حينما يَحدثُ الانخرط في تاريخ الزمن الراهن فالأمر لا يَخصُّ المؤرخين وفقط، بل يتَّسعُ ليَرقى أن يكون انشغالاً يهمُّ السياسيين والحقوقيين. بأي معنى نُشيِّدُ هذا التوضيح؟ بالمعنى الذي يُفيد أنَّنا نَتَّصل بشكل مباشر مع قضايا سياسية بالغة الحساسية يَرتدُّ تشكلها إلى الماضي القريب، ولا تزال تفعل فِعلها في توجيه الأحداث والوقائع الحيَّة. من الناحية المنهجية، لا يخلو الاقتراب من التاريخ الراهن من التوجس في السقوط في الانزلاقات المنهجية والاستوغرافية. وهي هواجس متعددة المستويات: من حيث تمثل الزمن أوَّلاً، تحليل النسق ثانيًّا، ووضع شبكة ضابطة لتحليل البنيات، الظرفيات، والأحداث ثالثاً…وهي هواجس تخترق الزمن التاريخي "منذ الاستقلال إلى فترة العهد الجديد". أفرزت هذه الفترة الحسَّاسة إشكالات بالغة التركيب، بحكم تداخلاتها العلائقية. من جهة أخرى، فرضت على المؤرخ مُناقشة قضايا تاريخيَّة حارقة، والانخراط في جدل توثيق الذاكرة وكتابة التاريخ من خلال مواكبة النقاش العمومي والدولي حول تفاعلات التاريخ القريب من الذاكرة، ومواكبة التحولات البنيوية التي شهدتها مرحلة الانفراج السياسي والحقوقي لمغرب التسعينات، وفترة العهد الجديد لحكم الملك محمد السادس. في سياق ذلك، استشعر البحث التاريخي بالمغرب وجوب إشراك المؤرخين في التفاعل مع صخب النقاش العمومي حول ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان وفترة سنوات الجمر والرصاص، وما صاحبها من اعتقالات سرية، ومحاكمات صورية لضحايا العنف الرسمي، في سياق تجاذبات الصراع حول السلطة، بين المؤسسة الملكية والقوى اليسارية من أجل النبش في جوانب الغموض التي أقبرت في خانة اللامفكر فيها، لحساسيتها التاريخية من جهة، وتفاعلاتها الممتدة، وارتباطها بفاعلين سياسيين لا زالوا على قيد الحياة من جهة ثانية. هو ما يطرح مأزق التأريخ للذات انطلاقا من شواهد الذاكرة. في سياق المواكبة الاستوغرافية، نظمت سلسلة من الندوات واللقاءات التي في كليات الآداب والعلوم الانسانية بالمغرب منذ مطلع القرن، من قبيل "ندوة التاريخ الحاضر ومهام المؤرخ"، نونبر 2007 بكلية الآداب والعلوم الانسانية بالرباط"، وندوة من "الحماية الى الاستقلال: اشكالية الزمن الراهن"، والأيام الوطنية للجمعية المغربية للبحث التاريخي أيام 1-2-3- دجنبر 2011 في موضوع "1912- 2012: التاريخ المعاصر: التاريخ والهوية والحداثة". وتعكس هذه الندوات واللقاءات التاريخية، بالمغرب كما في الخارج، إضافة إلى جلسات الاستماع العمومية التي باشرتها هيئة الانصاف والمصالحة عن ولادة طلب معرفي وسياسي وحقوقي خوف قضايا تاريخ الزمن الراهن من أجل الاقتراب من تفاصيل مرحلة دقيقة ومفصلية من تاريخ تطور البلاد، ورغبة في الانصات والاقتراب من ذاكرة المعذبين من سنوات الجمر والرصاص، ورغبة في تكوين ذاكرة جماعية وطنية عن تاريخ عنف الدولة الرسمي، لطي صفحة الماضي، وبناء العدالة الانتقالية عن طريق الإنصاف المصالحة، كمدخل نحو ترسيخ قيم الديموقراطية والتنمية والحداثة والقيم الكونية لمرجعيات حقوق الانسان. قبل ذلك، كان لصدور كتاب "صديقنا الملك" من طرف الصحفي الفرنسي جيل بيرو، وصدور تقارير حقوقية دولية حول وضعية حقوق الانسان بالمغرب، وتخت تأثير ضغط المنظمات الحقوقية المغربية في الداخل، انعكاس مباشر في التمهيد لسياسة الانفراج السياسي والحقوقي بالمغرب لحظة التسعينات، وبداية الحديث عن مرحلة الانتقال الديموقراطي، والتي ستبدأ بعودة المنفيين السياسيين والحقوقيين إلى المغرب، وتأسيس المجلس الاستشاري لحقوق الانسان، ومشاركة القوى السياسية المعارضة في الانتخابات، وذلك في سياق ماكروسياسي دولي مطبوع بتحولات جيوسياسية عميقة، جراء انهيار جدار برلين، وانتقال بنية العلاقات الدولية من نظام القطبية الثنائية نحو القطب الواحد عقب تفكك واختفاء شبح الاتحاد السوفياتي. رافق الاقتحام الجديد لكتابة التاريخ الراهن، من طرف المؤرخين، والذي كان حِكراً فيما مضى، على مختصي العلوم السياسية، علماء الاجتماع، الأنثربولوجيين، وأقلام الصحافة الحرة، ووسائل الميديا الخارجية، جدل واسع بين المؤرخين، لاعتبارات متعددة، جدل تركز حول تباين وجهات النظر بخصوص هذا النوع من التاريخ والكتابة التاريخية، بين مؤيد وداعم، وآخر رافض ومنتقد. اختلاف منهجي، تمحور بالأساس حول طبيعة الوسائل والأدوات المنهجية التي تجعل المؤرخين في معترك تأويل معطيات الذاكرة السياسية القريبة، وملابساتها المعقدة، والتي تفرض إعادة النظر في الثوابت المنهجية التي تشكل هوية التاريخ، وفي أساليب اشتغال الدراسات التاريخية، وفق الأسس الابستمولوجية التي قطعها التاريخ في طريق تأكيد العلمية والمشروعية. والحال، يعود هذا الصخب حسب البعض إلى انتفاء شرط اختمار الوثائق، ومقياس المسافة بين الحدث الراهن والمؤرخ الباحث. وعلى أية حال، فقد ساهم انفتاح البحث التاريخي على قضايا تاريخ الزمن الراهن في تجسير قنوات التواصل والحوار المباشر مع تخصصات انسانية مجاورة، وفق قناعة التناهج التي ناضلت من أجلها مدرسة الحوليات الفرنسية، في سياق تقعيد الأسس الابستمولوجية للمعرفة التاريخية، وتشييد أفق منهجي حول ما سماه فرنان بروديل ب "السوق الانسانية المشتركة". توجه جديد يجعل الكتابة التاريخية، والبحث التاريخي في واجهة النقاش، وفي صدارة العلوم الاجتماعية والسياسية، المهتمة بالتاريخ الراهن، من أجل فهم ملابسات فترة تاريخية حساسة ومركبة، بمعالجات رصينة، وتأويلات تاريخية عميقة، تنهل من العمق الزمني، الذي يشكل بلازما البحث التاريخي، وتقريب تحليلات وتأويلات المؤرخين، بعد مرحلة غياب طويلة عن المشهد العمومي من جمهور القراء، ومؤسسات النشر، وشاشات الإعلام، بل وتجعل البحث التاريخي في قلب معركة الانتصار للعلمية التاريخية على حساب التوظيف السياسي للذاكرة الوطنية. اجتراح تاريخي لذاكرة الألم والمعاناة، معاناة جيل بأكمله في مواجهة سراديب الجلادين، وأنظمة القمع البوليسي، وأقسى أنواع التنكيل والاضطهاد التي تتصل بالعمق التاريخي للمخزن، كبنية سياسية فوقية، التي قد تجعل سؤال التحول من التقليد نحو التحديث، لا الحداثة، معاقاً في وضع كهذا، ذاكرة موشومة بالعنف الرسمي، تُلبي فضول وشغف عدد واسع من القراء، وتخرج البحث التاريخي من دائرة الاختصاص، والقواعد المنهجية الصارمة، نحو معانقة أمل بناء المشروع المجتمعي المجهض، مشروع بناء الإنسان المغربي المتصالح مع الذاكرة والتاريخ…انخراط يجعل الكتابة التاريخية بشكل يستجيب لانتظارات وتوصيات الهيئات الحقوقية الدولية، ومطالب المنظمات الحقوقية المغربية من الداخل، وانشغالات الرأي العام. يسجل للأدب انخراطه المبكر في الكشف عن ملابسات الاعتقال والتعذيب، وكشف النقاب عن ممارسات جلادي الأمس، فقد أثارت رواية "السجينة" لمليكة أوفقير و"حدائق الملك" لفاطمة أوفقير و"الغرفة السوداء: درب مولاي الشريف" لجواد مديدش، و"تازمامارت: تذكرة ذهاب وإياب الى الججيم" لمحمد الرايس و"الزنزانة رقم 10″ لأحمد المرزوقي، وغيرها، رجَّة سياسية وحقوقية، وحظيت بتتبع اعلامي قوي بالمغرب وخارجه، قياسا بحرارتها وجرأتها في الكشف عن دهاليز المعتقلات السرية، وغدَّت بذلك شغف القراء والباحثين المهتمين بتفاصيل المرحلة، لإكتشاف زوايا الظل والعثمة في تاريخ مغرب الحسن الثاني، والوقوف عند حقيقة الأحداث التي شهدها المغرب في فترة ما بعد الاستقلال، انطلاقاً من ذاكرة الأفراد المعايشين لها، ومذكرات الفاعلين. والملاحظ، يُسجل للبحث التاريخي تخلفه عن الركب، قياسا بباقي المباحث الانسانية الأخرى، التي اقتحمت منذ وقت مبكر قضايا التاريخ الراهن، أو التاريخ الفوري بتعبير الصحفي الفرنسي جان لاكوتير، ضمن مؤلف جماعي بعنوان "التاريخ الجديد" أشرف عليه جاك لوغوف، وذلك في سياق هيمنة النزعة الوطنية الحماسية التي استبدت برفاق جرمان عياش في كتابة مشروع التاريخ الوطني، لحظة المجابهة المباشرة مع الكتابات الكولونيالية، والانتصار للوثيقة المخزنية والأرشيف المحلي. إننا نقف بعد فترة اختمار وتأمل، على ضيق هذا التوجه، وارتكاسته المنهجية والاستوغرافية، وعدم قدرته على بناء وعي تاريخي نقدي حول تاريخ المغرب، فهل تُسهم عملية الانخراط في كتابة تجربة الزمن الراهن في تخصيب أوراش الكتابة التاريخية؟ وتعبر بالتالي عن فشل ضمني في مقاربة التاريخ الوطني من زاوية التركيب؟ والاستعاضة عنه بكتابة بالتاريخ الاقتصادي والاجتماعي المونوغرافي؟ كما ثم مع المونوغرافيات الرائدة لأحمد التوفيق وعلي المحمدي وعبد الرحمان المودن…. ومهما قيل في شأن ذلك، فقد ساهم جيل السبعينات، المتشبع بروح الحوليات الفرنسية في رسم مسار جديد في الكتابة التاريخية، وخلق ثورة في الاستوغرافيا المغربية، بعد أفول وخفوت تيار التاريخ الوطني، وبداية تقعيد مسار جديد حول التاريخ المجهري للقبائل والزوايا والمدن والافراد، مُسلَّحًا بأدوات ابستمولوجية مستمدة من روح الحوليات، ومنفتحة على العلوم المجاورة، ومفككة لجوانب من التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للمغرب الماقبل استعماري. وعليه، يجسد الإنخراط في كتابة التاريخ الراهن المغربي، والمساهمة في تفكيك أسئلة اللحظة التاريخية، أمرا لا يخلو من هواجس، مرد هذا الانهجاس، جاذبية القرن التاسع عشر التي مارست استبدادها على عموم مؤرخي الجامعة المغربية بعد الاستقلال، وأفرزت دراسات مرجعية رائدة، وأخرى استنساخية مكررة، جعلت البحث التاريخي لا يتخذ مساره الطبيعي، ويقفز على مرحلة الحماية الفرنسية، التي تركت رجَّة عميقة على مستوى البنيات الاقتصادية والاجتماعية والذهنية داخل المجتمع المغربي، ونذوباً مشوهة في الجسد المغربي، وتركت وراءها أسئلة تاريخية كثيرة، واشكاليات مهجورة، دون أن يتمكن البحث التاريخي الخوض فيها؟ فهل يعني ذلك هروباً من تاريخ الحماية؟ ومن أسئلتها الحساسة؟ هل المسألة لها علاقة بالأرشيف الخارجي؟ أم إلى هيمنة الدراسات الأجنبية في هذا المسار من البحث؟ واستحالة تجاوز ما كتبته الاستوغرافيا الأجنبية عن تاريخ المغرب، من قبيل كتابات دانييل ريفي، وليام هوينسطن وبيير فيرميرين…. ثم هل يستقيم منهجيا الحديث عن التاريخ الراهن، من دون المرور الطبيعي من تاريخ الحماية؟ ثمة بياضات قاتلة ترصع تاريخ مغرب الحماية، تجعل ورش كتابة التاريخ الراهن معاقاً ومشوهاً، مُفتقدا لوعي وتأطير معرفي، أسئلة عديدة تشكل مدخلا نحو فهم إلتباسات التاريخ الراهن، من قبيل: لماذا لم يفرز التدافع السياسي بمغرب الحماية نخبة وطنية قادرة على بناء معالم مشروع مجتمعي وطني بعد الاستقلال؟ لماذا ظلت الاتكالية وغياب القرارات الحاسمة تهيكل الحياة السياسية المغربية؟ لماذا لم يحسم الوفد المغربي المشارك في محادثات اكس ليبان مسألة الاستقلال واشكالية الوحدة الترابية؟ هل يمكن تحميل مسؤولية عسر الانتقال الديموقراطي والتحول المعاق الى إرث الاستعمار الفرنسي والاسباني؟ هل كانت فترة الحماية قوساً في التطور التاريخي المغربي سرعان ما جاء الاستقلال ليغلقه وتستمر البنية الاجتماعية والاقتصادية في انتاج التقليد؟ ختاماً، يُجسد عبور مختصي الزمن من جسر تاريخ الحماية والتاريخ الراهن المدخل الأساس في مسار بناء الدولة الديموقراطية وتوطين قيم الحداثة وبناء مجتمع العدالة الاجتماعية وتعزيز قضية الانتماء واستكمال الوحدة الترابية، والإجابة الأكاديمية عن الأسئلة الاستراتيجية لبلدٍ لم يُوطِّن كفاية القراءة النقدية لسردياته التاريخية…هي أسئلة الراهن المغربي التي تجعل من البحث التاريخي في قلب البناء الوطني لمفاهيم العدالة والانصاف والمصالحة الحقيقية مع ماضي العنف والعنف المضاد…