ميناء الحسيمة : انخفاض بنسبة 32 في المائة في مفرغات الصيد مع متم فبراير    المالية العمومية بالمغرب    ناشيد يشخص أعطاب اليسار المغربي بين اللايقين النظري والتشتت التنظيمي    أكبر تراجع أسبوعي للذهب منذ 2011    من جمهورية العصابات إلى دولة السجون .. القبضة الحديدية في السلفادور    الحرب على إيران تضع آلية صناعة القرار الرئاسي في إدارة ترامب تحت المجهر    ترامب يهدد إيران بتدمير محطات الطاقة    استقالة مفاجئة لطارق السكتيوي مهندس الألقاب وأنباء عن خلافته للسلامي    "اشكون كان يقول" .. مساحات رمادية مشوقة وتمطيط يلتهم روح الحكاية    سردية ثنائية الرواية والتاريخ    عناق السياسة مع الأخلاق    أكثر من 120 جريحًا في ضربات صاروخية إيرانية على مواقع إسرائيلية.. ونتنياهو يتحدث عن "ليلة صعبة للغاية"    تحركات عاجلة لإطلاق سراح الجماهير العسكرية بالقاهرة    الجيش الملكي إلى نصف نهائي إفريقيا.. والجامعة تنوه ب "العمل الكبير" للعساكر    "كلمات" عمل جديد لمنال يمزج بين الحس العاطفي والإنتاج العصري    شيماء عمران تطلّ بإصدار جديد يمزج التراث بالحداثة في "عييت نكابر"    المنتخب الوطني لأقل من 23 سنة يواجه كوت ديفوار في مباراتين وديتين    47 مصابا بديمونا الإسرائيلية في رد إيران على قصف "نظنز"    بطولة إيطاليا.. ميلان يستعيد توازنه والوصافة في انتظار خدمة من فيورنتينا    انخفاض مفرغات الصيد البحري بميناء الصويرة    إغلاق مستشفى أكادير يثير الجدل    قتيل و8 جرحى في حادثة بجرسيف    إضراب جهوي للمساعدين التربويين بسوس ماسة احتجاجا على تعثر صرف المستحقات المالية ورفض التسوية.    مديرة الأكاديمية الجهوية تشرف على تنصيب المدير الاقليمي لجديد بالحسيمة    مضيق هرمز.. الجيش الأمريكي يؤكد "تقليص" التهديد الإيراني    12 ألف مقاولة جديدة بجهة مراكش في 2025    حلحال: أتطلع لفرض نفسي مع المنتخب المغربي    معدل ملء السدود المغربية يتجاوز نسبة 72% في أول أيام فصل الربيع    تفاصيل البحث القضائي في وفاة شرطي    شغب الملاعب .. توقيف متورط في اعتداءات بالحجارة والأسلحة البيضاء وتخريب سيارات    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأحد    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية    تقرير دولي: المغرب يحتل مراتب متأخرة في مؤشر سعادة الشباب    عريضة تتجاوز 50 ألف توقيع لإلغاء التوقيت الصيفي بالمغرب    أسعار تذاكر الطيران نحو الارتفاع.. شركات أوروبية تُحذر من صيف مكلف    النيران تأتي على منزل أسرة معوزة في يوم العيد نواحي اقليم الحسيمة    قاض أميركي يلغي قيود البنتاغون على الصحافة: أمن الأمة يتطلب صحافة حرة ورأيا عاما مطلعا    "العدالة والتنمية" بأكادير يسجل ملاحظات على تدبير قطاعات محلية قبيل الاستحقاقات التشريعية    نقابة تدعو الحكومة لاتخاذ إجراءات عاجلة لضبط أسعار المحروقات    "ريمونتادا قانونية" في المغرب تدفع الإعلام الجزائري إلى نصب خيام العزاء    ترامب يدرس "تقليص" العمليات العسكرية فيما إسرائيل تواصل قصف طهران وبيروت    فتح باب الترشيح للاستفادة من دعم المشاريع الثقافية والفنية في مجال المسرح برسم الدورة الأولى لسنة 2026    يحيى يحيى: السيادة المغربية على سبتة ومليلية لا تقبل "المزايدات الأجنبية"    تداعيات الحرب على إيران تنبئ باتخاذ إجراءات تقييدية لحماية اقتصاد المغرب    "الماص" يهنئ الرجاء بذكرى التأسيس    مصادر من وزارة الصحة: إعادة بناء المركز الاستشفائي الحسن الثاني بأكادير يتم بروح من المسؤولية والإنصات والتشاور    وفاة تشاك نوريس صاحب أشهر مبارزة سينمائية ضد بروسلي    رياض السلطان يختتم برنامج مارس بعرضين مسرحيين    خبراء يحذرون من "صدمة الجسم" ويدعون لانتقال غذائي تدريجي بعد رمضان    السُّكَّرِيّ: العِبْءُ النَّفْسِيُّ لِمَرَضٍ لا يَمْنَحُ مَرِيضَهُ أَيَّ اسْتِرَاحَةٍ    رسميا.. تحديد مقدار زكاة الفطر بالمغرب لهذه السنة    كيف تتغير مستويات الكوليسترول في جسمك خلال الصيام؟    دراسة: الإفراط في الأطعمة فائقة المعالجة يهدد صحة العظام    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    خمس عادات تساعدك على نوم صحي ومريح    لا صيام بلا مقاصد    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    عمرو خالد يقدم "وصفة قرآنية" لإدارة العلاقات والنجاح في الحياة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حوار مع الروائي المغربي الشاب محمد مختاري
نشر في طنجة الأدبية يوم 25 - 05 - 2020

محمد مختاري روائي مغربي شاب (23 ربيعاً)، وباحث مجتهد، وناقد قادم بقوة، مُلتهم للكتب بشكل عجيب على اختلاف أنواعها، كشحرور يغرد بها، ومعها… ينحدر من تربة “محمد شكري” الذي يفخر به،لأن “بني شيكر”، أرضه، أنجبت كاتباً عالمياً مثله، ومن سيرة “الخبز الحافي” استلهم أحداث روايته الأولى.وبلغة “الكبار” كتبها رغم حداثة سنه… وإذا كانت الخيل الأصيلة تَبين من أصواتها،فإن عتق محمد الروائي يَبين من تغريدته في “مثل تغريدة منكسرة” الصادرة عن دار الثقافة في حكومة الشارقة، نال بفضلها، عام 2019، الرتبة الثانية لجائزة الشارقة للإبداع العربي – دورة المهرجان 22، عن جدارة… وعشقه للأدب بشكل عجيب، دورٌ في ذلك،وهو أيضاً سبب قوي لقراءة باكورة أعماله…
س – ما تضيف عنك، فوق ما قلتُ،مما له علاقة ببني شيكر تحديداً؟
– ج-أشكرك، في البدء، سي ميمون، القاص المُلهم، على هذا التقديم الباذخ الذي أجد معه نفسي شاعراً بالخجل الشّديد.
يسرّني، جداً، أن أستفتحَ حديثي حول بني شيكر. في هذه القرية الصغيرة، عشتُ، ونشأتُ، وتربّيتُ. لقد كانت بيئة محافظةً تماماً، ومنغلقةً على نفسها، بحكم موقعها، إلى درجة أنّني حين انتقلتُ إلى موقعي الجديد، يومها، لم أستوعب الكثير من السلوكات. في بني شيكر، كانت في ذهني رغبة توسّع (طموحات)، لكنّ الموقع الجغرافي الضيّق، كان ندّي الأوّل. ومع ذلك، فإنّ الذكريات التي أملكُ في هذه القرية، لا تتوقّفُ عن تطعيم لاشعوري في الكتابة.
س – هذا التحرش،إن صح تعبيري،بالرواية قراءة وكتابة هل من سبب قوي له، بحيث يبررهذا العشق لديك؟
– ج- جميل لفظ “التحرّش” هذا. لكن، دعني أخبرك بأنّ الأمر، كلّه، ذو علاقة بالأهواء. لأنني، في البداية، كنتُ أكره الرواية: أعتبرها نوعاً أدبياً مجانياً، لا يمكن للمرء أن يستفيد منها، من جانب علمي. كنتُ دائماً أستبعدُها من اهتماماتي، أوّل عهدي بالقراءة. أضف إلى ذلك، أنّ أولى تجاربي في قراءة الرواية، كانت مُخفقة. إذ إنّ أوّل رواية قرّرتُ أن أقرأها، هي رواية دون كيخوته. وتعرف ترجمة من؟ ترجمة عبد الرحمن بدوي. كنتُ، حينئذ، لا أقوى على تعابيرها. وكمن يستقبح ثمرة شجرة عالية، ازدريتُ الرواية. لكنني ذات يوم، قررتُ أن أقرأ شيئاً آخر، وقد كان “ألف نهار ونهار”. هنا اكتشفتُ لذّة السرد، قراءةً. أمّا مسألة أن أكون كاتب رواية، فقد كانت مستبعدةً من ذهني، أكثر مما كنتُ أستبعدُ قراءتها. حدث كلّ شيء في أبريل من 2017، حين قلتُ لأحدهم عليّ أن أكتب رواية. هكذا، ودون أيّ سابق إنذار. وفي شهر يوليوز من العام ذاته، سأبدأُ في كتابة “تغريدتي”.
س- لماذا الرواية أولاً وليس القصة،أوالشعر مثلا؟
– ج- في الحقيقة، كنتُ أميل إلى كتابة الشّعر. لأنّ المراهقة تعني الحبّ، والحبّ يستردفُ الشعرَ ضرورةً، شعرَ الرومنسية. لكن، بعد ذلك، صرتُ أتيقّنُ من أنّ “الشعر طويلٌ سلّمه”، وقرّرتُ أن أكفّ عن إطلاق تسمية “شعر” عمّا أكتب. وبخاصة، حين صار الجميع شعراء. لكن، مع دراساتي الجامعية، صرتُ أميلُ إلى النقد الأدبي أكثر. ومع الكتابة النقدية، اكتشفتُ أنّ على الناقد أن يعرف، على الأقل، ضعف ما يعلمه المبدع. انكببتُ على القراءة، ودخلتُ إلى متاهة الرواية بالنقد. ولعله ما يفسر أن بعض قرّاء “التغريدة”، يصفونها ب”التمرين النقدي”.
س – موضوع روايتك الأولى، ما الجديد فيه؟ وهل راعيت،معه، الشكل أيضاً؟
– ج- بما أنّ “التغريدة” روايتي الأولى، فقد كانت المواضيع كثيرة، ومخيفة في الآن ذاته. لقد كنتُ أفكّر بكتابة شيء عن هيمنجواي، بطريقة ما. لكن تراجعتُ عن ذلك في آخر لحظة. حينئذٍ، كنتُ أقرأُ الأعمال الكاملة لشكري. وكان تأثيره ما زال قائماً، حين هممتُ بالتخلّي عن هيمنجواي. شكري كان هدف الكتابة، لكن كيف سأكتُبُ عنه؟ فكّرتُ: بما أنني، الآن، أحاول تعلّم كتابة الرواية، فلمَ لا أستلهمُ شخصيةً، هي الأخرى، تحاول تعلّم كتابة الرواية. لكن، كان السؤال هو: من سيكون المعلّم؟ إنه شكري، وشبحٌ آخر منّي.
أما شكلاً، فلم ترقني، بالمرة، طريقةُ الرتابة في السرد. فضّلتُ أن تكون الرواية عبارة عن شظايا، لا يبدو بينها أيّ علاقة في بادئ الأمر، ووحده القارئ الفطن قادرٌ على أن ينفذُ إلى جمع كلّ تلك الأشلاء.
س – حين قرأت روايتَك في مخطوط،أول مرة، سجلتُ إعجابي الشديد، وتنبأت لها بحظوة..هل كنتَ جاداً وأنت تكتبها على أساس أن العمل الأول، ليس عندك فقط،غالباً، ما يترنحبالنظر إلى حداثة سنك… بعبارة: كيف اهتديت لموضوع راويتك بهذا الجمال في الطرح؟
– ج- عليّ ألا أنسى يومَ أخبرتُك: إني هامٌّ بكتابة شيء عن شكري، فسررتَبذلك كثيراً. وبعدها، قرأتَ معي النص فصلاً فصلاً، بصبر شديد. قُلتَ لي: إنها رواية جيّدة. لم أصدّق ذلك بسهولة، لسبب واحد: أني لم آخذ الأمر بجدّية. كنتُ أعتقدُ بأن ما كتبتُ، سيبقى حبيس ملفّات الحاسوب، وأنه لا يستأهلُ أن يُنشر حتّى. أمّا موضوع الرواية، وطريقة طرحه، كانا يبدوان لي معقدّين، إلى درجة أن أيّ قارئ سيضجر من ذلك. غير أنني سأكتشفُ، فيما بعد، أنّ جميع طبقات القراء، يمكن أن تقرأ الرواية، بحسب “موسوعتها”، إن سمح إيكو باستعارة مفهومه.
س- أنت تمثل صرعة جيلك، بدليل عنوان روايتك “التغريدة”.. كلنا يغرد بطريقته.. ما الوترالذي ترنمت به بحيث أطربتَ الناس.. لنقُل إنه الرواية، لكن ما اللافت فيها أمام هذا العددالكبير من الروايات المطروحة في “الطريق”، مثلها مثل أوراق الخريف؟
– ج- ربّما يعود السبب، كما أخبرتك سابقاً، إلى شكل الرواية. كما أنّ القارئ، غالباً ما يُستهدف ككيانٍ مُستهلك فقطّ. بينما حاولت “التغريدة” أن تكرّس اهتماماً بالغاً بالقارئ. حتى إنّه إن لم يبذل مجهوداً، باعتباره المُنتج الثاني، فلن يتوصّل إلى أيّ رهان، وسيقول، في النهاية، كما ورد في الرواية: “عشنا وشفنا تفاهات”.
س-استلهمتَ أحداث “مثل تغريدة منكسرة” من سيرة الكاتب العالمي محمد شكري، واستطعتَبذكاء أن تقدم،اعتماداً على الخبز الحافي،طبقاً أدبياً شهياً… لماذا محمد شكري تحديداً؟
ج- سؤال جيّد. سأبدأ بالإجابة عن القسم الثاني من السؤال؛ ثمّ أمضي إلى الأوّل. فبالنّظر إلى أني كنتُ منشغلاً بقراءة الأعمال الكاملة لشكري، فقد كان تأثيره قوّياً. ثمّ لأنّه يشبهني، بطريقة ما، في الاسم، ومكان النشوء، والترحال من المكان الأصلي إلى آخر، (هو من بني شيكر إلى طنجة، وأنا إلى فرخانة: ليس أبعد من شكري). بالإضافة إلى عامل الهوية، الخاصة منها: الأمازيغية، والعامة أيضاً: المغربية.
أما الاشتغال على شكري، فلم يكن مقتصراً على الخبز الحافي، بل على جلّ أعماله الروائية، والقصصية، والسير روائية، ومقابلاته الصحفية: الورقية، والسمعية البصرية… كلّ ذلك من أجل إعطاء صورة متكاملة الصّوى حول هذه الفلتة التي تُدعى: محمد شكري. غير أنّ توظيف هذه النصوص السابقة، لم يكن ساذجاً؛ وإنما مركب تركيباً مرآوياً.
– س- يمكن أن أغامر، وأنا لستُ ناقداً، أن ألحظ رغبة “الكل” في “التغريدة”، تُستثار،لديهم، رغبة ملحة في الحكي، بل حتى الأشياء، والأمكنة أيضاً تصرخ:”دوري، الآن، دعنيأحكي”… هذه الألسن المختلفة، العاشقة للحكي، تلحف جلساءها، ونحن القراء تالياً،بحكايا كثيرة، أقول كثيرة… ما الخيط الرابط بينها جميعاً؟أ وليست هذه الكثرة، أو هذاالتنوع في استدعاء من يحكي، مثل رغوة الصابون، مِلحاً زائداً، ومبالغاً فيه؟
– ج- في احتفاء بالتغريدة في جامعة عبد الملك السعدي بتطوان، قالت الدكتورة سعاد الناصر عن الرواية بأنّها “مضمّخةٌ بلوثة الميتاسرد”. لقد كانت محقّة إلى حدّ كبير. تنبثق رغبتي الكبيرة في هذه السرود المتعدّدة، من إحقاق نوع من الديمقراطية السردية في النص. ذلك بأنه لا أحد له الحق في أن يملك زمام الكلمة لوحده. الكلمة مُشاعة بين الناس. للكل الحق في أن يقول ما يريد. لأن الحكايات كثيرة، ولو قُيّض للأشياء أن تحكي، لبهرت الجميع… في روايتي، تجد لوحة فنية، استطاعت أن تقول شيئاً أيضاً…
س- أيمكن أن أصنف “مثل تغريدة منكسرة” في رواية داخل رواية، داخل رواية؟
– ج-يمكن أن نقول ذلك، إذا اعتبرنا ما يقوله النّقد عن الميتاسرد. مع هذا النمط، يخرجُ القارئ بأكثر من حكاية. وهو أمر مقصود بشكل كبير.
س- طيب، هذا العنوان ما اللافت فيه؟ وما هي هذه التغريدة المنكسرة؟ولماذا غيّرته في آخرلحظة وقد كان “مجنون السرد” حسب المخطوط الذي قدمته لي، أول مرة، قبل الطبع.
– ج-صحيح. لقد كان العنوان، سابقاً، “مجنون السرد”. وبهذا العنوان، كان يمكن للقراء أن يكونوا على سكّة أخرى. لقد رأيتُ أنّه يفضح، بطريقة ما، ميولي النّقدي. ذلك بأنّ كلمة “سرد” أثيرة عند الشعريين. استقرّ اختياري، في النهاية، وذات لحظة عفوية، على “مثل تغريدة منكسرة”. العنوان الذي بدا أنّه بعيدٌ عن متن الرواية، غير أنّ تأمّل رهانات الرواية، ستكشف أن التغريدة المنكسرة تعود إلى شكري. وليس عليك أن تسألني كيف ذلك؟ لأنّ الكرة، الآن، في ملعب القرّاء. أمّا أنا، بحسب الفكرة الغربية المهووسة بالتغييب، ميّتٌ.
س-حدثنا الآن عن جائزتك المُستحقة عن “مثل تغريدة منكسرة”..
– ج-بصراحة، لم أكن أعتقدُ، بجزم، أن تغريدتي سوف تحصل على الجائزة. لكن حدث ذلك ذات صباح باكر، حين اتصلت بي أمانة الجائزة، مخبرة إياي بأني فائز هذا الموسم. لقد شعرتُ بفرحة لا تُتصوّر. ولعل سبب فرحتي يعود إلى أنّ الاعترافكان ممن لا يعرفونني، ولا أعرفهم. شيء يسوّغ الحديث عن موضوعية من نمط خاص. ذلك بأنني، وقبل أن أتوصل بخبر فوز الرواية، قد أرسلتُها إلى جائزة محلية بوجدة. لم أتلقّ رداً على استلام النسخة أصلاً. أحبطني الأمر، وزاد من ثقتي بأنني كنتُ أعبثُ حين فكرتُ في كتابة رواية. ومع ذلك، فقد حاولتُ أن ألاعب الحظ، فقمتُ بإرسالها إلى جائزة الشارقة للإبداع العربي.
لقد مكنتني الجائزة من الالتقاء بمبدعين من كافة البلدان. وأتاحت لي زيارة القاهرة: التي ما زال مذاق قهوتها المختلف، عالقاً على طرف لساني.
س-ما الذي تغير فيك “إنساناً ” و”كاتباً” بعد نيلك لهذه الجائزة المشرفة عن روايتك الأولى”مثل تغريدة منكسرة”…
– ج- إذا قلتُ إنّه لا شيء تغيّر، فلن أكون صريحاً تماماً. في الحقيقة، الحصول على جائزة لأوّل عمل أقدّمه، جعلني أفكّر ملياً فيما إذا كنتُ قادراً، حقاً، على كتابة رواياتٍ أخرى. الشعور بالرغبة في اختراق المزيد من العوالم الروائية، هو ما تغيّر فيّ، على نحو من الدقة.
س-بعد الجائزة هل التفت إليك النقد؟
– ج-النقد، في المغرب خصوصاً، خفُت كثيراً. هذا إذا استثنينا ما يحدُث على الصُّعُد الأكاديمية. غير أنّ “التغريدة” نالت حصة محترمة من النقد، سواء من النقاد المغاربة أم من النقاد العرب. وكلّ القراءات النقدية التي اطّلعتُ عليها حتّى الآن، كانت مُمتعة، ومُقنعة تأويلياً. ولعلّ الجائزة كانت دافعاً في قراءة التغريدة نقدياً؛ لأنّ ذلك يمثّل مسوّغاً أوّلياً.
س -ثم، هل الجائزة من القوة بحيث يصح الحكم على رواية ما بأنها تستحق القراءة؟ مثلا ماأكثر الروايات الأنيقة،الجميلة التي لا يخطب ودها أحد، وتظل بلا زوج(جائزة)...
– ج-أستطيع أن أقول بأنّ الجائزة تحوز قيمة مهمّة على صعيد الجوائز العربية. إنها تعتمد على نقاد، وأكاديميين من بلدان مختلفة، يُشهدُ لهم بالكفاءة في الأدب، والنقد. كما أنّها تعتمدُ شروطاً صارمة في عملية الترشيح للجائزة. يتقدّم لها مبدعون من العالم بأسره. ثم إنّ لها، الآن، أكثر من اثنتين وعشرينسنةً من الاشتغال، وقد حازها مبدعون، هم من هم الآن، وكانت بدايةً موفّقة لمشوارهم في الكتابة الإبداعية.
أمّا الروايات الجميلة “التي تبحث عن زوج”، كما أحسنت التعبير، فغالباً ما تكون ضحية للجوائز التي تضع لائحةً للفائزين قبل أن تعلن عن بداية الترشيح.
س-كتاب مشاهير رفضوا تسلم جوائز أدبية من جهات معينة، وآخرون مهرولون إليها، تسعفهم أيديهم الطويلة وجيوبهم المكتنزة، في ماراتون محموم، من أجل نيلها… ما رأيك أنت في هذاالفيلم، وقد صرت بطلا “ههه”.
– ج- أذكر أنّ سارتر فعل ذلك يوماً، حين رفض جائزة نوبل. الأمر الذي قام به إبراهيم صنع الله، أيضاً، حين قُدّمت له جائزة حكومية. وفي كلتا الحالتين، ينبع الرفض من قناعات شخصية. غير أنّ هؤلاء الذين يهرولون إليها، تتمثل قيمتهم الإبداعية مقترنة بسمعة الجائزة. فإذا كانت هذه صارمةً، ومشهودٌ لها بالأمانة، فما ضرّ ذلك أن يهرول إليها الكاتب، بحكم غرض مادّي. لكنّ ما يحزّ في النفس، هم هؤلاء الذين ليسوا من الكتابة في شيء، ومع ذلك، من خلال علاقات “خارج نصية”، يحصلون على الجائزة. هذا الصنف الأخير، هو ما يثير كلّ الزوبعة حول الجائزة في العالم.
س -قرأتُ للناقد الفلسطيني حسام معروف ورقة جميلة عن روايتك سماها “مثل تغريدةمنكسرة”.. محمد مختاري يقدم عرضاً بانوراميا للأحداث “. يقول فيها “حاول المغربي مختاري أن يقدم فكرته من خلال عرض بأسلوبية دوائر الماء…إلى أن يصل إلى عمق العمق”. أجدها مصيبة تماماً، النقطة الأولى من الماء من بطلك تنداح، فتتسع عند الثاني، حتى تنفرج على شكل جدول منساب عند الثالث، وهكذا دواليك، في ديباجة حكي مخملي رائع، وصولا للعمق الذي لا يُغرِق بل يغري للغوص بحثا عن صدفات “التغريدة”، ودررها.. ما رأيك أنت في ماء هذه الرواية؟
– جلقد أُعجبتُ، مسبّقاً، وبشكل شديد، بهذا التوصيف الذي قدّمه الناقد. لأنّ طريقة الحكي في التغريدة، انطلقت من النواة التي أحدثتها “حجرة” في بركة السّرد. هذه الدوائر والموجات الصغيرة، هي ما كان موضوع اهتمامي في الرواية. والقارئ، يحسّ، في أحايين كثيرة، أنّ الرواية ابتعدت عن موضوعها (وهذه ليست، في الحقيقة، سوى دائرة ماء تبتعدُ عن نواتها، لكنها تشكّل جزءاً من التموجات رغم ذلك)، غير أنّه يستشعر، كلما رأى البركة من فوق، أنّ المشهد ما يزال منسجماً. إن حصول الناقد على هذا التوصيف، أثارني بدوري، باعتباري كاتباً للرواية. لأنه، بكلّ صراحة، دقيق جداً.
س – الأسلوب الذي به تبدع يكبر ولا يُطال، بصراحة، “أكبر هو منك”، لك أن تعتبر هذه شهادة مني .. من أي مشتل تقطف أوراقه؟
– ج-ما عسى أن يكون مشتل كاتب ما، غير مزيد من القراءة؟ القراءة أهدت إليّ الكثير من الأشياء، من بينها أسلوب الكتابة. أنا مدين لها بحياتي كلّها. ومن هنا، أقول: لا يمكن لكاتب أن يكتب دون قراءة، ولو امتلك ميكانيزماتها. الأمر شبيه باستحالة سياقة سيارة، على الرغم من امتلاك الرخصة، دون بنزين. هناك أشياء لا بدّ من الفروغ منها: القراءة ضرورية، ليس للكتابة فقطّ؛ وإنّما للحياة بأسرها.
س-الرواية الثانية.. متى ترى النور.. وهل ستحصل بها على جائزة أخرى..ههه
– ههه لا، فالأمر ليس مرتبطاً بالجوائز بقدر ما هو متعلّق برهانات شخصية، اجتماعية، فكرية، لا أجد سبيلاً أليقَ إلى تحريرها من قفص صدري، سوى بالكتابة الروائية. حين أكون مستعدّاً لرحلة تستحقّ أن تغويني بعوالمها، حينئذ فقطّ، سأفرح بولادة رواية جديدة. لكنّ ما أنا متيقّن منه حتى الآن، هو أنّني ملزم بكتابة رواية جديدة، “تنضاف إلى أختها”، كما يحبّ أن يقول الشاعر، والأكاديمي: رشيد سوسان.
س- كلمة أخيرة سي محمد..
ج-كلمتي الأخيرة، وكما أقول دائما، باختصار شديد: أرجو أن أكون قادراً على تقديم شيء ذي بالٍ للمجتمع الإنساني.
وأشكرك، سي ميمون، القاص المُلهم، على هذه الأسئلة الاستراتيجية. أقول استراتيجية لأنّك تعرف المواقع التي يجب أن تكون فيها أسئلتك. مع المحبة التي بلا انقضاء.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.