كشف تقرير أصدره المجلس الأعلى للحسابات عن اختلالات عميقة ومتراكمة في تدبير مرفق المقابر بالمغرب، مبرزا أن هذا المجال الحيوي، المرتبط مباشرة بكرامة الموتى وحقوق الأحياء، ما يزال يدار بمنطق جزئي ورد فعل، بعيدا عن أي رؤية وطنية مندمجة أو تخطيط استباقي مستدام. وخلص التقرير الذي استند إلى معطيات ميدانية واستبيانات شملت 1503 جماعات ترابية، إضافة إلى زيارات ميدانية ل269 جماعة، إلى تشخيص دقيق لوضع مقلق، تتداخل فيه محدودية الموارد، وغياب التخطيط، وضعف الحكامة.
وبين التقرير أن 76% من المقابر تتوفر فقط على مسالك ولوج، في حين لا تتجاوز نسبة الربط بالماء 11%، وبالكهرباء 6%، وهي أرقام تعكس هشاشة بنيوية تمس شروط الدفن، والنظافة، والحراسة، وسلامة المرتفقين. كما أن أقل من ثلث المقابر فقط تتوفر على سور، وأقل من 2% على مرافق صحية، فيما لا تتجاوز نسبة المقابر التي تتوفر على سكن للحارس أو مكتب للإدارة 1% .
وسجل التقرير تدهورا عاما في وضعية المقابر بسبب ضعف الصيانة. فخلال ست سنوات، لم يتجاوز مجموع الاعتمادات المصروفة لهذا الغرض 38,92 مليون درهم، أي بمعدل سنوي لا يتعدى 6,49 ملايين درهم، وهو ما يعادل حوالي 4611 درهما سنويا لكل مقبرة، وهو مبلغ اعتبره التقرير غير كاف إطلاقا بالنظر إلى حجم الحاجيات.
ويتوفر المغرب على ما مجموعه 29.081 مقبرة، أكثر من 95% منها توجد في المجال القروي، مقابل أقل من 5% فقط في المجال الحضري. ورغم هذا الانتشار الواسع، فإن التقرير يؤكد أن نسبة المقابر النموذجية لا تتجاوز 0,4%، أي 109 مقابر فقط تستجيب للحد الأدنى من شروط التنظيم والتجهيز على الصعيد الوطني.
من جهة أخرى، سجل المجلس الأعلى للحسابات أن 919 مقبرة استنفدت طاقتها الاستيعابية، فيما تصنف 111 مقبرة كمقابر تاريخية، وتتركز أساسا في جهات كلميم واد نون، الشرق، وسوس ماسة، دون أن يقابل هذا الوضع أي تصور خاص للحماية أو التأهيل.
ولعل أخطر ما يرصده التقرير هو غياب منهجية توقعية لإحداث وتوسعة المقابر، فخلال الفترة المدروسة، بلغ متوسط الوفيات السنوي حوالي 175.679 حالة، ما يفرض نظريا تعبئة ما يقارب 70 هكتارا سنويا لتلبية الحاجيات، دون احتساب المناطق الوقائية حول المقابر. غير أن الواقع يكشف عن ضعف كبير في تخصيص الأوعية العقارية، إذ لا تتجاوز المقابر المبرمجة ضمن وثائق التعمير 8,73% من مجموع المقابر، كما أن عدد المشاريع المبرمجة لا يمثل سوى 30% من عدد المقابر التي بلغت طاقتها القصوى، ما يكرس منطق التدخل المتأخر بدل الاستباق.
كما سجل التقرير ضعف الموارد البشرية المخصصة، إذ لا يتجاوز عدد الموظفين المكلفين بتدبير المقابر 383 موظفا على الصعيد الوطني، بينهم 217 حارسا فقط، وهو رقم لا يتناسب مع حجم المجال ولا مع حساسيته.