رسم تقرير للمجلس الأعلى للحسابات صورة قاتمة عن وضعية دور الطلبة بالمغرب، سواء من حيث العشوائية في تشييدها، أو الاكتظاظ الذي تعاني منه، وضعف جودة الخدمات المقدمة داخلها، حيث ينخفض التمويل اليومي المخصص لكل تلميذ إلى أقل من 5 دراهم في بعضها، ناهيك عن عجزها المالي وضعف مواردها البشرية، وهو ما ينعكس سلبا على جودة الخدمات التي تقدمها، ويحولها من آلية للحد من الهدر المدرسي إلى آلية تفاقمه. وقال تقرير مهمة رقابية نشره المجلس في تقريره السنوي إن تدبير دور الطالب والطالبة، يفتقر إلى رؤية استراتيجية مؤطرة تُحدد بوضوح موقع هذه الدور ضمن منظومة التربية الوطنية، وهو ما من شأنه أن يحدّ من قدرتها على أداء وظائفها في تعزيز تكافؤ الفرص ومحاربة الهدر المدرسي، خاصة في الوسط القروي، منتقدا تشتت الجهود وضعف التنسيق بين المتدخلين، وعدم وجود جهة حكومية مسؤولة على الإشراف على هذه الدور.
وأكد المجلس في التقرير الذي استهدف الفترة ما بين 2018 و2024 أن إحداث دور الطلبة لا ينبني على مؤشرات الهدر المدرسي، ومعطيات تربوية دقيقة، بل تترك هذه القرارات غالبا للمبادرات المحلية التي ترتكز على اعتبارات تمويلية أو إدارية، ما يؤدي إلى إحداث دور في مناطق لا تعكس أولوية حقيقية من حيث نسب الهدر المدرسي أو مؤشرات التمدرس، وهو ما أسفر عن إغلاق 32 دارا بعد فترة وجيزة من بنائها، نتيجة ضعف الإقبال عليها. فضلا عن وجود 90 دارا غير مرخصة حتى متم 2024. وبين تحليل معطيات مؤسسة التعاون الوطني من طرف المجلس، وجود اختلالات في استغلال الطاقة الاستيعابية لدور الطلبة، ففي الوقت الذي تضم نصف الدور عدد مستفيدين أقل من طاقتها الاستيعابية، بسبب وجودها في مناطق ذات كثافة سكانية منخفضة أو توفر النقل المدرسي…، تعاني 40% منها من الاكتظاظ، وتصل نسبة الإشغال مستويات مرتفعة، تتجاوز في بعض الحالات ضعف الطاقة المتاحة، وهو ما يؤثر على جودة الخدمات وظروف الإقامة، ويحد من القدرة على الاستجابة للحاجيات التربوية والاجتماعية للفئات المستفيدة. وانتقد التقرير غياب معايير موحدة لاستهداف المستفيدين من هذه الدور، وضعف الالتقائية مع برامج الدعم المدرسي، وهو ما يؤدي من إقصاء تلاميذ مستحقين، إما بسبب الاكتظاظ أو محدودية الطاقة الاستيعابية أو عجز الأسر عن أداء المساهمات المالية. وسجل المجلس هشاشة النموذج التمويلي لدور الطلبة، حيث الاعتماد شبه الكلي على مصادر تمويل غير كافية وغير منتظمة، وهو ما يدفعها إلى طلب اشتراكات تثقل كاهل الأسر ذات الدخل المحدود، ويتعارض مع مبدأ المجانية المنصوص عليه في القانون. وتُفرز هذه الوضعية المالية الهشة آثارًا سلبية متعددة، أبرزها ضعف القدرة على الاستثمار في البنية التحتية وتحسين جودة الخدمات ومستلزمات الصيانة التي تتطلبها هذه الدور، وغياب هوامش مالية كافية لمواجهة الأزمات أو تلبية الاحتياجات المستجدة، إضافةً إلى ارتفاع مخاطر التوقف الجزئي أو الكلي عن تقديم الخدمات، في حال تراجع أو تأخر الدعم العمومي. ورصد التقرير ضعف التمويل المخصص لكل مستفيد مقارنة بالتكلفة المرجعية الدنيا المحددة قانونًا؛ فقد بلغ متوسط التمويل السنوي الفعلي المخصص لكل مستفيد بالدور خلال سنة 2024، حوالي 4.708 دراهم، أي ما يعادل 20 درهمًا يوميًا، بافتراض 240 يومًا من الإقامة المدرسية في السنة. ويُسجَّل بذلك عجز يومي يُقدّر ب 40 درهمًا لكل مستفيد، مقارنة بالتكلفة المرجعية الدنيا المحددة في 60 درهمًا يوميًا. كما كشفت المعطيات الميدانية عن تفاوتات ملحوظة في التمويل الفردي بين هذه الدور، حيث تخصّص 46% من الدور موارد سنوية تقل عن هذا المعدل الوطني، من ضمنها ما يناهز 14 دارا لا تتجاوز الكلفة السنوية للمستفيد الواحد فيها ألف درهم فقط، أي حوالي 4,2 درهم للتلميذ يوميا. وبالمقارنة، تُقدَّر كلفة الإطعام اليومي بالداخليات التابعة لوزارة التربية الوطنية بنحو 40 درهمًا، مما يُبرز تفاوتًا واضحًا في مستوى الإنفاق، مع ما لذلك من انعكاسات محتملة على جودة الخدمات المقدّمة. ونبه ذات المصدر إلى ان محدودية التمويل تدفع هذه الدور إلى تركيز نفقاتها على الجوانب التدبيرية الأساسية، مع إغفال شبه تام للأنشطة التكوينية والتربوية، فالموارد المالية المخصصة للأنشطة التربوية لا تتعدى 1% من نفقات التسيير. وإلى جانب الاختلالات المذكورة، تعرف دور الطلبة حسب التقرير، فقصا حادا في الموارد البشرية وضعف تأهيلها وتأخر وضعف أجورها، وعجزا ماليا…، ومن شأن استمرار القصور أن يفضي إلى تراجع جودة التأطير التربوي، أو ارتفاع مستويات الهدر المدرسي أو تدني التحصيل، بما يضعف الأثر الإيجابي المنتظر من خدمات الإيواء على المسار الدراسي للتلاميذ المستفيدين. ويشار إلى أن عدد دور الطلبة وصل مع متم سنة 2024 إلى ما مجموعه 1067 دارا، تأوي 48 ألفا و879 مستفيدا، من بينهم 56% من الإناث، حسب معطيات التقرير.