مادورو وزوجته أصيبا أثناء محاولة اعتقالهما من قبل القوات الأمريكية    50 مليون برميل نفط فنزويلي لأمريكا    الثلوج تلغي 140 رحلة جوية في باريس    أوسيمين باق مع فريقه في المغرب بعد خلافه مع لقمان    كيوسك الأربعاء | جامعة المقاهي ضد الزيادة في أسعار المشروبات والمأكولات    بحضور الوزير السعدي..افتتاح معرض «الالتقاء» بالمتحف الوطني للحلي بالرباط.    توقعات أحوال الطقس اليوم الأربعاء    في مشهد نادر لم تعرفه المدينة منذ سنوات... ثلوج استثنائية تكسو عاصمة الشرق في المغرب    تعيين نائبة رئيس الوزراء الكندي السابق مستشارة اقتصادية للرئيس الأوكراني    أجواء باردة في توقعات اليوم الأربعاء بالمغرب    الناخب الإيفواري يثمن الروح القتالية    "ستاندرد تشارترد" تتوقع أن يبلغ نمو اقتصاد المغرب 4.5% في 2026    كوت ديفوار تكتسح بوركينا فاسو بثلاثية نظيفة وتبلغ ربع نهائي كأس إفريقيا 2025    عرض إنجليزي ضخم يضع مستقبل إبراهيم دياز مع ريال مدريد على المحك    جهود بطولية لشباب المنطقة تُنهي ساعات من القلق بالعثور على شاب مفقود بجبل تلاسمطان بإقليم شفشاون    أبناء أسرة الأمن في ضيافة "الأسود"    بالتزامن مع فعاليات "الكان" .. المغرب يحتفي بالصناعة التقليدية والقفطان    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية    كأس إفريقيا للأمم (المغرب 2025).. برنامج مباريات دور ربع النهائي    لاعبون خارج تداريب أسود الأطلس    وفد من "FBI" بملعب مولاي الحسن    معالجة الحاويات.. طنجة المتوسط يتقدم مركزين في تصنيف دولي    أسئلة كتابية إلى الحكومة: مطالب عاجلة لدعم الصيد التقليدي وتسريع تفعيل ميثاق الاستثمار    أعيدوا ‬لنا ‬أعداءنا ‬القدامى ‬أو ‬امنحونا ‬آخرين ‬جددا ‬حتى ‬يظل ‬‮..‬ ‬وطني ‬دوما ‬على ‬خطأ‮!‬ 2/1    مع من تقف هذه الحكومة؟    تطوان والحسيمة خارج "تغطية" السياحة المصاحبة لكأس أمم إفريقيا    خطة أمريكا لإدارة فنزويلا.. استعدادات سياسية محدودة لمُهمة ضخمة    انخفاض النشاط الصناعي في نونبر    نشرة إنذارية: تساقطات ثلجية وموجة برد وهبات رياح من الثلاثاء إلى الخميس    تطوان بين «فرصة الكان» وتعثر المشاريع المهيكلة: حين يُهدر الزمن وتغيب الجرأة    الصحافة في ميزان الدستور حين تُصبح المحكمة الدستورية خطَّ الدفاع الأخير عن حرية الصحافة        27 قتيلا على الأقل في قمع الاحتجاجات في إيران    بورصة البيضاء تنهي تداولاتها على وقع أداء إيجابي    لوحات المليحي والشعيبية في أبوظبي    المخرج والكاتب قاسم حول يكشف: كيف أُنقذت ذاكرة العراق السينمائية من تحت الأنقاض؟    رياض مزور: الصناعة المغربية تنتج 900 مليار درهم والمنتوج المغربي ينافس في الأسواق العالمية    الإضراب الوطني للمحامين يشل المحاكم المغربية احتجاجاً على مشروع قانون المهنة    كلميم-وادنون.. الأمطار الأخيرة ترفع مخزون سدي فاصك وتويزكي إلى 31 مليون متر مكعب    تساقطات ثلجية مرتقبة بعدد من مناطق المملكة    فرق المعارضة بمجلس النواب تحيل مشروع إعادة تنظيم مجلس الصحافة على المحكمة الدستورية    الصين تنفذ أول تدريب لرواد الفضاء داخل الكهوف    نستله تسحب حليب أطفال من أسواق أوروبية بعد رصد خلل في الجودة    المغرب يعزز موقفه الراسخ تجاه وحدة وسيادة اليمن على كافة ترابها    طحالب غير مرة بالجديدة    مركز روافد بخنيفرة يطلق استكتابا جماعيا حول منجز النقد السينمائي المغربي وتحولاته وآفاقه    أكبر أسواق إفريقيا يجذب مشاهير يروجون لعاصمة سوس في "الكان"    الجزء الثالث من "أفاتار" يتجاوز عتبة المليار دولار في شباك التذاكر    دراسة علمية تبرز قدرة الدماغ على التنسيق بين المعلومات السريعة والبطيئة    بريطانيا تحظر إعلانات الأطعمة غير الصحية نهاراً لمكافحة سمنة الأطفال        الأطعمة فائقة المعالجة تزيد خطر الإصابة بسرطان الرئة    دراسة: أدوية خفض الكوليسترول تقلّل خطر الإصابة بسرطان القولون    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    رهبة الكون تسحق غرور البشر    بلاغ بحمّى الكلام    فجيج في عيون وثائقها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بناء الإنسان مقدم على بناء الجدران

تابع العالم قبل أيام ألسنة اللهب وهي تلتهم جدران وأسقف الكاتدرائية بالعاصمة الأوربية فرنسا، حادثة اهتز لها العالم بشرقه وغربه و تنافس فيه الجميع على تقديم المساعدات وجمع التبرعات فضلا عن الدعوات إلى مؤتمر للمانحين لإنقاذ ما بقي من الكاتدرائية و صيانة الذاكرة الفرنسية و الأوروبية للمسيحيين لما تمثله هذه المعلمة الدينية التاريخية من رمزية وقيمة كبيرة اتضحت جليا في قيمة المبالغ المالية التي رصدت لها قصد ترميمها من جديد، مبالغ ضخمة أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها مبالغ تكفي لبناء مدينة بكاملها، تنافس في تسديدها إلى جانب أثرياء وزعماء العالم المسيحي زعماء عرب بمبالغ خيالية عادلت في بعض الدول الإسلامية نصف المبالغ التي تم اقتراضها من صندوق النقد الدولي وفي دول أخرى تجاوزت النصف، مما خلف سخطا عارما في صفوف شعوب الدول المساهمة في بناء وترميم الكاتدرائية المسيحية، ولسنا هنا ضد ثقافة التضامن والتكافل الاجتماعي مع الآخر رغم الاختلاف الديني والعرقي والهوياتي لان مبدأ التضامن عند المسلمين مستمد من القران الكريم والسنة النبوية قبل أن تتغنى به الدساتير والمواثيق الدولية، لكن حينما يتعلق الآمر بدولة اغلب رعاياها فقراء لا يمتلكون أبسط ظروف العيش الكريم فهنا يصبح التضامن الداخلي مقدم على التضامن الخارجي، خاصة إذا نظرنا إلى قيمة المبالغ المالية التي رصدت لترميم الكاتدرائية والتي بلغ عددها في بعض الدول الإفريقية 200 مليار وهو مبلغ كاف من أجل إفراغ الشوارع من جحافل المعطلين الذين يطلبون عيشا كريما يواري فقرهم ويحفظ كرامتهم، وهو مبلغ كاف أيضا لترميم عشرات المستشفيات والمستوصفات التي أصبحت أوكارا للدعارة وملجأ للمتسكعين والمشردين بعدما تخلت عنها الدولة دون سابق إخبار…كما أن نصف هذه المنح المالية فقط قادرة على بناء العشرات من المدارس وترميم المئات منها خاصة تلك التي لا زال التلاميذ يفترشون فيها الأرض بدل الكراسي أسوة بإخوانهم الذين ينعمون بتعلم جيد.
وقد تزامن حادث الكاتدرائية مع حادث لا يقل كارثة عن سابقه وهو تعرض بيت المقدس إلى محاولة التخريب والتدمير الصهيوني مما استدعى ضرورة ترميمه من جديد. وحتى يتم توجيه أنظار الشعوب الإسلامية بعيدا عن مناقشة هذه المبالغ الخيالية سارعت بعض الدول إلى تقديم منح رمزية إلى لجنة الإشراف على ترميم المسجد الأقصى والتي لم تبلغ نصف عشر ما قدم للكاتدرائية الأوربية مما يعطي رسالة واضحة إلى أن المسيحية مقدمة على الإسلام عند بعض الدول العربية الإسلامية.
وغير بعيد عن حادث الكاتدرائية لا زال العالم الإسلامي لم يطوي ألم وجروح الحادث المأساوي الذي استهدف العشرات من المسلمين في مسجد ب”نيوزيلاندا” حادث تفاعل معه العالم المسيحي بنوع من الدونية واللامبلات مقارنة مع الأحداث التي يكون ضحيتها مسيحيون حيث تنكس الإعلام وتسخر الترسانة الإعلامية كلها للتنديد والتنكير بل ويصبح إعلامهم فوهة مدفعية تجاه الإسلام والمسلمين خاصة إذا تم التشكيك فيهم، إما حين يتعلق الأمر بهدم معلمة إسلامية آو قتل شخص مسلم فان أكثر ما يمكن إن يعبر عنه الإنسان الغربي هو ” أن هذا العمل فضيع” كما صرح بذلك الرئيس الأمريكي عقب الهجوم المسيحي على المسجد الفينزويلي، فلم يجرأ على تسمية الحادث بعمل”إرهابي” ومعه كثير من الدول الغربية، ولم تنكس أعلامهم ولم تلغى مجالسهم وسفرياتهم وبرامجهم اليومية كما ألغيت عقب حادث “الكاتدرائية”، لأنه وبكل بساطة إنسانهم أغلى من الإنسان العربي المسلم فهم بنوا الإنسان قبل بناء الجدران، ونحن هنا لا ننكر أهمية العمران في عيش واستمرارية الإنسان، فبناء المنازل لإيواء المحتاجين من قسوة البرد وحر الشمس أو بناء مدرسة آو جامعة آو مستشفى أولى من بناء مسجد أو معبد، صحيح أن الجانب الروحي مهم جدا في تقوية شخصية المسلم وربط صلته بالله وبنفسه وبالأخر، لكن حين تبنى هذه المعابد أو ترمم على حساب شعب لم يجد ما يسد به رمقه أو يعالج به مرضه…حينذاك يصبح الحديث عن التضامن والتكافل لبناء الجدران أشبه ما يكون ببناء مسبح في صحراء قاحلة.
ومن هنا أضحى من الواجب الآني الذي لا يحتاج إلى تأجيل أن تتضافر الجهود على المستوى الكوني وليس داخل قطر معين من أجل إعادة الاعتبار للإنسان كإنسان قبل أن ننظر إلى دينه أو هويته الثقافية والعرقية والإثنية… لان الإنسان لما خلقه الله خلقه بلا دين ولا ثقافة ولا لغة… ومن هنا تأتي أهمية الإنسانية قبل المرجعية الدينية والسياسية والاقتصادية، لان الإنسان محور كل تقدم حقيقي مستمر مهما أقمنا من مباني ومنشآت ومدارس ومستشفيات ..ومهما مددنا من جسور وأقمنا من زينات فإن ذلك كله يظل كياناً مادياً لا روح فيه .. وغير قادر على الاستمرار، في حين يستطيع الإنسان القادر بفكره وإمكانياته على صيانة كل هذه المنشآت والتقدم بها والنمو معها، لان الإنسان هو من ترك لنا هذه المباني الشاهقة وهو من زخرفها وزينها وهو من أقام فيها المجالس والخطب…
ونفس هذا الكائن اليوم هو من يخرب المعابد والكنائس والمساجد ، ويقتل الأخر المخالف له، وكل ذلك مرده إلى الجهل بالدين والتخلف والأمية والفقر وغياب الأخلاق… لذلك فان دول العالم اليوم لو تعقلت وعادت إلى رشدها وأنفقت نصف أو ربع – ما كانت تنفقه على العمران- وخصصته لبناء الإنسان في أخلاقه وصحته وفكره لجنبها الكثير من الويلات ولنا في قصة بناء سور الصين الشهير عبرة بحيث يحكى أن الصينيون القدامى عندما أرادوا أن يعيشوا في أمن و أمان قاموا ببناء سور الصين العظيم واعتقدوا بأنه لايوجد من يستطيع تسلقه لشدة علوه، ولكن ..! اكتشفوا أن خلال المائة سنة الأولى التي مرت على بناء السور تعرضت الصين لثلاث غزوات، وأنه فى كل مرة لم تكن جحافل العدو البرية تجد صعوبة ولا مقاومة في اختراقها للسور أو تسلقه، بحيث كانوا في كل مرة يدفعون للحارس الرشوة قبل الدخول عبر البوابة الرئيسية دون الحاجة إلى التسلق أو المواجهة مع الحراس.لان الصينيون آنذاك انشغلوا ببناء السور ونسوا بناء الحارس، فبناء الإنسان .. يأتي قبل بناء كل شيء وهذا ما يحتاجه أبناؤنا اليوم،ويقول أحد المستشرقين:
إذا أردت أن تهدم حضارة أمة فعليك بثلاث وسائل:
أولا: اهدم الأسرة
ثانيا:اهدم التعليم.
ثالثا:إسقاط القدوات والمرجعيات
ونحن نقول إن حضارة العالم، وخاصة العربي والإسلامي، إنما هدمت بسبب إسقاطها لهذه الركائز وإهمالها وتقزيمها.
وختاما أقول: إن العمران ما وجد إلا لخدمة الإنسان لذلك فإن بناء الإنسان مقدم على بناء العمران. فلو هدمت مائة كاتدرائية آو مائة معبد آو مائة مسجد … فإننا نستطيع إعادة بنائها وترميمها من جديد، لكن هل نستطيع بناء إنسان قد قتل ظلما وجورا؟
كاتب ومدون مغربي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.