صوت فلسطين إلى ضمير العالم… رسائل من امرأة مختفية توفيت مساء أول أمس الأربعاء 18 فبراير، عن عمر ناهز 76 عاماً، الديبلوماسية والمثقفة الفلسطينية ليلى شهيد، في منزلها بجنوب فرنسا، بعد معاناة طويلة مع المرض. وأمام هذا الرزء الإنساني الفادح، تتقدم جريدة «الاتحاد الاشتراكي» والقسم الثقافي بها، الى زوجها الكاتب والروائي المغربي محمد برادة وإلى عائلتها والشعب الفلسطيني، بخالص عبارات العزاء والمواساة في فقدان أيقونة الديبلوماسية الفلسطينية في أوربا، وصوت فلسطين في العالم. كانت ليلى أول امرأة تدخل مع الكاتب الفرنسي جان جينيه إلى ساحة الإبادة في مخيمات صبرا وشاتيلا عام 1982،وتوثق للعالم جثث مئات الضحايا من الأطفال والنساء والرجال الفلسطينيين العزل. وسيتذكرها العالم بأنها أول سفيرة فلسطينية في أوروبا، وأول من نعى الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات من مستشفى بيرسي العسكري في فرنسا في 11 نونبر2004. ليلى الفلسطينية – المغربية انتقلت ليلى في 1974 إلى باريس لمتابعة الدكتوراه في الأنثروبولوجيا، وفي عام 1976 تولّت رئاسة اتحاد الطلبة الفلسطينيين في فرنسا . وفي باريس، بدأت مسارا آخر، يتقاطع فيه الفكر مع الدبلوماسية، رغم أن وجودها في العاصمة الفرنسية كان من أجل الحصول على شهادة الدكتوراه. سنة بعد ذلك التقت في مونبرناس بالكاتب المغربي إدمون عمران المليح، في إطار بحثها الجامعي، وهي العلاقة التي قربتها من المغرب، حيث سجّلت أول زيارة لها إلى هناك في صيف سنة 1976 بدعوة من عمران المليح وزوجته، حيث رافقتهما في رحلة صيفية شملت عددا من المدن المغربية على متن سيارة بسيطة. وخلال تلك الرحلة، تعرّفت ليلى على أبراهام السرفاتي، المدافع عن القضية الفلسطينية، في لقاء جرى بعيدا عن عيون الشرطة التي كانت تقتفي أثره. في السنة نفسها، تلقت الراحلة دعوة للمشاركة في لقاء لاتحاد الكتاب الفلسطينيين بتونس، وهناك التقت برئيس اتحاد كتاب المغرب محمد برادة، الذي ترك لديها انطباعاً بالغاً، قبل أن يتزوجا لاحقاً. وهذا ما سبق لها أن أوضحته في حوار أجرته معها صحيفة "ليبراسيون الفرنسية"، إذ كشفت أنها تلقت من محمد برادة دعوة لحضور لقاء اتحاد كتاب المغرب، وهو ما استجابت له سنة 1977، مما سمح لها بتقديم صديقها إدمون عمران المليح إليه، فتوثقت العلاقة بينهما وتعمّق التفاهم المتبادل. تقدّم محمد برادة لخطبة ليلى، فحظي طلبه بترحيب الأسرة المنفتحة التي تنتمي إليها، والتي عاشت في أوروبا وتمنح للفتاة هامشاً واسعاً في اختيار شريك حياتها. تمّ الزواج بسرعة، خاصة في ظل حضور والدتها سيرين، الكاتبة التي ألّفت عدة مؤلفات باللغة الإنجليزية. وبعد الزواج، أقامت ليلى في الرباط بين 1977 و1989، حيث شكلا معا ثنائيا ثقافيا وفكريا مميزا، ساهم في مد جسور التواصل بين المشرق والمغرب العربي لخدمة القضايا القومية والإبداعية. وعملت مدرسة في أحد الأحياء الهامشية، ثم اتجهت نحو مجال النشر بالتحاقها بإحدى دور النشر رفقة الكاتب المغربي عبد الكبير الخطيبي. تزايد حضورها الثقافي والسياسي من خلال علاقاتها مع اليسار المغربي خلال مرحلة سنوات الرصاص، وزياراتها للسرفاتي في السجن، وروابطها مع زوجته، إضافة إلى استقبالها في بيتها بحي أكدال بالرباط عدداً من الشخصيات الفكرية والثقافية من المغرب والمشرق، من بينهم الشاعر محمود درويش، والمفكر إدوارد سعيد، والكاتب الفرنسي جان جينيه، الذي ساهمت في انتقاله من فرنسا إلى المغرب ليدفن في العرائش، إلى جانب أسماء أخرى تركت أثراً واضحاً في المشهد الثقافي. حارسة السلام..صوت فلسطين دخلت المسار الديبلوماسي عام 1989 كأول امرأة فلسطينية تُعيَّن ممثلةً ل"منظمة التحرير الفلسطينية" في إيرلندا، قبل أن تُنقل عام 1990 ممثلةً للمنظمة في هولندا. بين 1993 و2005 شغلت منصب المندوبة العامة لفلسطين في فرنسا، ثم بين 2006 و2014 أصبحت المندوبة العامة لدى الاتحاد الأوروبي إضافة إلى بلجيكا ولوكسمبورغ. خلال هذه المسيرة، قدّمت نموذجاً بارزاً للديبلوماسية الفلسطينية النسائية، حيث مزجت بين السياسة والثقافة، معتبرة أن الثقافة هي "أساس السياسة"، وهو توجه أثار انتقادات في أوساط مؤيدة لإسرائيل، بلغت حد مطالبة رابطة فرنساإسرائيل وزارة التربية الفرنسية عام 2005 باتخاذ موقف من محاضراتها في المدارس، ووصفتها بأنها "دعاية فلسطينية". وقد نعاها الرئيس الفلسطيني محمود عباس قائلا إنها " كرّست حياتها في الدفاع عن قضايا وطنها وشعبها، فكانت صوتاً صادقاً لوطنها، وصورة مشرّفة للدبلوماسية الفلسطينية، حيث أدّت مهامها التي كلفت بها بكل كفاءة واقتدار، وأسهمت في تعزيز حضور القضية الفلسطينية في الساحة الأوروبية والدولية". بدوره، اعتبر الدبلوماسي الفلسطيني ووزير الخارجية الأسبق ناصر القدوة أن شهيد " أبرز سفيرة فلسطينية على الإطلاق، كانت أيقونة من الصعب أن تتكرر. كانت شهيد تتمتع بكاريزما طاغية، وقدرة على النقاش والمحاججة المنطقية، مثقفة وسياسية من الطراز الأول، جذبت إليها كل السياسيين من المستوى الأول، حتى أنها كانت تربطها علاقة شخصية بالرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك. النخب السياسية كانت تسعى للقاء شهيد لما تتمتع به من ديناميكية عالية جدا". بيت الشعر في المغرب: حضور قوي من أجل القضية على إثر هذا الفقد الكبير تقدم بيت الشعر في المغرب بصادق العزاء للأستاذ الناقد والروائي المغربي محمد برادة في وفاة رفيقة دربه ليلى شهيد ولأسرتها الصغيرة والكبيرة وصادق المواساة للشعب الفلسطيني. واعتبر بلاغ بيت الشعر في المغرب أن المناضلة السياسية الفلسطينية التي شغلت مهاما ديبلوماسية في عدد من العواصم الأوروبية، فكانت عام 1989 أول امرأة فلسطينية تُعيَّن ممثلةً ل "منظمة التحرير الفلسطينية" في إيرلندا، قبل أن تُنقل عام 1990 ممثلةً للمنظمة في هولندا، ثم لاحقا ممثلة لفلسطين لدى الاتحاد الأوروبي، فالمنظمة العالمية للتربية والثقافة و العلوم ( اليونيسكو) بباريس، عرفت بحضورها ونشاطها القوي لفائدة القضية الفلسطينية، دعما لحق شعبها في العيش الحر الكريم.و كانت صوتا كريما من أجل الحرية والعدالة، وستظل بصماتها حاضرة بقوة في كل مكان عبرت منه. مارسيل خليفة: ملاكنا الحارس نعى الفنان اللبناني مارسيل خليفة الراحلة ليلى شهيد على صفحته بالفايسبوك، بكلمات مؤثرة نقتطف منها: " ومضت تبحث خلف البحر عن معنى جديد للحقيقة " يا ليلى أصابعي علّقتها على مشانق الوتر وَرَوَضت القصيدة على السجيّة لتطريّة المقام : " كان لا يتعبني في الليل إلاّ صمتها " وكان " الشاعر " يقلب العالم بالكلمات. وكان لا بُدَّ لفلسطين ممّن يمسح عن أرضها غبار الألم، وكان لا بُدَّ للخلاص من وثبة روح جريئة . " ليلى شهيد " قربانٌ عفويّ. بياض روحها يُهدينا زينة الحياة إلى الحياة. تعلو وتعلو في السماء نجمة لترفع النداء . وحدها تستولي على البعيد وتحكي عن فلسطين . فدائيّة، ديبلوماسيّة، سفيرة، صديقة، أم، اخت، في فضاء يحتلّه بؤس معمّم. وما تَبَقّى تفاصيل صغيرة . بحضور ساطع تصدح : لا أرض للفلسطيني إلاّ ما وطأت أقدام جدّه. وكل أرض أخرى، منفى مؤقّت . وحدها تحتكر النداء ممهورا بنُسك روح يتجلّى لها المطلق . تتكلّم علناً وتتألّم سرّاً. قويّة بوفائها لقضيتها العادلة في جو عارم بأعدائها . وحدها تتذكّر وتحفظ للذكرى ذكراها. تمرّ القوافل على الطريق فتبدّل الأيّام أسماءها ولا تتبدّل. امرأة وفيّة حين عزّت البطولة وتناقص الرذاذ عن عطش الرُحَل . (…)أذكر عندما ذَهَبت رفقة إلياس لعيادة محمود في المستشفى الباريسي كانت ليلى – ملاكنا الحارس – تُطلّ من عَلٍ تسلمه " باب الشمس " وتلفحه بنسمة فلسطين التي تسكنها كي ينبلج الصباح المسيّج بالضوء . وفي قلبها شعور يكفي ليؤسّس مساحة لِلقاء بين سحر الأرض ونداء السماء . ومضت " ليلى" كالحلم بخفَيّ حُنَيْن. نشيعها إلى نغم على وتر: كفكرة تخبو، كطفلة تحبو، كثورة تزهو، كقيثارة تتوجّع أوتارها بين الريشة وفوضى الأنامل …" عبده حقي: امرأة جعلت من الثقافة جسراً ومن السياسة رسالة الكاتب والروائي المغربي اعتبر أن الراحلة الفلسطينية ليلى شهيد "لم تكن مجرد دبلوماسية تمثل قضية وطن، بل كانت صوتاً حضارياً كاملاً لفلسطين في العالم. امرأة جمعت بين الثقافة والسياسة، بين الحس الإنساني والصلابة الدبلوماسية، فحوّلت الدفاع عن شعبها من خطاب احتجاجي إلى خطاب معرفي وأخلاقي يخاطب ضمير الإنسانية قبل حكوماتها"، مضيفا أنها "إحدى أبرز الوجوه الفلسطينية التي فهمت مبكراً أن المعركة لا تُخاض فقط في الميدان العسكري أو في قاعات التفاوض، بل كذلك في الجامعات والمتاحف والمسارح والكتب". وأشار حقي الى أن الراحلة"لم تتجه مباشرة إلى العمل السياسي، بل اختارت أولاً طريق المعرفة. درست علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، ثم عملت في المجال الأكاديمي والبحثي. وهذا التكوين العلمي سيصبح لاحقاً أحد أسرار تميزها الدبلوماسي: كانت تتحدث بلغة المفاهيم لا الشعارات، بلغة الإنسان لا الأيديولوجيا.لقد آمنت مبكراً أن القضية الفلسطينية ليست مجرد صراع حدود، بل مسألة إنسان وثقافة وذاكرة. لذلك ظلت طوال حياتها تعتبر أن الاحتلال لا يهدد الأرض فقط، بل يهدد الرواية والتاريخ والهوية. كما تميّزت بقدرتها النادرة على مخاطبة الغرب بلغته الفكرية والأخلاقية. لم تكن تعتمد على خطاب الضحية فقط، بل على خطاب العدالة. وختم حقي كلمته التأبينية بالقول إنه"برحيل ليلى شهيد تفقد فلسطين أحد أكثر وجوهها قدرة على الحوار مع العالم. تفقد نموذجاً من الدبلوماسيين الذين يربحون المعارك من دون ضجيج.لم تكن زعيمة جماهيرية، لكنها كانت مؤثرة عميقة. لم تكن خطيبة ساحات، لكنها كانت صانعة وعي". ريكاردو كرم: ليلى، وضوح أخلاقي يمشي على قدمين الإعلامي والمحاور اللبناني ريكاردو كرم في تأبينه للراحلة عاد الى سنوات لقائه الأولى بليلى شهيد، سنوات كان الصوت الفلسطيني محاصرا. وقد كتب كرم أن صداقته "مع ليلى شهيد بدأت عام 1998، عندما استضفتها في برنامجي التلفزيوني آنذاك "مرايا". سُجّل الحوار ... ثم مُنع من البث. في تلك المرحلة، لم يكن مسموحاً لها أن تظهر على شاشة لبنانية. تدخّلت السياسة، كما تفعل دائماً. لكن ما حاولت السياسة إسكاتَه، عمّق صداقتنا أكثر. وأدرجتُ ذلك الحوار لاحقاً في كتابي "حاورتهم"، لأنّ التاريخ يعرف كيف يُنصف ما يُحجب. ليلى لم تكن مجرد دبلوماسية. كانت وضوحاً أخلاقياَ يمشي على قدمين. كانت تُترجم القضية الفلسطينية بلغة يفهمها العالم، بلا انفعال زائد، وبلا شعارات فارغة. دقيقة في تحليلها، رصينة في طرحها، ثابتة في قناعاتها. لم تطلب تعاطفاً، بل طالبت باعتراف. لم تسعَ إلى ضجيج، بل إلى عدالة. كسفيرة لفلسطين لدى الاتحاد الأوروبي وبلجيكا ولوكسمبورغ، جعلت من الدبلوماسية مساحة دفاع راقٍ عن الكرامة والحق. في المؤتمرات والجامعات والبرلمانات الأوروبية، كانت تُقدّم قراءة سياسية متماسكة، تُضيء التاريخ وتشرح الواقع، وتُصرّ على أن لفلسطين رواية لا يمكن اختزالها. كبرت صداقتنا لتشمل، إلى جانب ليلى، شقيقتيها مايا وزينة وإلى والدتها سيرين جمال الحسيني، نسيبة مفتي القدس الحاج أمين الحسيني، عائلة لم يكن التاريخ فيها مادة تُدرَّس، بل تجربة تُعاش. في أيار 2024، التقينا في السفارة البلجيكية في اليرزة لنحتفل بابنة خالتها ندى عبد الرحيم بمناسبة تقاعدها ونيلها وساماً تكريمياً. كنّا هناك من أجل ندى، لكنني اليوم أنظر إلى تلك الصورة كجزء من ذاكرة أثمن. لم أكن أعلم أنها ستكون من آخر لقاءاتنا. سأفتقد لقاءاتنا، وأحاديثنا الطويلة التي كانت تمتد من السياسة إلى الثقافة، ومن الألم إلى الأمل. سأفتقد إيمانها المنضبط بأنّ العدالة، مهما تأخّرت، تبقى ممكنة. وداعاً ليلى (أو لولو). لم تمثّلي شعباً فحسب، بل صنتِ كرامة روايته".