الأمن ينعى شهيد الواجب رشيد رزوق    نشرة إنذارية.. تساقطات ثلجية وزخات رعدية محليا قوية مصحوبة بحبات البرد يومي الجمعة والسبت بعدد من مناطق المملكة    الخطوط المغربية تدشن خطاً جوياً مباشراً بين بروكسل وتطوان    استفتاء "ماركا" يثير الجدل.. المغرب في صدارة المنتخبات غير المرغوب تتويجها بالمونديال وموجة تعليقات تكشف خلفيات المشهد    جددت المملكة المغربية وجمهورية كوستاريكا، اليوم الجمعة بالرباط، التأكيد على التزامهما بإرساء علاقاتهما الثنائية ضمن دينامية جديدة قائمة على حوار سياسي مهيكل وتعاون معزز    ربيع الجاكاراندا للمسرح المتوسطي يزهر في رياض السلطان    "واشنطن بوست": أمريكا استخدمت المئات من صواريخ توماهوك في إيران    الارتفاع يفتتح تداولات بورصة الدار البيضاء    بطولة UNAF: أشبال الأطلس على موعد مع مواجهة حاسمة أمام الجزائر    مدينة الدار البيضاء تحافظ على صدارة المراكز المالية في القارة الإفريقية    إحباط تهريب دولي للكوكايين بالكركرات    مراكش.. إلقاء القبض على شخص فرض على سائق سيارة تأدية مبلغ مالي مقابل ركن سيارته في الشارع العام بدعوى توفره على "رخصة"    أمطار رعدية وتساقطات ثلجية بالمغرب    مفوض للأمم المتحدة يطالب بالعدالة وإنجاز التحقيق الأمريكي في الضربة على مدرسة إيرانية    أسَابِيع الحرْب والنَّجِيعْ    الفنان جمال الغيواني يصدر أربعة أغاني جديدة    شَغَبُ المَاءْ            أرباب المقاهي يطالبون بإلغاء الساعة الإضافية بسبب تداعياتها على أنشطتهم    "بلطجة وإهانة".. نادي المحامين بالمغرب يهاجم ندوة الاتحاد السنغالي بباريس    الصين تمضي قدما في سباق الفضاء بإطلاق قمر تجريبي جديد إلى المدار    إدانة الرابور "الحاصل" بثمانية أشهر حبسا نافذا    ميسي يحدد مصيره.. سكالوني يؤكد دعمه قبل كأس العالم    معاقبة غارناتشو لاعب تشيلسي بسبب السرعة الزائدة            الحرس الثوري يستهدف إسرائيل وقواعد أمريكية في الخليج بالصواريخ والمسيّرات        القضاء الأمريكي يوقف حظر ترامب على "أنثروبيك"    إطلاق دراسات تهيئة منطقة لوجستية بالعرقوب قرب الداخلة لمواكبة مشروع الميناء الأطلسي    "العدالة والتنمية" ينتقد استمرار غياب أخنوش عن دورات جماعة أكادير وطريقة تدبير المشاريع بالمدينة    لجنة من "فيفا" تتفقد جاهزية أكادير لاحتضان مباريات مونديال 2030    عجز السيولة البنكية تجاوز 133 مليار درهم عند متم فبراير 2026    النفط ينخفض بعد تمديد المهلة لإيران من طرف ترامب لكن الأسعار لا تزال مرتفعة    هجوم يستهدف ميناء الشويخ بالكويت    أمطار مرتقبة في توقعات اليوم الجمعة بالمغرب    خطة إسرائيل لإقامة "منطقة عازلة" في جنوب لبنان .. اجتياحات وتوغلات    المغرب يستعد لمونديال 2030... لكن مطاراته لا تزال تعاني: طوابير، تأخير وخدمات تُغضب المسافرين    السجن 18 عاما غيابيا للباحث الإسلامي طارق رمضان في قضية اغتصاب بفرنسا    برنامج "المثمر" يحسّن الإنتاج الحيواني لآلاف مُربي الماشية في المغرب    مجد "الغاروم" المغربي    تصاعد مقلق للسل خارج الرئة في المغرب    الحكامة الترابية في زمن المخاطر... من تدبير الكوارث إلى هندسة الوقاية الاستباقية    هل فشل العمل الجمعوي في المغرب أم فشلنا في فهمه؟    الحملات الانتخابية السابقة لأوانها فضحت واقع الأغلبيات الهجينة    جهة الدارالبيضاء سطات تحتضن ربع الحالات المسجلة وطنيا .. نحو 34 ألف حالة سل في 2025 والمعدل الوطني للإصابة يرتفع إلى 91 حالة لكل 100 ألف نسمة    الطالبة الباحثة حنان خالدي تناقش أطروحة الدكتوراه في مجال التغذية والبيوكيميا    بنسعيد: وتيرة التطور في الذكاء الاصطناعي تتجاوز آليات المراقبة الأكاديمية    معرض يحتفي بالمكسيكيات في الرباط    توقيف المغني Gims رهن التحقيق.. هل تورط في شبكة دولية لتبييض الأموال؟    فاس.. عرض "نوستالجيا" يغوص بالجمهور في أبرز محطات تاريخ المملكة    دراسة: الطعام فائق المعالجة يقلص خصوبة المرأة    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سفيتلانا أليكسيفيتش: انبعاث العنف الديني يشعرني بالخوف وواجب المثقف تنوير الشعب

تقديم: الكاتبة البيلوروسية سفيتلانا أليكسيفيتش، الفائزة بنوبل للأداب سنة 2015، تسبر بلا كلل أعماق الروح الروسية، ابتداء من فترة الحرب العالمية الثانية، وصولا إلى فترة فلاديمير بوتين. تتويجها يوم8 أكتوبر، يعني أن الأكاديمية السويدية، كرست مشروعا يستكشف الآثار المتوارية داخل الوعي، تبعا للكوارث الكبرى التي تعود للعهد السوفياتي (الحرب العالمية الثانية، الحرب في أفغانستان، تشرنوبيل، تفكك الاتحاد السوفياتي). استغلت جريدة لوموند مناسبة عبورها من باريس، كي تحاورها بخصوص طريقتها في الكتابة، وأساس عملها، ثم حمولته الميتافيزيقية. توجه سفيتلانا أليكسيفيتش، انتقادا شديد اللهجة للسياسة التي يتبناها فلاديمير بوتين، وترصد مظاهر الحنين إلى الحقبة السوفياتية المهيمنة في روسيا، ثم خيبات الأمل المتعلقة بالانتقال الديمقراطي، وكذا البعد القومي الجديد، الذي فرضه الرئيس الروسي.
* ستذهبون شهر دجنبر إلى ستوكهولم، لتسلم جائزة نوبل في الآداب. هل، لديكم مسبقا فكرة عن الخطاب، الذي ستلقونه هناك؟ ثم ماذا أحدث هذا الاستحقاق من تغير، بالنسبة لكم؟
** أنا بصدد التفكير في الموضوع، أتطلع نحو إلقاء خطاب، يمزج بين التأملات الفلسفية والأدبية، والحديث عن الكائن الإنساني واليوتوبيا ثم الفن وما يخلقه من إمكانيات. أيضا، أود استحضار مساري الخاص. في جميع الأحوال، هذه الجائزة، لن تغير شيئا، فيما يتعلق بأسلوب عملي. غير، أن الأمر يختلف من الناحية الاجتماعية، فقد أضحى لدي وضع آخر. لقد بعثت على سبيل الذكر، برسائل تضامن إلى "أوليج نافلني" Navalny (أخ المعارض الروسي أليكسي نافلني، المعتقل بسبب جنحة مالية) وكذا "نادية سافتشينكو" Savtchenko (مناضلة أوكرانية، حكم عليها في روسيا بتهمة جريمة قتل). أشير إلى هذا، ونحن نعيش تحت رحمة نظام أوتوقراطي، بحيث لايمكنك امتلاك كثير من الخيارات. قد تحصل على ثلاثة جوائز نوبل، ثم لايصير بعد وضعك مهما، كي يتم الاستماع إليك.
* لقد صرحتم: "أنا لست امرأة المتاريس". هل توخت لجنة نوبل الدفع بكم، دون رغبة منكم إلى هذا الدور؟
** لا. أعتقد ما أثار اهتمام اللجنة، هو الجانب الأدبي، وكذا مشروعي، المنصب على دراسة: "الإنسان الأحمر". الإنسان السوفياتي، منذ تبلوره وحتى أفوله. نتمنى رحيله، لكنه ذهب وهو يصفق الباب، محدثا شيئا من الرعب. سؤالي الجوهري: ما الذي تراكم خلال الحقبة السوفياتية، في عمق الشعب، وماذا سيفرز ذلك؟ مع تسيد الرأسمالية المتوحشة، والبؤس المهيمن، يصعب التنبؤ بما سيحدث: ثورة شعبية أو قومية قوية جدا. لقد لاحظت، بعد أسفاري إلى أماكن عدة في بيلاروسيا وروسيا وأوكرانيا وكازاخستان، أن الناس صاروا أكثر عدوانية.
* يقول بعض الكتاب، إن كل إصدار يزيح سابقه، بينما أنتم تقدمون شعورا معاكسا، مفاده أن كل كتاب يمثل لبنة، ولديكم تصور قبلي، عن البناء الذي أنتم بصدد، إقامة أسسه؟
** لدي الانطباع، بأني لا أنجز سوى مؤلف واحد، يروي تاريخ الروح الروسية والسوفياتية. حينما باشرت سنة 1978، ما سيشكل بعد ذلك، عملي الأول: ليس للحرب وجه امرأة. كنت في الثلاثين من عمري، وقد امتلكت منذئذ حدسا أوليا. لقد تبينت الأمر، حين تجميعي لشهادات عدد من النساء، حول الحرب العالمية الثانية، حيث لازالت وقتها الإيديولوجيا السوفياتية متماسكة جدا. فضلا عن ذلك، تحقق الانتصار الروسي، مرده إلى صلابة هذا المثال الأعلى. لكن، حينما ذهبت إلى أفغانستان، سنوات قليلة بعد ذلك، وحاورت الناس هناك، اكتشفت تصدعا لهذا المثال الأعلى، فأدركت، أن هذه الكتب ستشكل إذن مجموعا. ثم سنة 1992، وبالضبط عقب البيريسترويكا، كنت شاهدة عيان بخصوص موجة الانتحارات (البيريسترويكا، قامت بها طبقة رفيعة من المثقفين، بينما كان الشعب تائها)، مما أوحى إلي بكتابة: فتنتهم الموت. الذي كان خطوة أولى لعملي الآخر: نهاية الإنسان الأحمر (2013). هنا توضحت لدي نهائيا، صيغة مخطط "الإنسان الأحمر"، من ولادته حتى أفوله. أعتبر الآن، أن هذه الدورة حول اليوتوبيا، قد انتهت. فالكتابة حول مايجري حاليا تحت حكم بوتين، لن يتجاوز إطار العمل الصحافي الخالص، نظرا لانعدام مساحة التأمل الجوهرية. أعرف، بأني أريد حاليا التكلم عن الحب والموت. حتما، بدون ميلودراما. ثم مواصلة البحث في معاصري. لماذا نصبو إلى السعادة، ثم نعجز عن تحقيقها؟ ربما هي ليست بحالة عامة، لكني سأهتم بالمتغير الروسي !.
* كيف تتأتى إليكم قيمة الكلام، وما الذي يضفي قيمة على نصوصكم؟
** أسجل كل شيء، لأنه حينما نعاود الكتابة ثانية بالقلم، نضيّع الفوارق. يجب تناول عمق الأفراد، وليس مجرد كلماتهم. في كتابي"تضرّع" الذي تطرقت من خلاله إلى حادثة تشيرنوبل، فقد تحاورت مع خمسمائة شخص، لكني لم أحتفظ إلا بمائة. بالنسبة للشهادات الطويلة، أسعى للقاء الشخص عشرات المرات. أحاول بداية، التخلص قدر الإمكان، من المبتذل. يهمني أساسا، تلك التفاصيل الصغيرة، التي لانطرح دائما حولها أسئلة. بصفة عامة، يفتقد الحوار الأول للمادية. تلك التي نقرؤها في الصحف: الحسي غائب تماما كتفاصيل الأحاسيس. أنا أبحث مع الناس، عن المعنى العميق لما عاشوه. أحيانا، قد لايظهر ذلك، إلا بعد مرور ثلاث أو أربع سنوات على تسجيل ما. ثم، تأتي أهمية اختيار عنوان الكتاب، بحيث عندما أستلهم عنوانا، أعلم بالضبط عن ماذا سيتحدث، فأجد له إيقاعه. ستصل ربما اللحظة، التي نتكلم فيها عن علاقات الإنسان بالعالم والحيوانات والكون. لكن العالَم الروسي، لايزال بعد بربريا، وسؤال العلاقة بين البشر، تبقى أولية ولها الصدارة. آنيا، كثيرة هي القضايا، التي تجد حسمها النهائي بالقتل. منذ ثلاثين سنة، وأنا منكبّة على قضايا مرعبة، وأحاول فهم معناها.
* هل يمكن التحدث عن حمولة ميتافيزيقية، في عملكم؟
** هي الأهم، وإلا فلن يتجاوز الأمر نطاق الكتابة الصحافية. أضع الأفراد أمام ورطة: من هم؟ ماذا يصنعون؟ ويلزمهم الإجابة على هذه الأسئلة.
* يبدو أن النساء، لعبن دورا مهما، في بناء كتبكم؟
** أتذكر، وأنا صغيرة، حوارات بين نساء داخل المطبخ، ولازلت حتى اللحظة أسمع تردد الصوت المعشوق لجدتي الأوكرانية. نعم، يشغل الحكي النسائي، حيزا مهما في خيالي. أجد صعوبة، كي أتموقع في الفضاء الذكوري. بوسع النسوة التكلم في المطابخ عن الحرب، لكن بطريقة مختلفة جدا. أذكر، حين اشتغالي على كتابي: ليس للحرب وجه امرأة، أني التقيت زوجين لهما ذكريات على قدر من التباين، سيندهش كل واحد منهما حول ما يرويه الثاني بصدده. أما فيما يتعلق بحبهما، فالزوجة بقيت تتذكر كل شيء، أما زوجها فلاشيء.
* هل يميل الروس إلى الاعتراف؟
** نعم، يمنحك الروس، إمكانية النفاذ إليهم، بشكل سهل جدا. ربما، يعود هذا إلى الحياة السوفياتية، ويتصل بحياتهم الجماعية. حكاياتهم حميمية، لكنها في المقابل، تفتقد دائما لبعد شهواني. بالتالي، عندما نتكلم عن الحب في الأدب الروسي، سيأخذ المفهوم منحى خاصا جدا: الجسد غائب تماما، بل لاوجود حتى لهذه الكلمة. غالبا، الحب الروسي، هو امرأة تنتظر رجلا، سيعود في حالة سيئة، من الحرب أو السجن أو تشرنوبيل. دائما، يجسد حب المرأة تضحية. مثلا، في كتابي: تضرّع. تزور امرأة زوجها في المستشفى، الذي تعرض لنشاط إشعاعي، ورغم حواجز الواقيات والستائر، الفاصلة بينهما، اقتربت منه، وتناولت تفاحة من يده. بعد فترة، أنجبت مولودة صغيرة، مشوهة الخلقة، لفظت أنفاسها، خلال أيام.
* ماهي علاقتكم بالدين؟ وكيف تنظرون إلى استحواذه على المشهد الحالي؟
** انبعاث المعطى الديني، يشعرني بالخوف. صارت الكنيسة الأرثوذوكسية الروسية، عاملا للتسلط والضبط، تربي عبيدا. لقد سمعنا، مؤخرا تصريحا، للناطق باسمها، يقول:"لحسن الحظ، أننا تركنا خلفنا سنوات الرخاء، لأنها تؤدي إلى تحريف النفوس عن التضحية". بالموازاة، سيتباهى البطريرك بساعاته الجميلة وسياراته. فعندما أسافر على امتداد روسيا، ألاحظ كثيرا من الكنائس الخورانية، يقابله تراجع لاستقلال فكر الرهبان، بحيث تنحّت جانبا الشخصيات القوية. فيما يخصني، لقد عملت جدتي على تعميدي دون علم أبي، صاحب العقيدة الشيوعية. أملك حسا إيمانيا، لكن على طريقة الفنانين: حينما أرى حديقة جميلة، يثيرني المشهد. غير أني اخترت ببداهة، وجهة الكنيسة، عندما توفيت أختي الصغيرة.
* تتكلمون عن"العالَم الروسي"، هو ذات التعبير المستعمل من طرف فلاديمير بوتين، حين توخيه تحديد الفضاء الناطق بالروسية، الذي يقتضي منه مسؤولية. أنتم، باعتباركم كاتبة بيلوروسية باللغة الروسية، هل تقرون بهذا المفهوم؟
** أنحدر من ثلاثة أصول: أوكرانية وبيلوروسية ثم الثقافة الروسية. بغير الثقافة والفلسفة الروسيتين، لم يكن بمقدوري الانتهاء إلى تحقيق وضعي الحالي، أو التمكن من إنجاز عملي: تضرّع. عالمي الروسي، مغاير لما يتصوره بوتين، إنه عالَم، شوستاكوفيتش وديستويفسكي وتشيخوف وروستروبوفيتش وأليكساندر إيرزين... فيما يتعلق بالعالَم الروسي، الذي أتطلع إليه، فيمر عبر دعم متزايد لأوكرانيا من طرف الغربيين. سيمثل نجاح أوكرانيا وتحولها، أبلغ جواب ضد خطابات بوتين. لقد اعتبرت دائما، أن الحرب في "دونباس"، مثلت عدوانا عسكريا ضد أوكرانيا واحتلالا. بالتأكيد، يشكل شخص بوتين، أصل كل حرب أهلية في المنطقة. يمكن، الإتيان إلى بيلاروسيا بخمس شاحنات ممتلئة بالكلاشينكوف، ثم يتكرر نفس السيناريو: نصادف دائما أشخاصا مستعدين لإطلاق النار. حالة منطقة "القرم"، هي أكثر تعقيدا، أعرف أشخاصا ذرفوا الدموع سعادة، حينما سمعوا خبر ضمها. لكن لمعرفة ما يفكر فيه الشعب حقا، يلزم إجراء انتخابات حرة. ببساطة، اجتاح الروس الإقليم، واستولوا عليه.
* الإحالة على الحرب العالمية الثانية، تحضر أيضا بقوة في الخطاب الرسمي الروسي، على ضوء هذا النزاع؟
** تعتبر الحرب العالمية الثانية، الثراء الوحيد المتبقي للسلطة الروسية الحالية، ورأسمالها المطلق. حينما، أعلنت فائزة بنوبل، أسرعت الصحافة الروسية إلى نعتي بالمعادية للروس، ووصلي بفئة (القوميين الأوكرانيين الذين حاربوا إلى جانب النازيين). حينما كنت في أفغانستان، وقد مرت الآن أربعة وثلاثون سنة، سمعت وقتها كل هذه الإحالات على سنة 1941، وكذا دورنا التحريري، لكن فيما بعد لاحظت مستوى كره الروسيين هناك، فشكلت الواقعة صدمة.
* هل توجد إيديولوجية "بوتينية" Poutinisme؟
** سنة 1991، استيقظ الشعب على بلد جديد وغير مفهوم، ثم صمت. عندما أغلقت المصانع أبوابها، ولم يعد يجد الأفراد ما يأكلونه، سوى البطاطس، شرعوا يظهرون استياء نحو "الديمقراطيين الليبراليين". بعد عشرين سنة من الصمت، تبوأ بوتين السلطة، معلنا بقوله: "وحدهما الجيش والأسطول، أصدقاؤنا"، فخصص مختلف عائدات البترول والغاز للجيش، ولم يصرح بأي كلمة يعلن من خلالها اعتزازه بديمقراطية ما، بل تكلم فقط عن روسيا الكبرى والاحترام الذي يكنه لها... خلال حقبة يلتسين، قلنا دائما أننا نحتاج إلى "فكرة قومية"، بهدف تمتين البلد والمجتمع، وهاهو بوتين يعثر عليها، فأثار إعجاب الشعب. أما، نحن الأنتلجانسيا المعدودة ، بدأ ينتابنا شعور بالخوف. انتظرنا شيئا آخر، وليس مجرد شعارات وإعادة توزيع البترول، على الأوليغارشيات، وكذا أصدقاء بوتين.
* منطلق هذا الخطاب فكرة أن الغربيين "احتقروا"روسيا طيلة خمس وعشرين سنة، ألا تتبنون هذا الطرح؟
** بهذا الخصوص، نقف على جانب من الصواب. لقد، سبق لحلف شمال الأطلسي، أن وعد غورباتشوف، بعدم إقامته لصواريخ بجوار روسيا. لكن، عندما شعر الغرب بانتصاره، أقدم على ارتكاب أخطاء متعددة. إحساس الروس بالإهانة قائم حقا.. حاليا، يفسرون لهم عبر التلفزيون، أن الغرب يتوخى سرقة ما لدينا من بترول وغاز.
* ترصدون على امتداد عملكم، تأثير الأيديولوجية السوفياتية على الأفراد. هل كرست سلفا إيديولوجية بوتين، تأثيرا على الإنسان السوفياتي؟
** نعم، لم أعد أتعرف على الأشخاص، بعد أن فقدت أصدقاء. لم ننتبه بما يكفي للأعراض الأولى، والتلفزة تعرض هذه الأفلام حول "تشيكا" (البوليس السياسي القديم) وستالين. بل، حاولوا تبرير ماقام به "بافلوفيتش بيريا" (رئيس جهاز المخابرات السوفياتية "NKVD"، السابق عن "kGB"). في مدينة بيرم الروسية، حولوا متحفا كان مخصصا لضحايا القمع، إلى متحف"لعمال غولاغ"،بمعنى كانوا مجرد حراس !لاتأتي، دائما المبادرات من أعلى سلطة أي بوتين، بل صدر بعضها من الشعب، السلطة السفلى. أندهش، خاصة لحال الشباب، فهم يقودون أفضل السيارات، ويرتدون أجمل الملابس، لكنهم يظلون عبيدا. الجيل المنتمي لحقبة ما بعد 1990، يدعم بوتين بشدة، مرددا خطاباته حول الاحتقار، بالتالي الحاجة إلى زعيم صلب. أنا لا أتخيل، سوى أشخاص مختلفين يجسدون قيم الحرية. ذهنية ذلك الشباب، تجد سندها كثيرا فيما سمعوه من حكايات آبائهم، حول الصحة المجانية والتعليم والارتقاء الاجتماعي السوفياتي... .ربما، ينبغي الانتظار أكثر، أو ربما أيضا، يلزم لتغيير عقلية العبيد هاته، إزاحة من يوجدون فوق. عموما، يكمن واجبنا في تنوير الشعب. النزول إلى الطرقات، من أجل إحراق الإطارات المطاطية، غير كاف. يعتقد الناس، أن وجود قائد جيد يدير شؤونهم، يمكنه حل مشاكلهم. خلال حقبة ما، خرجنا إلى الشوارع، مرددين: "يلتسين، يلتسين!"، غير أنه لم يتغير شيء. الحرية عمل طويل وشاق، إنه طريق. لذلك، عارضت الثورات والمتاريس، فالتغيرات يجب أن يصنعها أناس أحرار، وإلا فالمآل، لن يكون سوى دم.
* خلال الحقبة السوفياتية، شعرتم بانتمائكم إلى المجتمع الشيوعي؟ هل تتقاسمون نوستالجيا مع شخصياتكم هذه القيم المتوارية حاليا، مثل فكر التضحية والإيثار واحتقار المال؟
** أحسست دائما بانتمائي إلى الهامش، لكنه العالم الوحيد الذي عرفته. اتصف الناس، خلال تلك الحقبة بازدواجية. كانوا على استعداد للوقوف في طوابير، من أجل اقتناء دواوين شعرية لأنا أخماتوفا، لكنهم في ذات الوقت، يكتبون وشايات يتم فحصها في المعسكرات. نتوخى أن يكون الشر، شيئا بسيطا: بافلوفيتش بيريا وستالين... لكن هذا الشر أكثر تفشيا لدى كل واحد منا، بالتالي أكتب ليس من أجل الكشف عن قائمة بالفظائع، وإرهاق القارئ، بل بغية أن يبحث كل واحد منا في داخله عن الجانب الإنساني، ويدأب على احتضانه. إنها اختيارات تختبر كل لحظة: عندما يدعونك للذهاب قصد التظاهر دعما لبوتين، عليك أن تطرح أسئلة.!
* لقد عشتم لسنوات طويلة في أوروبا الغربية، هل تفهمون هذا الخوف الهوياتي، السائد داخل أوروبا، وفوبيا المستقبل؟
** خوف لايرتبط فقط بأوروبا الغربية. مؤخرا، انتخبوا في بولونيا القوميين... يعيش رجل الشارع، خوفا من الدولة الإسلامية والإرهاب وبوتين... أما بخصوص تضييع هويتها، فلا أساس له. مليون لاجئ وسط ساكنة أوروبية تقدر ب500 مليون، يبقى مجرد قطرة ماء. كنت منذ فترة قليلة في إيطاليا بمدينة فينيسيا، فعاينت كيف انتظمت حركة، بحيث أسرع الناس حفاة إلى الشارع، بهدف إظهار دعمهم للاجئين. لحظتها، افتخرت بأوروبا.
*هامش :
يمكن الرجوع إلى الملف الثقافي لجريدة: le Monde،السبت 7 نونبر 2015
حاورها: جولي كلاريني و بينوا فيتكين
ترجمة: سعيد بوخليط
http://saidboukhlet.com


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.