتم تداوله من طرف الرأي العام المحلي. بافتراض جدلية هذا الترشح، يجب الانتباه إلى أن كثيرا من المناولات الإعلامية والسياسية محليا تخلط بين ما تتمناه وبين القراءة والتحليل السياسي للمشهد. كما تبرز مفارقة كبرى لا يمكن إغفالها، وهي الفجوة الواسعة بين "منطق التمني" و"منطق التحليل" الذي يحاول قراءة المعطيات الاجتماعية والسياسية كما هي، وليس كما نتمنى أن تكون.. من هذا المنطلق سنخوض تمرين قراءة ترشيح فؤاد المودني كوجه قادم من عالم الرياضة نحو عالم الإنتخابات، إن صحت المعطيات التي تتحدث عن احتمال ترشحه..فلو قرر فؤاد خوض التجربة، سيعتمد على ركائز تبدو قوية للوهلة الأولى، أبرزها شهرته في الأوساط الرياضية المحلية المرتبطة بناد عريق له قاعدة جماهيرية، والروابط القبلية التي لا تزال تمنح وزنا في نسيج المدينة والإقليم رغم تحولاتها، حيث من المتوقع أن يراهن على "قبيلته" كحزام انتخابي، بالإضافة إلى دعم مالي ولوجستيكي محتمل من بعض الشخصيات النافذة اقتصاديا، من بعض رجال الأعمال و أعيان محليين و" أعيان جينيور"، الذين قد يرون فيه وجها جديدا يستثمرون فيه سياسيا ، بعد تحررهم وتحللهم من التزامهم المالي والمصلحي مع الأحرار برحيل أخنوش عن الحزب بكل ثقله الرمزي والمالي عليهم وعلى مصالحهم، رغم أن فؤاد المودني ليس هو البروفايل الذي يروق كثيرا لبراغماتية الأعيان لقضاء مآربهم وخدمة أجندتهم المالية، فهم يبحثون دائما عن شخصية طيعة ورخوة بين أيديهم ، ولكن في نفس الوقت قوية وصلبة وتملك شجاعة اقتحام دواليب الإدارة والمؤسسات والمجالس المنتخبة، خدمة لمصالحهم و أطماعهم المالية … إضافة إلى ذلك، هناك حديث عن أن فؤاد المودني مدعوم من جهات ، لها علاقات ببرلمانيي حزب البام بالصحراء، ومناوئة للأحرار.. لكن السؤال الحقيقي ليس من سيدعم فؤاد، بل من سيصوت له فعلا في يوم الاقتراع؟ ثمة مفارقة هيكلية، ربما تكون الأكثر إحراجا لأي رهان على شبكة علاقات الأعيان، فبقدر ما كثف فؤاد علاقاته مع الأعيان في اطار بحثه الدؤوب عن جهات مانحة وداعمة لفريق الأمل، بقدر ما كان وجوده منعدما لا يُسمع ولا يُرى في الفضاء العام وتعبيراته الجمعوية والسياسية والاعلامية.. فالأعيان، بطبيعتهم، ليسوا جمهورا انتخابيا، بل هم "رأس مال " يُستعرض قبل الانتخابات ويَدعم ماديا، لكنه يختفي يوم الاقتراع، لأن الناخب لا يصوت ل"صديق الأعيان" فقط، كما أنزحضور الأعيان لم يعد الرهان الواحد والحاسم في تيزنيت، حيث أصبح جلهم في نظر الرأي العام جزء من مشاكل المدينة وليس من حلولها، ولا يختلف أحد في طبيعتهم التقليدية والريعية والانتهازية والطفيلية داخل النسيج الاقتصادي المحلي التى أنهكت البشر والحجر في تيزنيت.. النقطة الأولى، وهي الأكثر وضوحا لأي متابع للمشهد المحلي، أن بروفايل فؤاد المودني وحضوره العام "كروي محض" ولا يتجاوزه إلى أي شيء آخر. ما معنى ذلك؟ معناه أنه إذا نظرت إلى أي نقاش جاد يدور في المدينة اليوم، سواء في المقاهي، أو الجمعيات، أو مجالس الأحياء، أو حتى في وسائل الإعلام المحلية ووسائل التواصل الاجتماعي، فلن تجد لفؤاد المودني أي حضور أو رأي أو موقف في أي ملف من الملفات الحقيقية التي تشغل بال الناس. هو وجه غائب تماما عن النقاش العمومي، غائب عن نقاش الصحة والتعليم والتدبير الحضري للمدينة والرعي الجائر في البادية، غائب عن نقاش البطالة التي تطحن الشباب، غائب عن ملف النقل ، غائب عن أزمة الأحياء الملحقة، غائب عن ملف السكن غير اللائق، غائب عن أي مبادرة جمعوية أو خيرية ذات أثر ملموس.. كل ما يعرفه المهتمون بالشأن الرياضي أنه رئيس ناد حاضر في المدرجات، استطاع أن يقود فريق الأمل بجدارة نحو التأهل، وهذا كل شيء في بروفايله الآن. ثانيا، فؤاد المودني، بمقارنة بسيطة مع منافسيه، ليست مشكلته في كونه فاعلا رياضيا، لكن المشكلة في أنه كان محصورا بالكامل داخل أسوار ملعب المسيرة وكرسي الرئاسة الرياضية والمدرجات، ولم يمد جسورا ولو مطاطية نحو المجتمع المدني أو قضايا المعيش اليومي للناس. هذا المعطى يصبح عائقا في المدينة والإقليم، لأن الناخب هنا، خاصة من الفئات المتوسطة والفقيرة، يريد أن يصوت لشخص "خدم" أو على الأقل "حاول أن يخدم"، وليس لشخص قادم من المدرجات. "ورقة الكرة" التي يعوّل عليها كثيرا ليست فقط غير رابحة، بل قد تكون خاسرة تماما، وذلك بسبب نظرة جزء كبير من الرأي العام إلى البروفايلات القادمة من عالم كرة القدم. في أذهان رب الأسرة، التاجر، الموظف، والمعطل، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة. لقد تحولت إلى مرادف للإلهاء ومشاكل الشباب والقاصرين من تغيب عن الدراسة ونزوع نحو العنف، كما ارتبطت بظاهرة "الألتراس" التي ينظر إليها المجتمع المحافظ على أنها مصدر فوضى، ناهيك عن أحداث القاصرين في "جيل Z" بتيزنيت.. هذه الصورة السلبية تلتصق بأي شخص يأتي من الوسط الكروي، فبدلا من أن يكون فؤاد المودني "رمزا للشباب الرياضي"، قد يُقرأ من طرف وسط محافظ شعبي ك"رمز لمشاكل الشباب". النقطة الثالثة، وهي قاتلة لأي رهان على الجماهير الرياضية المنظمة، أنه لا يمكن أبدا لفؤاد المودني أن يعول على الجمهور ومجموعات "الألتراس" أو "الرزينغ" في حملته الانتخابية، فعقيدة هذه المجموعات تقوم على رفض مطلق لأي توظيف سياسي أو انتخابي. هي مجموعات تأسست أصلا ضد السلطة والهيمنة وكرد فعل أيضا على ما تعتبره "تسييس وتدجين الملاعب" و"استغلال الأندية". بالنسبة لهذه المجموعات، الانتخابات والسياسة "قذارة" لا تريد أن تمس كرة القدم بها. علاوة على ذلك، توجهات هذه المجموعات، بشكل عام، هي شبابية راديكالية في مزاجها السياسي، وغالبا ما تتبنى مواقف أناركية وفوضوية وعدائية تجاه المشاركة السياسية المؤسساتية، معتبرة إياها "وهما" أو "سرابا" أو "لعبة نخبة". بعض فصائلها قد تميل نحو اليسار الراديكالي أو اللاسلطوية، لكن القاسم المشترك هو عدم الثقة في أي مرشح مهما كان.. لذلك، حتى لو كان فؤاد المودني "ابن النادي" و"رمز الفريق"، فإن جمهور المدرجات المنظم، الذي يهتف باسمه في المباريات، سيتحول في يوم الانتخابات إلى "جمهور غائب" أو حتى معاد، لأنه ببساطة لا يؤمن باللعبة السياسية ولا يريد أن يُستخدم كورقة فيها.. وهذا وهم كبير أن يظن المرشح أن تشجيع الملعب يتحول تلقائيا إلى بطاقة اقتراع وصوت.. النقطة الرابعة، وهي تكشف فارقا جوهريا بين فؤاد المودني وغيره من الشخصيات الرياضية التي نجحت في السياسة، أن وضع فؤاد المودني مختلف تمام الاختلاف. هو قادم من الرياضة نحو السياسة، بينما في المقابل، معظم "بارونات" الفرق الرياضية في كبرى المدن المغربية قدموا من اتجاه معاكس. لقد كانوا أولا شخصيات سياسية أو اقتصادية أو برلمانية سابقة، لهم ثقلهم المالي وحواضنهم السياسية والاقتصادية، ثم توجهوا نحو تسيير فرق رياضية كاستثمار إضافي.. هم لم يأتوا من المكاتب المسيرة للأندية الرياضية إلى قبة البرلمان والمجالس المنتخبة، بل أتوا من محاضنهم المالية والحزبية إلى كراسي رئاسة الأندية. وبالتالي، عندما قرروا خوض الانتخابات، كانوا يحملون معهم شيئين لا يملكهما فؤاد المودني، أولا، شبكات علاقات سياسية واقتصادية هائلة سبق أن بنوها خارج الرياضة، وثانيا، تجربة في تدبير الشأن العام أو عالم المال. أما فؤاد المودني، فببروفايله الرياضي المحض، يحاول أن يسلك الطريق المعاكس والصعب، بناء شرعية سياسية وانتخابية انطلاقا من شرعية رياضية فقط. وهذا الطريق، في ظل افتقاره الى حواضن سياسية أو اقتصادية مالية تسبق تجربته الرياضية، هو طريق شبه مسدود في مدينة مثل تيزنيت، حيث الناس تقيس المرشح بخدماته السابقة وعلاقاته النافذة، وليس بشعار فريقه وترتيبه في البطولة. النقطة الخامسة، وهي الأعمق، تتعلق بهوية القاعدة الانتخابية الفعلية في تيزنيت. هذه القاعدة ليست جمهور "ألتراس" أو جمهور "الفيسبوك"، ولا حتى الأعيان وحدهم وميولاتهم، بل فئات أخرى من موظفين، وتجار صغار ( بزار تيزنيت قياسا على بزار طهران)، ومتقاعدين، وربات بيوت.. هذه الفئات تبحث عن معايير محددة.. "الرمز" الذي يعبر عن انتظاراتهم، "الخدمة" المباشرة، "العرض الجاد" عن قضايا المواطن، القرب و"المعرفة" السابقة للمرشح، وأحيانا المال الانتخابي.. أما الكرة وترتيب الفريق، في سلم أولوياتهم، فمسألة غائبة .. هنا نصل إلى الالتباس الكبير، وهو الخلط بين "الفيسبوك" و"صندوق الاقتراع". قد تنطلق حملات رقمية واسعة تظهر تفاعلا كبيرا، لكن التفاعل على منشور لا يكلف شيئا، بينما الذهاب إلى مركز الاقتراع فعل مكلف لا يقوم به إلا من يملك دافعا قويا، والجمهور الرياضي غالبا لا يملك هذا الدافع السياسي، ولا يذهب إلى صناديق الاقتراع بنفس الحماس الذي يذهب به إلى قداس يوم الأحد في ملعب المسيرة ليستمتع بموعظة/ فرجة فؤاد. في الخلاصة، ومرة أخرى نكرر أن كل هذا يبقى مجرد توقعات غير رسمية قد لا ترى النور، لكن لو افترضنا جدلا أن فؤاد المودني دخل المعركة، فإن قراءة المعطيات كما هي تقود إلى نتيجة شبه مؤكدة، رجل بلا حضور في أي ملف من ملفات المدينة، بروفايله كروي محض لا يتعدى أسوار الملعب، رهان على أعيان ، وتجاهل ناخبين لا يعرفونه أصلا..رجل لا يمكنه أن يعول على الألتراس والرزينغ الذين ترفض عقيدتهم الرياضية السياسة أصلا، وهو يختلف كليا عن نموذج "البارونات" الذين دخلوا الرياضة من أبواب السياسة والمال وليس العكس. الناخب الحقيقي يبحث عن شخص عاش مشاكله وناقشها وحاول حلها وقدم خدمات.. قد ينجح المودني في جمع أصوات مشجعين هنا وهناك والتفاف من قبيلته وبعض "جنيور الأعيان"، لكن الوصول إلى قبة البرلمان يتطلب أكثر من مهارة في المراوغة بالكرة، إنه يتطلب مهارة في مراوغة واقع اجتماعي وسياسي معقد لم يكن فؤاد طرفا فيه أبدا.