ذ.سعيد رحم شكلت طبقة الأعيان عبر التاريخ المغربي أحد الأركان غير الرسمية لإدارة المجتمع، حيث نشأت هذه الظاهرة في محاضن السلطة التقليدية. فالأعيان هم أولئك الذين جمعوا بين المال والجاه والانتماء العائلي، وكانت ثروتهم غالبا حصيلة الريع والامتيازات التي أغدقتها عليهم السلطة التقليدية، مما جعلهم حلقة وصل بين الحاكم والمحكوم، ووسطاء في حل النزاعات، وأوصياء على الولاءات السياسية والعائلية. لقد كانت هذه الطبقة لقرون طويلة العمود الفقري للمجتمع القبلي والبدوي وحتى الحضري القديم، حيث كان لقب الأعيان يعني تلقائيا التوقير والاحترام والسمع والطاعة. في مدينة تيزنيت، وُلِدت نخبة جديدة من الأعيان مع طفرة نهاية السبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي ، تلك الفترة التي تزامنت فيها تحويلات العمال المهاجرين بالخارج مع مشروع "المطاحن" بالمدينة، وما شهدته تيزنيت من مد عمراني واسع وما رافقه من مضاربات عقارية وتهافت على الاستثمار في العقار والتجزئات.. كما شكلت الهجرة القروية نحو تيزنيت، والتي شملت تجارا ومهاجرين بالخارج حملوا معهم رؤوس أموال كبيرة، دفعة قوية لتشكل أعيان جدد استقروا بتيزنيت وأسسوا لأنفسهم مواقع نفوذ اقتصادي واجتماعي بدعم من السلطة ومجالس منتخبة وجدوا فيها الدعم والقابلية لتمرير مشاريعهم، خاصة في العقار. لقد قُدرت تحويلات المغتربين في تلك الفترة بملايين الدراهم، مما وفر سيولة هائلة لم تكن مألوفة في المنطقة، وعززتها رؤوس أموال المهاجرون العائدون نهائيا للاستقرار في تيزنيت. وفي الوقت نفسه، شكل مشروع "المطاحن"، بدعم من الدولة، قاطرة اقتصادية غيّرت ملامح الثروة المحلية بتيزنيت، وصنعت ثروة صُرِف فائضها في العقار، وخلق شبكة علاقات وولاءات معقدة ومتنفذة في المدينة. هذه التحولات وفّرت أرضية خصبة لبروز طبقة استثمرت الاقتصاد الريعي والسيولة القادمة من الخارج لتعزيز نفوذها، فاختلط المال القادم من العمل بالمهجر مع المال الريعي للصفقات العقارية، وتشكلت بذلك أرستقراطية محلية جديدة لا تستند إلى نسب أو قبيلة بقدر ما تستند إلى رأس المال والعلاقات والقرب من السلطة وإدارة الدولة والمجالس المنتخبة. لكن السمة الأبرز لأعيان تيزنيت اليوم هي تراجعهم عن الأدوار التقليدية للأعيان. ففي الماضي، كان الأعيان هم الملجأ الأول لحل النزاعات، والوسيط الأمين بين "الرعية" والسلطة المخزنية. أما اليوم، فلا يساهمون في ضمان الاستقرار، ولا في حل النزاعات المحلية، ولا في تمثيل مصالح السكان لدى السلطات المركزية. بل إن بعض الأعيان لعبوا أدوارا سلبية جدا في بعض الجماعات القروية، وصلت إلى درجة عرقلة سير مجالس منتخبة والاصطدام بشباب يسيرون هذه المجالس، خارج طقوس الحكمة والوقار والوساطة والتعفف عن النزول إلى حضيض حسابات ضيقة وتافهة.. بل إن بعضهم وصل إلى حد اعتبار بعض الجماعات القروية "محميات خاصة" تخضع لنزواتهم وتقلبات مزاجهم السياسي. بل إن أكبر ما يؤاخَذ على أعيان تيزنيت أنهم لم يصلوا في أدوار الوساطة إلى الدور الذي لعبه أعيان في مناطق ومدن أخرى قريبة منا، مثل المرحوم الحاج الحسين أشنكلي في أكادير الذي كان يستطيع التواصل مع أعلى سلطة مركزية حول ملفات تنموية تخص أكادير، حيث ترافع مثلا من أجل إنشاء جامعة ابن زهر وطالب بطريق سيار بين مراكشوأكادير. فأعيان تيزنيت لا يتجاوزون حدود المدينة للدفاع عن قضاياها، ولا يملكون شجاعة وضمير طرح مشاكل المدينة وملفاتها التنموية بنفس الاندفاع الذي يدافعون به عن مصالحهم الشخصية. إنهم، باختصار، فئة جبانة في الدفاع عن المدينة، تختفي عندما تحتاجها المدينة وتظهر فقط عندما تُمس مصالحها ومنافعها الخاصة. فئة لا غيرة لها على المدينة. ويمكن وصفهم ب "أعيان مصالحهم"، يظهرون ويتحركون فقط عندما تهدد مصالحهم الشخصية، أو عند بروز ملفات تصطدم فيها مصالحهم مع مسؤول مثلا في المحافظة العقارية أو الضرائب أو القضاء.. حينذاك تتحرك آلتهم، أو في المواسم الانتخابية حين يخوضون غمار صناعة مجالس على مقاس مصالحهم. أغلبهم في صدام دائم مع الساكنة بسبب الترامي على العقار والنزاعات العقارية. فقد تحول العقار، خاصة مع ارتفاع قيمته في تيزنيت خلال العقود الأخيرة، إلى ساحة حرب بين أعيان يريدون المضاربة وسكان يدافعون عن حقوقهم. كما أن أعيان تيزنيت يتوهمون أحيانا أنفسهم فوق الإدارة والمجالس المنتخبة وفوق المؤسسات، ولا يترددون في اعتبار أنفسهم بكثير من التعالي أوصياء على المدينة ومواطنيها ومؤسساتها، ويسعون إلى خلق مجالس ظل ولوبيات صامتة وبنية سرية تعمل في الخفاء لتوجيه القرارات وضبط المدينة على ايقاع مصالح أجنداتهم.. بل إنهم لا يتوقفون عند هذا الحد، فحتى الإدارات التي لم يستطيعوا توظيفها لصالحهم، يتحركون ضدها بشراسة في شكل لوبيات ضغط أو حملات إعلامية موجهة أو "ملتمسات كيدية" ضدها، محاولين شل قراراتها أو تغيير مسؤوليها. صحيح أن الأعيان يُعرفون كشخصيات محلية ذات نفوذ اقتصادي أو اجتماعي أو عائلي، مثل شيوخ القبائل ووجهائها ورؤساء الجماعات وكبار التجار وأعيان العائلات المعروفة. وهذه الشخصيات قادرة نظريا على توجيه خيارات الناخبين بفضل شبكة علاقاتها الاجتماعية والعائلية، وحشد الأصوات، وتقديم خدمات مباشرة للسكان كالمساعدات العينية والشفاعات لدى الإدارة. لكن في تيزنيت اليوم، لم يعد لهذه الطبقة تأثير كبير مقارنة بالسنوات الماضية. إذ جرفت التحولات الاجتماعية والتعليمية والوعي الجديد لدى الناخب هذا النفوذ القديم، واكتشف المواطنون أن أصواتهم لم تعد تُباع بوجبة طعام أو بوعد كاذب، كما أن الأحزاب السياسية والجمعيات قلّصت من أدوار الأعيان. وإلى جانب هؤلاء الأعيان، تبرز اليوم فئة أخرى وهي "أعوان الأعيان"..إنهم ليسوا أعيانا بالمعنى الكلاسيكي، ولا يمتلكون ثقل المال أو النفوذ العائلي نفسه، لكنهم يتشبهون بالأعيان ويقدمون أنفسهم كوجهاء جدد أو مقربين منهم. دورهم الحقيقي يختلف تماما عن مظهرهم، فهم إما يقدمون خدمات متنوعة للأعيان، أو يظهرون في واجهة مجالات لا يجرؤ الأعيان على اقتحامها علنا (كبعض الصفقات المثيرة للجدل أو المنازعات القضائية أو الضغط على مسؤولين صغار أو الحضور داخل المجالس المنتخبة)، أي يتحولون ببساطة إلى "عمال مناولة" في مجالات لا يرغب الأعيان في الظهور فيها بأسمائهم، فيقومون بالأعمال التي يأنف عنها الأعيان، ولكن يحصدون ثمارها.. "أعوان الأعيان" يشكلون الغطاء المتحرك للأعيان، وهم الذين يستقبلون الصفعات أحيانا نيابة عنهم، ويعملون على تضخيم صورة الأعيان في الفضاء العام، مقابل حصولهم على فتات النفوذ أو بعض الصفقات الصغيرة. وبدون هؤلاء، ستبدو طبقة الأعيان أكثر عزلة وأقل قدرة على تغطية كل جبهات نفوذها. وخلاصة القول، الأعيان في تيزنيت طبقة انتهازية وطفيلية، تجمع بين الجبن في الدفاع عن القضايا الجماعية والاندفاع في الدفاع عن مصالحها الخاصة، وأحاطت نفسها بفئة من الأعوان تكرس نفس المنطق الاستغلالي. وأختم هنا بواقعة تُقرّبنا من مزاج الأعيان، فقد حدثني فاعل سياسي مخضرم – رحمه الله – أن مشروع المطاحن سهر على تيسير إخراجه إلى الوجود عامل تيزنيت السابق العلج رحمه الله، وأنه عندما قدم الفكرة للأعيان، أو تحديدا للنواة الأولى لتشكل أعيان بداية ثمانينات القرن الماضي في تيزنيت، قال لهم "هذا مشروع بمثابة وجبة ستعيشون فيه أنتم وأولادكم وأولاد أولادكم".. وكذلك كان. لكن عندما توفي ذلك العامل بعد سنوات، لم يُكلف أحد من الأعيان نفسه تعزيته أو تذكره. هذه الواقعة تكشف طبيعة هذه الطبقة تأخذ ولا تعطي، تستفيد ولا تفي، وتحضر حيث المصالح وتغيب حيث الواجبات.. وعلى ضوء أحداث و وقائع كثيرة، تشكلت صورة الأعيان في ذاكرة تيزنيت ومخيالها السياسي كرمز للفراغ الأخلاقي والقيمي والسياسي، وتعبير عن الجشع واللهث وراء مصالحها الخاصة ورغبة جامحة في تطويع الجميع، عمال الإقليم، الإدارة، المؤسسات، والمجتمع، لخدمة أجندتها.. ولا تنظر إلى تيزنيت إلا كوليمة مُنَسَّمة بأعشاب الريع، وتُطبخ على نار هادئة بثلاثة أثافي، الإدارة والمجالس المنتخبة وأعوان الأعيان.