تتواصل بغرفة جرائم الأموال لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء جلسات الاستماع إلى مرافعات دفاع المتهمين في ما بات يُعرف إعلاميا بملف "إسكوبار الصحراء"، الذي يتابع على خلفيته القياديان السابقان بحزب الأصالة والمعاصرة، سعيد الناصري وعبد النبي البعيوي، إلى جانب متهمين آخرين.
وفي هذا السياق، واصل الأستاذ مبارك المسكيني دفاع سعيد الناصري مرافعته، حيث استهل تدخله بتصويب ما ورد على لسانه خلال جلسة 19 مارس، موضحاً أن الإشارة إلى "الحاج بنبراهيم" جاءت سهواً، وأن المقصود في سياق حديثه كان "أحمد أحمد"، وذلك بخصوص تفسير بعض التحويلات والمبالغ المالية، مقدما إشهاداً لتصحيح هذا المعطى، مع تحديد دقيق للفقرات المعنية في المحضر (الأسطر 17 إلى 21).
وعلى مستوى المعاملات المالية، قدم الدفاع وثائق بنكية صادرة عن "بنك أفريقيا"، تفيد بأن الحساب البنكي المنسوب إلى شخص يدعى زكرياء الناصيري لم يكن موجودا خلال الفترة التي تحدث عنها المالي بل الفترة الممتدة إلى غاية سنة 2023، كما أبرز أن هذا الحساب لم يكن نشطاً بشكل دائم وأنه شمل رصيد مدين، وبالموازاة، عرض كشفاً مفصلاً لحساب سعيد الناصري يمتد من 31 دجنبر 2013 إلى 29 دجنبر 2023، معتبرا أن الوثائق المقدمة لا تعكس وجود ضخ لمبالغ مالية كبيرة كما تدعيه بعض الروايات.
وفي ما يتعلق بوقائع مرتبطة بنقل سيارات، أدلى الدفاع بأربع إشهادات تفيد بأن المهدوب المعني بالأمر لم يقم بإحضارها آواخر 2014، بل تم ذلك عبر شاحنة تعود لشخص آخر، في محاولة لتأكيد رواية مغايرة لما ورد في محاضر الضابطة القضائية، حيث تم الإدلاء بشهادة صادرة عن الشخص الذي قام بإحضار السيارات، بالإضافة إلى إشهادين لصاحب المحل الذي سيكتريه المهدوب وإشهاد من ابن المهدوب يؤكد أن السيارات الست تعود لوالده.
وعرج الدفاع أيضا على وضعية سيدة تدعى "أرير"، الكاتبة الإدارية لفريق الوداد والتي استمع لها بشأن السيارات الستة، حيث قدم وثائق تفيد بأنها لم يتم فصلها سنة 2023 كما ورد، بل إن جلسة الاستماع وقرار الفصل يؤكدان أنها توقفت عن العمل منذ سنة 2019، وهو ما اعتبره الدفاع دليلاً إضافياً على وجود تناقضات في المعطيات المعتمدة في المتابعة.
من جانبه، تدخل الأستاذ محمد المسعودي، مؤازراً لسعيد الناصري، مؤكدا تبنيه الكامل لما ورد في مرافعات كل من النقيب حيسي والأستاذ المسكيني ، موضحا أن الناصري لم يكن الطرف الوحيد المعني بالالتزامات موضوع الملف، بل إن جميع الأطراف، بمن فيهم الشهود والنيابة العامة، معنيون بها بدرجات متفاوتة.
وأشار الدفاع إلى أن الهدف من المرافعات هو "تنزيل تصريحات المشتكي من مستوى الخيال إلى أرض الواقع"، معتبراً أن مجريات المحاكمة ساهمت في كشف تفاصيل القضية للرأي العام بشكل أوضح.
وانتقدت هيئة الدفاع طريقة صياغة أمر الإحالة، معتبرة أنه اعتمد بشكل كبير على محاضر الضابطة القضائية والخبرات المنجزة، دون تقديم عناصر جديدة خلال عرض النيابة العامة، التي اكتفت، حسب الدفاع، بإعادة سرد ما ورد في تلك المحاضر، مع الإشارة فقط إلى بعض التناقضات في تصريحات الأطراف.
كما سجل الدفاع أن قاضي التحقيق علل متابعته أساساً بالاعتماد على ما ورد في محاضر الضابطة القضائية، باستثناء بعض الجزئيات التي لا علاقة لها بالناصري، في حين أن هناك وقائع تتقاطع فيها تصريحات الناصري مع بعض الشهود، مثل نبيل توفيق وشوقي وأرير وفاطمة وأفناني، معتبراً أنها تتلاءم مع وقائع الملف.
وشدد الدفاع على أن ركناً أساسياً تم إغفاله، ويتعلق بما راج أمام المحكمة وفقاً لمقتضيات المادتين 286 و287، حيث أكد أنه لا يمكن الحديث عن متابعة دون وجود أدلة أو قرائن قوية ومترابطة، مبرزاً أن النيابة العامة أغفلت جزءاً مهماً من الحجج التي تمت مناقشتها شفهياً وحضورياً أمام المحكمة، بما في ذلك شهادات مؤداة تحت اليمين ووثائق اعتبرها "حاسمة".
وأكد الدفاع أن وكيل الملك، بصفته ممثلاً للمجتمع، ملزم بالأخذ بعين الاعتبار كل ما يروج داخل المحكمة، وليس فقط ما ورد في محاضر الضابطة القضائية التي أُنجزت في مرحلة البحث التمهيدي، مشير إلى أن بعض الوقائع التي تصب في مصلحة المتهمين تم تغييبها خلال تلك المرحلة.
وفي سياق متصل، أثار الدفاع مسألة الاعتماد على تصريحات الحاج بنبراهيم، معتبراً أنه لا يمكن الأخذ بشهادة متهم ضد متهم آخر إلا بوجود قرائن قوية ومنسجمة ومدعمة بوثائق، مبرزاً أن الأصل هو استبعاد هذا النوع من الشهادات، خاصة في ظل وجود تناقضات وعيوب شكلية، فضلاً عن كون المعني بالأمر طرفاً في نزاع وله سوابق.
وتطرق الدفاع إلى التعديلات القانونية الأخيرة، مشيراً إلى أن محاضر الضابطة القضائية لم تعد تتمتع بنفس القوة الثبوتية التي كانت لها قبل تعديلات دجنبر 2025، إذ أصبحت تؤخذ على سبيل الاستئناس فقط، ولا يمكن الطعن فيها إلا بالزور، وهو ما يفرض، حسب قوله، التمييز بين "الاعتداد" و"الوثوقية".
وعلى مستوى الجنح، أكد الدفاع أن جميع الوقائع المرتبطة بها، مثل النصب واستغلال النفوذ وحيازة أشياء متحصلة من جنح، قد طالها التقادم، مستشهداً بقرار صادر عن محكمة النقض في ملف جنحي، اعتبر أن التقادم من النظام العام.
وشدد الدفاع على أن جميع الشهود نفوا تصريحات الحاج بنبراهيم بخصوص وقائع الفيلا وتسليم الأموال، وكذلك ما يتعلق بالزاوية، معتبراً أن تصريحات موكله جاءت متسلسلة ومتماسكة، عكس تصريحات باقي الأطراف الاي شابتها التناقضات.
كما توقف عند تصريحات المشتكي الأجنبي، الذي أفاد بأنه تعرف على الأطراف سنة 2006، في حين صرح أمام قاضي التحقيق أنه كان حينها في بلده ويتعامل معهم عن بعد، قبل أن يلتحق بالمغرب سنة 2013، وهو ما اعتبره الدفاع "تناقضاً صارخاً" يطرح علامات استفهام حول مصداقية هذه الشهادا ومدى إمكانية اعتمادها كقرائن قوية في الملف.