يعرف المشهد السياسي المغربي حالة من التدافع والجدل على بُعد شهور من موعد الاستحقاقات الانتخابية. وبالموازاة، يتنافس قادة الأحزاب في إطلاق تصريحات قصد تسخين الأجواء، وتحفيز القواعد، وبثّ الأمل في النفوس. في هذا السياق يندرج تصريح الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إدريس لشكر، أخيراً في الدارالبيضاء، إن حزبه تتوافر فيه اليوم الشروط السياسية والتنظيمية الحقيقية كلّها التي تخوّله قيادة البلاد خلال الانتخابات المقبلة، معتبراً أن الظرفية الوطنية الراهنة تفرض على الحزب تحمّل مسؤولية تقديم بديل سياسي قادر على تصدّر المشهد. ودعا منتسبي حزبه إلى التواصل مع المواطنين بلغة الحقيقة، والقطع مع الشعارات الكبرى والمزايدات السياسية، والعمل لتغيير العلاقة بين السياسة والمواطنين من موقع المعارضة المسؤولة. في الظاهر، يمكن اعتبار هذه التصريحات جزءاً من التعبئة الحزبية الطبيعية التي تسبق أي استحقاق انتخابي، غير أن السياق العام الذي تصدر فيه هذه الرسائل يجعلها أبعد من مجرّد تحفيز داخلي؛ فالحديث عن تحمّل مسؤولية تاريخية، وتقديم بديل حقيقي يترجم الرغبة في استعادة دور فقده الحزب تدريجياً، فقد تراجع حضوره الانتخابي، وتقلّص نفوذه الرمزي، غير أن هذه التصريحات أثارت تعليقات ساخرة وانتقادات في منصّات التواصل الاجتماعي، كما قوبلت بتحفّظات متتبعين الشأن الحزبي. ويرى هؤلاء أن الحديث عن قيادة الحكومة يبدو غير واقعي في ضوء التراجع الانتخابي التاريخي الذي عرفته أحزاب اليسار برمّتها، وفي مقدّمتها "الاتحاد الاشتراكي" في الاستحقاقات السابقة. يراهن "الاتحاد الاشتراكي"، وفقاً لهذا الخطاب، على إعادة بناء الثقة مع المغاربة عبر خطاب واقعي يلامس همومهم اليومية، ومن منطلق براغماتي يُلحُّ على ضرورة القطع مع شعارات سابقة قلّلت (في نظره) من أهمية الأرقام والمقاعد. وتأسيساً على ذلك، يعتبر أن مختلف التجارب بيّنت أن السياسة، في نهاية المطاف، ميزان قوى عددي قبل أن تكون مواقف أخلاقية مجرّدة، لكن هل تكفي الإرادة الخطابية وحدها لتعويض تراجع اجتماعي وتنظيمي وخفوت أيديولوجي وفكري؟ الواقع أن متابعين كثيرين للشأن الحزبي في المغرب يضعون هذه الطموحات تحت المجهر، ويتعاملون معها من منظور نسبي، ليس من باب التشكيك في شرعية حلم قيادة الحكومة المقبلة، بل استناداً إلى معطيات موضوعية، من قبيل ضعف التعبئة، واهتزاز صورة الأحزاب، وتراجع الثقة العامّة في الفعل السياسي برمّته. فإنّ الأزمة لم تعد أزمة حزب بعينه، بل أزمة حقل سياسي كامل فقد جاذبيته لدى قطاعات واسعة من المجتمع، خصوصاً لدى الشباب. ويبقى حلم قيادة الحكومة رهيناً بنتائج صناديق الاقتراع، وبالقدرة على بناء تحالفات واسعة، سواء داخل اليسار أو خارجه، غير أن المشهد الحزبي المغربي يعيش حالة من الضبابية الأيديولوجية والهشاشة التنظيمية وتراجع الجاذبية الاستقطابية، وهو ما أسهم في تنامي عزوف فئات واسعة من المغاربة، خاصّة الشباب، عن السياسة، وفقدان الثقة في خطابات الأحزاب وبرامجها. كما أن غياب بروفايلات قيادية مقنعة، تتمتّع بالكاريزما والسلطة الأخلاقية والحضور الرمزي، أثّر بعمق في أداء الأحزاب. فتحوّلت، في أحيانٍ كثيرة، إلى هياكل باهتة، بلا إشعاع أو مواقف مبدئية أو قدرة على صناعة الحدث. بل صارت، في نظر منتقديها، مجرّد صدى لخطاب الدولة، تعيد إنتاج مفرداته، وتتكيّف مع رؤيته، بدل أن تقدّم خطاباً نقدياً مستقلّاً ومقترحاتٍ بديلة. وتزداد المفارقة وضوحاً عند مقارنة حاضر السياسة بماضيها. فقد عُرفت الزعامات التاريخية، خصوصاً داخل اليسار، بنوع من النبل والزهد السياسي، وكانت حاملة مشاريع مجتمعية واضحة، قادرة على التعبير عن مواقفها بثبات واستقلالية. أمّا اليوم، فقد انزلقت بعض القيادات إلى منطق نفعي يختزل السياسة في المكاسب المادّية والمصالح الشخصية، وتلاشت الحدود بين السلطة والثروة، وبين الالتزام والمصلحة. هنا الأزمة الحقيقية: ليس فقط في طموح هذا الحزب أو ذاك لقيادة الحكومة، بل في تراجع المعنى الأخلاقي للسياسة ذاتها، فالمغرب، أكثر من أي وقت مضى، في حاجة إلى أحزاب قوية برؤى واضحة، وقيادات ذات مصداقية تعيد الاعتبار للفعل السياسي بوصفه خدمة للشأن العام لا مجرّد مسار للترقّي الفردي. من دون ذلك، سيظلّ الخطاب الانتخابي مجرّد وعد عابر، وستظلّ الثقة الشعبية مجرّد سراب. هكذا تلاشت الحدود بين السلطة والمعارضة، وبين المشروع والموقع، صار التنافس يدور حول القرب من دوائر القرار أكثر ممّا يدور حول تقديم بدائل مجتمعية. ومع الوقت، فقدت السياسة بريقها الأخلاقي، وتآكل الرأسمال الرمزي الذي صنعته أجيال من المناضلين… ولعلّ بعض المشاهد الحزبية المعاصرة تكشف هذه التحوّلات بوضوح رمزي. فعندما أعلن رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش استقالته من قيادة حزب التجمّع الوطني للأحرار في المؤتمر الاستثنائي (في 8 فبراير)، تحوّل الفضاء إلى لحظة انفعال جماعي طغت عليها الدموع والانكسار. بدا المشهد إنسانياً بلا شكّ، لكنّه سياسياً أثار تساؤلات: هل يتعلّق الأمر بحزن على نهاية مرحلة تنظيمية، أم بخوف من فقدان سند شخصي ارتبطت به مسارات ومصاير؟ هنا تحضر الذاكرة والتاريخ بهدف المقارنة، فالدموع في السياسة المغربية ليست جديدة، لكنّها كانت في لحظات أخرى تحمل معنى مختلفاً. أتذكّر، وأنا أستعيد تلك الصور، جنازة الزعيم الاتحادي عبد الرحيم بوعبيد. كنتُ شاهداً ومتابعاً للمشهد عن قرب، لم تكن مجرّد مراسم وداع، بل لحظة وطنية جامعة اختلط فيها أنصار اليسار بخصومه، وتوحّدت الشعارات حول قيمة الرجل ورمزيته. كانت الدموع هناك تعبيراً عن فقدان مشروع، وعن نهاية مرحلة كاملة من النضال الديمقراطي. وهذا ما لخّصتُه في نهاية وثائقي أنجزته في جزأين "عبد الرحيم بوعبيد… الرهان الديمقراطي"، فكتبت في التعليق: "عندما شيّعته الجماهير إلى مثواه الأخير في 8 يناير 1992، بكت وأطلقت الزغاريد والشعارات لتقاوم لحظة الحزن. توحّدت المواقف والألوان الأيديولوجية في جنازته. لا يمين ولا يسار. لا سلطة، لا معارضة. كان الوطن في حاجة إلى عبد الرحيم بوعبيد للمطالبة بسيادة الديمقراطية". وبالقدر نفسه، عايشتُ وغطّيتُ جنازة الملك الراحل الحسن الثاني. كان المشهد مهيباً إلى حدّ يصعب وصفه؛ حزن جماعي عابر للتيارات والانتماءات، لأنّ الأمر تعلّق برحيل شخصية طبعت تاريخ الدولة المغربية الحديثة بتعقيداتها وإنجازاتها وصراعاتها كلّها. لم تكن الدموع آنذاك مرتبطة بمصالح أو حسابات ظرفية، بل بإحساس عميق بفقدان لحظة تاريخية ورمز وطني. ذلك هو الفارق الجوهري بين الأمس واليوم: بين دموع تنبع من معنى سياسي وأخلاقي كبير ودموع ترتبط أحياناً بعلاقات شخصية أو بمواقع نفوذ. وبين سياسة كانت تُفهم بوصفها التزاماً ورسالة وأخرى تُختزل أحياناً في مسار مهني أو فرصة للترقّي. لهذا، الرهان الحقيقي أمام "الاتحاد الاشتراكي"، كما أمام غيره من الأحزاب، لا يكمن فقط في تصدّر الانتخابات أو قيادة الحكومة، بل في استعادة المعنى المفقود للسياسة نفسها، في بناء ثقة جديدة، وإنتاج قيادات ذات مصداقية، وصياغة مشروع مجتمعي قادر على إقناع مواطن أنّه شريكٌ لا مجرّد رقم انتخابي. والوظيفة الأهم اليوم بالنسبة للأحزاب السياسية أن تترجم شعاراتها ووعودها إلى أفعال وقرارات ومشاريع ملموسة. لقد تركت الأحزاب، بشكل اختياري أو بسبب العجز، المجال العمومي للشعبويين. فقد أصبحنا نعيش أسوأ مرحلة نزل فيها النقاش إلى الحضيض، فميّع كل شيء وبُخّس. وما يحدث في البرلمانات وفي تجمّعات الأحزاب، وما تنشره وتبثه الصحافة والإعلام، خير دليل على ما وصلت إليه مجتمعات كثيرة من ردّة وانتكاسات وانحرافات وممارسات لا علاقة لها بالسياسة وبأخلاقياتها. ما يخترق الفضاء العمومي من نقاشات عقيمة وسجالات غير مسبوقة وحروب مستعرة، واحتقار للعقل الجماعي واغتيال ممنهج للمصداقية والقيم والمبادئ والتراكم والنضالات والتضحيات، يؤكّد بالملموس أن العالم أصبح يبدّد وينسف ما بنته البشرية على امتداد عقود، خاصّة أن النُّخب التي كانت تعتبر نفسها طليعة ثورية باتت منشغلة بذاتها، وخائفة على مصيرها، ومتوجّسة من مستقبلها، ومستقلّة ومنفصلة عن الواقع وبعيدة من الوقائع. تبعاً لذلك، تحوّل الفضاء العمومي إلى ساحة يصول فيها ويجول المدَّعون ومجموعة من الحمقى، ومروّجو الخطابات الشعبوية الضحلة، الذين يقتاتون على الابتزاز والاستفزاز وتبخيس القيم والحضارة والثقافة والفكر. ويزرعون الفتن والتفاهة، وينتجون يومياً مواقفَ وسرديات متناقضة.