عبد الدائم السلامي الغزوُ العثمانيُّ لثقافتنا وهُويتِنا العربيتَيْن اتخذ طريقًا أخرى: طريقَ العَيْنِ وذلك لكون الأُذْنِ العربيةِ، بعدَ أن سكنَ الوقرُ فيها بفعلِ التطبيلِ والتزميرِ والتهليلِ، صارتْ لا تسمعُ، فإذا سمعتْ رقصتْ، وإذا رقصتْ انتشتْ وسالَ منها حياؤُها. ومن ثمّة، أصبحت العينُ العربيّةُ تسمعُ عندما ترى. أمرٌ جعل الأتراكَ يدخلون بيوتَنا بمسلسلاتِهم وما فيها من رَكاكةٍ علائقيّةٍ وبشاعةٍ نسائيّةٍ وتخنُّثٍ رجاليٍّ. وعادتِ العينُ تعشقُ قبل الأُذْنِ في تمرُّدٍ واضحٍ على فلسفةِ متمرِّدِ بشّار بن بُردٍ في السمع والرؤيةِ. ************** قامت رولا سعد، المطربة اللبنانيّة التي عاشت حرب تمّوز، بمسحٍ فنيٍّ شاملٍ للذائقةِ السمعيّةِ العربيةِ انتهتْ منه إلى ضرورة "تطعيمِ" أحدِ ألبوماتِها الغنائيّة بشخصيةٍ تركيّة نالتْ إعجابَ الإناثِ العربياتِ، فاستوردتْ الممثلَ التركي "كيفاتش تاتليتوغ" المعروف ب"مهند" ليظهرَ معها في الفيديو كليب الذي يحمل أغنية "نويا ها لو" بأجر بلغ 120 ألف دولار "وهو مبلغ يمكن أن يعيدَ إعمار الضاحية الجنوبية من بيروت". وفي شيءٍ من التقليدِ، انتظرت المطربة الأردنية ديانا كرازون ظهور مسلسلٍ تُركيٍّ جديدٍ لتقتنِصَ منه بطلَه محرم هونل المُسمّى في المسلسل "أسمر" داعية إيّاه إلى منطقة العبدلّي حيث شاركها في تجسيد أغنية "جرح" ثمّ صلّى الظهر بمسجد المكانِ. وقد وقع التعتيم حول المبلغ الذي تقاضاه هذا الفاتحُ التركيّ من كرزون رغم إيماني بأنّي أكثر وسامةً منه "أدعو الصبايا إلى العودة إلى صُوَري ليتثبّتنَ مِمّا أقولُ". **************** لا يمكنُ التشكيكُ في وسامة مهنّد أو أسمر أو ايّ مواطنٍ تركيٍّ، فذاك أمرٌ نسبيٌّ لا يخضع لمقاييسَ علميّة صارمة بل تحكمُه ذائقةٌ نسائيّةٌ عربيّةٌ متهافتةٌ. ولكنّ الممكنَ هو القولُ إنّ ظهور هؤلاءِ الأتراكِ في أغانينا الجديدةِ مؤشِّرٌ دالٌّ على "قِلّة الرِّجال" في أقطارنا العربية من جهة فهمِ هؤلاءِ المطرباتِ وأمثالهنَّ. الرِّجالُ العربُ قليلٌ في هذا الزّمنِ، الرّجالُ الرِّجالُ أكلتهم المنافي وأضناهم الفقرُ وتعتعَهم بردُ الصمتِ وسَوَّسَ عظامَهم دودُ النسيانِ. ورغمَ إيماننا بقيمةِ المرأةِ في مجتمعاتِنا وأهليتِها في تسييرِ شؤوننا، نسألُ: هل هي عودةٌ إلى مجتمعِ الإناثِ؟.