المعارضة ليست نقيضا للوطنية    الرباط تحتضن اللقاء الثلاثي السنوي والدوري بين المدراء العامين للشرطة بالمغرب وإسبانيا وألمانيا    كأس إفريقيا للأمم 2025.. المنتخب المغربي يبلغ المربع الذهبي عقب فوزه على نظيره الكاميروني (2-0)    طنجة.. حريق منزل بحي المصلى يُسفر عن إصابة سيدة باختناق    الركراكي: القتالية والانضباط مفتاحا التأهل .. وسنواصل كتابة التاريخ    كأس أمم إفريقيا 2025: المغرب يهزم الكاميرون ويبلغ نصف النهائي عن جدارة    السنغال أول المتأهلين لنصف النهاية بعد فوزه على مالي    تقاطع السيادتين الترابية والديمقراطية في مغرب الحكم الذاتي    أكثر من 50 قتيلا خلال احتجاجات إيران    غضب المحامين يشل محاكم المغرب    تشكيلة "أسود الأطلس" للقاء الكاميرون    الصيد الساحلي يتراجع.. 10.1 مليار درهم إيرادات سنة 2025 بانخفاض 4٪    تقلبات جوية مرتقبة بالمغرب .. أمطار وثلوج منتصف الأسبوع المقبل    بورصة البيضاء تنهي تداولاتها على وقع الارتفاع    العدوان الإمبريالي الأمريكي-الغربي على فنزويلا    فخر للمغرب.. البروفيسور رضوان أبوقل عضواً في الأكاديمية الوطنية للطب بفرنسا    العثور على جثة متحللة داخل بالوعة للصرف الصحي بالناظور    صافرة موريتانية لموقعة المغرب والكاميرون في ربع نهائي "الكان"    مزراوي ضد مبويمو.. صدام بين نجمي مانشستر يونايتد بنكهة إفريقية خالصة    السطي يستفسر الحكومة حول توقف صرف أجور مستخدمي المجلس الوطني للصحافة    الوداد يوقع مع مصدق في انتقال حر    ترامب يؤكد أن الشركات النفطية ستستثمر 100 مليار دولار على الأقل في فنزويلا    "البام" ينتقد "تبخيس" جهود البرلمانيين وينوه بلجوء المعارضة للمحكمة الدستورية    مطارات المغرب تستقبل 36.3 مليون مسافر في 2025 بارتفاع 11%    مباريات "الكان" تستنفر الأمن الفرنسي    الرياضة تضاهي العلاج النفسي في مكافحة الاكتئاب    إيضن يناير 2976 : أكادير تحتفي بالثقافة الأمازيغية    مجلس حكومي يجدد الثقة في بوشتى المومني رئيسًا لجامعة عبد المالك السعدي بتطوان.    الأندلس.. بوتقة تسامح وتلاقح ثقافي فريد في تاريخ الشعوب    ارتفاع قتلى الاحتجاجات في إيران إلى 42 شخصا    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الجمعة    الحزن يتجدد في بيت المطربة اللبنانية فيروز    أسعار النفط تسجل ارتفاعا لليوم الثاني على التوالي    المركز التقني للحبوب الزيتية بمكناس: رؤية جماعية جديدة لتعزيز هيكلة القطاع    مديونة.. تواصل حملة إيواء ورعاية المتضررين من موجة البرد    كيوسك الجمعة | بنك المغرب يرسم خارطة طريق لرقمنة الخدمات المالية ودعم المقاولات    حرائق غابات تجتاح جنوب شرق أستراليا جراء موجة حرّ    ترامب يرفض العفو عن المغني بي ديدي المتابع بتهمة الاعتداء الجنسي    وقفة احتجاجية لمهنيي الصحة ببني ملال بسبب تعثر تنفيذ اتفاق 23 يوليوز    الجيش الإسرائيلي يجدد قصفه الجوي والمدفعي على قطاع غزة    الكرة روحٌ وما تبقّى مُجرّد ثرثرة !    حميد بوشناق يطلق "موروكو أفريكا"... نشيد فني يوحّد المغرب وإفريقيا على إيقاع كان 2025    وزير خارجية فرنسا يحذر من "خطر" يهدد النظام السياسي الأوروبي    الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تحمّل سلطات الرباط مسؤولية فاجعة انهيار منزل بحي العكاري    ستة أسباب رئيسية وراء الطفرة السياحية وتحطيم الأرقام القياسية ببلادنا    السدود المغربية تسجل مخزونا بملايير الأمتار المكعبة    توقيف شخص انتحل صفة وكيل الملك .. وحُجز بمنزله طوابع وملفات و500 مليون سنتيم    فيروز تفقد إبنها الأصغر بعد أشهر من وفاة نجلها زياد    افتتاح فعاليات المعرض الوطني الكبير بالرباط.. محطة تأمل في ستة عقود من الإبداع التشكيلي المغربي    مدينة أكادير تحتفل برأس السنة الأمازيغية الجديدة على إيقاع أجواء احتفالية متنوعة وتذوق أطباق تقليدية    الأطعمة فائقة المعالجة تزيد خطر الإصابة بسرطان الرئة    سحب حليب أطفال بعدة دول .. و"أونسا" يؤكد سلامة السوق المغربية    أكلات أمازيغية تستهوي زوار "الكان" وضيوفه في سوس    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    رهبة الكون تسحق غرور البشر    بلاغ بحمّى الكلام    فجيج في عيون وثائقها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أيقونة الشاعر أو «مديح الوجه العالي» محمود درويش.. قراءة ثانية

لا نسعى هنا إلى تنزيه الوجه البشري لدرويش، ولا إلى أسطرة صورته وحصر ملامحها المتعبة في صور أو أيقونات القديسين. إذ "لم يعُد القديسون أنفسهم مثلما هو معروف في إنجازات الفن المسيحي يتألمون ويذرفون الدموع". يتألم درويش ويبكي. يستنشق المتعة والحزن ملء رئتيه. إن ما تدعو إليه قراءة كهذه أو بالأحرى تقترحه هو الاحتفاء بوجه الشاعر في القراءة بالعين. قراءة تكون فيها للصورة (صورة درويش) باعتبارها أثراً جمالياً كما للعين (عين المصور الفوتوغرافي والقراءة)، ذاكرتان: ذاكرة قبلية، تحتفظ بها العين والأثر معاً
في لحمتهما، في زمنيتهما الخالصة، وذاكرة يؤسسها إيحائياً كل منهما
(العين والأثر) لحظة اقتطاع الصورة من الزمن
1
لم أسعد حتى بأن تصافحني يوما ما يده العميقة والعليمة بضوء الشعر ومداه. ذلك كان مطمحي منذ أن ارتطمت شغاف القلب والحواس الطرية للقراءة بظل هذا الرجل وصوته البهي: أن أزرع وفي حضرته أو حياته بعض الضوء في المدارات الشاهقة لشاعر ظل يمجد الأرض والحب وحقه في الحياة. صوتي موجود هنا بسطوة الغياب كذلك. والموت السيد وحده من أذن لهذه اللحظة أو الشهادة بأن تنوجد.
قطعا، ليست تجربة درويش الحياتية، ومساراته المضنية والفرحانة أيضا في ليل الكتابة أمرا مستحيلا أو مستعصيا على القبض. إذ تعمل العديد من الرؤى والمقاربات في ارتباكات النقد العربي خصوصا أو قصوره على تشهيق ظل الرجل عمدا كي تسقط وجهه الطفولي في الاستحالة والعدم. ومن المؤكد أيضا أن كل القراءات التي أنجزت حول درويش هنا وهناك لم ولن تستنفد أبدا ممكنها التعبيري والجمالي في تجربة هذا الشاعر. ولم تتبين بعد لممكن هذه القراءات بما يكفي من القرب والضوء والعمق الكثير من الملامح الخاصة لوجه درويش العالق والمتألق في الغياب كذلك. مازالت تجربته الكبرى في الكتابة والحياة في أمس الحاجة إلى أشكال وصيغ أخرى من الحفر والتقصي والمحاورة. ليس بمبضع النقد المهووس بالمعنى، والباحث أيضا عن وجه الالتزام والقضية لدرويش فقط. بل بالممكن الإنساني والجمالي لو يصح القول؟ هذا الممكن الذي يتماهى أيضا جماليا بوجه الشاعر وصورته الماثلة للعين وللضوء. مطمح هذه التحويمة الخفيفة مهووس بالدلالة أكثر من هوسه بالمعنى. لكن ليس بصوت درويش المقروء والمسموع ومحموله، بل بالدليل أو السند البصري للوجه الذي جعل الصوت والقصيدة الدرويشية تنوجد.
غايتي هنا أن أقترب قليلاً من صورة الشاعر، وأحدق بالكثير من الأسئلة والدهشة والاحتمال كذلك مادام درويش نفسه رجل الاحتمالات بامتياز في وجه درويش الممنوح للبصر، للفن وللفوتوغرافيا تحديداً. هذا الوجه الذي أصبح (خصوصاً في الغياب) مثل صاحبه في الصورة الضوئية أيقونة وعلامة فارقة تشير بالكثير من الدهشة إلى الشبيه. ولو أن ما يمكن التأشير به لوجه درويش وصورته الفوتوغرافية كعلامة أيقونية: هو ما يُسعف به التعريف السائد لهذه العلامة، من حيث إنها - تمتلك - على حد طرح " امبرتو إيكو" أو "شارل موريس": "بعض مظاهر الموضوع الذي تمثله"، فإن في هذا التعريف بالنسبة لي ولهذه التحويمة على الأقل ما "يرضي القراءة ولا يرضي السيميولوجيا" ليست هذه المحاولة تطبيقاً صارماً لدرس السيميولوجيا في تقعيد الدلالة أو إثباتها في المنطوق البصري لوجه الشاعر، بقدر ما هي استقصاء لما يمكن أن يعنيه حضور الشاعر في الصورة. خصوصاً أن درويش رجل الصورة بامتياز: الذهني منها والمرئي. رجل بحضور فيزيقي خاص وجاذبية تزيد من تضعيف أشكال حضوره الأخرى: في النص، في القراءة وفي لحظة ارتطام جسد الشاعر ووجه بمتلقيه. الصورة هنا (صورة الشاعر) إبدال آخر لتجربته الغنية والمُفعَمة بالوسامة والفرح والشرود والتقاسيم التي عمّق الألم أخاديدها في المرحلة الناضجة من العمر. إذ يؤسس الوجه الباذخ لدرويش في الصورة كما جسده الذي يشبه قشة في مهب الريح لجمالية خاصة تستحق التوقف والقراءة.
2
لا نسعى هنا إلى تنزيه الوجه البشري لدرويش، ولا إلى أسطرة صورته وحصر ملامحها المتعبة في صور أو أيقونات القديسين. إذ "لم يعُد القديسون أنفسهم مثلما هو معروف في إنجازات الفن المسيحي يتألمون ويذرفون الدموع". يتألم درويش ويبكي. يستنشق المتعة والحزن ملء رئتيه. إن ما تدعو إليه قراءة كهذه أو بالأحرى تقترحه هو الاحتفاء بوجه الشاعر في القراءة بالعين. قراءة تكون فيها للصورة (صورة درويش) باعتبارها أثراً جمالياً كما للعين (عين المصور الفوتوغرافي والقراءة)، ذاكرتان: ذاكرة قبلية، تحتفظ بها العين والأثر معاً في لحمتهما، في زمنيتهما الخالصة، وذاكرة يؤسسها إيحائياً كل منهما (العين والأثر) لحظة اقتطاع الصورة من الزمن. نفس الإيحاء يواصل هذا الأثر إحالته على عين أخرى قارئة، تبسط دلالته أو تكثف من رمزيتها، تحرّكها في الثابت والمعتم والمنسي، تغلقها أو تفتحها أيضاً على المدهش واللامتوقع واللامفكر فيه. من ثم، تستيقظ ذاكرة العين والأثر فقط، حين تباشرهما القراءة. ومن ثم تنهض أسئلة الشاعر ووجهه في الصورة، ومسألة التلاقحات الدلالية كذلك، باعتبار الصورة الفوتوغرافية نصاً تصويرياً Texte Pictural أو نصاً فوتوغرافياً Photographique Texte بامتياز. بين عيون ثلاثة مقترحة، متنازعة القصدية في توصيف وجه درويش وقراءته. بين عين ناسخة، عين قاطعة، وعين متعالية، يكمن رهان الأثر والقراءة معاً، يتراوح تدليلهما الجمالي والشعري أساساً. فبأي العيون الثلاث سنقرأ صورة درويش؟ بها كلها، أم بعين أخرى قد تقلب صيغة هذه القراءة رأساً على عقب.
في هذه التحويمة ما يشبه نصاً موازياً أو مصاحباً لصورة درويش ووجهه، أو هويته البصرية تحديداً. ولو أن الوجه وحده ليس بالضرورة كافياً للتأشير إلى هوية ما. للجسد أيضاً (جسد الشاعر) دوره في صنع هويته. والهوية "إبداع صاحبها، لا وراثة ماضٍ" على حد قول درويش نفسه في آخر المطاف. ووجه درويش في حد ذاته قصيدة بصرية. ضاجة بالمعاني والانزياحات. عمل الشاعر بالكثير من الذوق والوعي والعشق والمكابدة على نحت ملامحه وظلاله اليانعة، ليصبح دالاً ومدلولاً، علامة ومؤشراً في الوقت نفسه. رمزاً لقضية ولشعب بأكمله. شامخ مثل سروة وجميل مثل زهرة غاردينيا. هذه التحويمة حاشية تحاول أن تستقصي أو تشيد باللغة ما ليس منجزاً باللغة. إنها نوع من "الترسيخ" أو "الإيحاء" البارطي (نسبة إلى رولان بارت) للعلامة والأيقونة والدليل البصري. ولو أن الصورة الفوتوغرافية بشكل عام "قد ترغب أشد الرغبة في تضخيم نفسها، وأن تكون راسخة أكثر، ونبيلة مثل دليل: الأمر الذي يسمح بكرامة ككرامة اللغة" بتعبير رولان بارت نفسه.
3
لنشغل عين الأسئلة قليلاً. علّها تُسعفنا ببعض التأملات، وليس ببعض الأجوبة. باعتبار السؤال هو "رغبة الفكر" أيضا ًعلى حد تعبير "موريس بلانشو". لا يقيم درويش الآن بصرياً سوى في صورته التي أصبحت يانعة وأكثر قوة بعد الموت. تلك هي لعبة الموت أو معجزته كذلك. تجعل من رحلوا أو سقطوا في بؤرة العدم أشد حضوراً ربما في الصورة أكثر من حضورهم الواقعي؟ وتجعل ما يوجد في النسخة أو في الصورة أكثر قوة مما يوجد في الأصل. فقط لكون "الصورة هي الكائن الحي في أجود حالاته". ولكون "الصورة تحافظ على نفسها طويلاً" أكثر من الأصل: فإن "الأجسام تسقط دائماً، فيما تصعد النظائر إلى السماء". وحتما إن كانت الصورة لا تقود إلى الخلود، فإنها تضاعف من إعجابنا وحنيننا إلى الموضوع المصور أو الممثل وتزيد من إعجابنا به.
ماذا يصنع الموت بصورتنا، بوجوهنا وبأشكالنا "المجيدة" في آخر المطاف" ربما لا شيء سوى أنه يتلف أجسادنا العابرة والمؤقتة ليعيد خلقها وترسيخها في الصور والتماثيل والنصب، ويجعلها أكثر تجسيداً للحقيقة (ليست حقيقة الحضور، بل حقيقة الغياب) وربما أكثر بقاء أيضاً" ربما لا يقوم الموت هنا سوى بتجديد قيمتنا في الغياب، وجعل هذه القيمة أكثر جاذبية وأشدّ قابلية للحنين من غيرها في الحضور الواقعي. باعتبار "الصورة سليلاً للحنين" كذلك. وطالما نموت، فثمة أمل في أن نعود ونحيا في الصور. وربما يكون المغزى أو الحكمة في ذلك هو: أن نقبل بهذا القانون الصارم لحقيقة الموت ويقينه الذي يترجمه شرط الغياب أو المراهنة التالية: علينا أن نموت، أن نستبدل دليلنا الصوتي بدليل بصري؟ لكون الصورة بشكل أو بآخر هي "مدخل لأبدية ممكنة". و "مثلما اللغة تمجّد اللغة" ضمن نوع من تمركز الخطاب، فالصورة هنا أيضاً (صورة درويش) "تمجّد نفسها" وتستغيث بالفوتوغرافيا وبتقنيات التصوير كلها كي تحيا وتصبح أيقونة مقدسة في نظر معجبيه على الأقل. ثم: ألا تكون صورة درويش بهذا المعنى قلباً للمعادلة كلها ونوعاً من تأكيد لحقيقة أو إمكانية انتصار الحياة؟
بذلك أيضاً، تكون صور أو تماثيل أو النصب التذكارية لمن رحلوا هي أول ما نشيده أو نلجأ إليه لكي نحفظ أشباههم من التلف. نسجن صورة الغائب في الأيقونة كي تكون عودته بيننا دائمة ومتكرّرة. ولا حاجة للتذكير هنا بالعديد من الشواهد والتأملات العميقة التي ذهبت بعيداً في إضاءة بعض دلالات الصورة وربط علاقتها بالموت. الفن نفسه "يولد جنائزياً، ويبعث بعد موته بحافز من الموت". إذ يقترح التاريخ المعيش للنوع الإنساني هذا النوع من القناعة: "في البدء كانت الصورة"، وتزكي العديد من المعتقدات والطقوس والعادات والتأملات والحضارات هذا الطرح الذي يجعل من الصورة ومما هو مرئي تمركزاً حقيقياً حول الدليل البصري. لكن دائماً بحافز من الفناء ومن الغياب. باشلار نفسه يؤكد ذلك من خلال قولته الشهيرة: "الموت أولاً وقبل كل شيء صورة، وسيظل كذلك صورة". إذ تنسجم هذه الرؤى أيضاً إلى حد بعيد من خلال رغبتنا الملحة في تمجيد الغياب مع العديد من الأفكار التي ذهب إليها "ريجيس دوبري" في كتابه التدشيني "حياة الصورة وموتها" (ترجمة: فريد الزاهي).
ما علاقة كل هذا بدرويش ووجهه الذي أصبح ممكناً ومقيماً في الصورة فقط، ما معنى أن يكون للصورة كدليل وكإنجاز بصري هذا الدور الخاص في تعميق حضور الشاعر في الحياة حين تضاعف من درجة أيقنته في الغياب وفي الفقد، وما معنى أن يتحوّل وجه الشاعر في الصورة إلى دليل بصري يقود إليه؟ بمعنى أن الأمر يختلف بالنسبة لمآتي الشعراء القدامى الذين تواروا عن العين ولم يتركوا صوراً تدل عليهم، أو حتى شعراء محدثين ومعاصرين نقرأ لهم ونسمع أصواتهم، لكن لم نبصر أبداً لسبب أو لآخر صورهم من قبل. الصورة سواء كدليل أو كعلامة إن ترسخت بما يكفي في العين وفي ذاكرة البصر قد تساعد صاحبها أو مرجعها على الاحتفاظ باستمرار حياة وحضور رمزيين على الأقل في ذاكرة التلقي والمشاهدة أساساً. قد يبدو في هذا الطرح الكثير من التناقض في ما يخصّ شعراء من عيار أو قامة المتنبي مثلاً. إذ يواصل هذا الشاعر العملاق حضوره، وتتضاعف بل تتأكّد قيمته التعبيرية والجمالية من يوم لآخر في القراءة والمنجز الشعري العربي والإنساني بشكل عام، من دون حاجتنا كقراء إلى صورة المتنبي ووجهه في الدليل البصري. لكن ثمة فرق في ما ينبئ به المستقبل والحضارات المقبلة من حيث تشييدها لقداسة وجهها في الهيكل البصري وارتهانها الكلي بالصور. إذ في ظل تلاشي أو بالأحرى تراجع الدليل الصوتي وطغيان الصورة وتحوّلها إلى طوطم معاصر، قد يكون من الصعب استحضار أو تذكّر الأشياء من دون صور. وهذا ينطبق من دون شك حتى على الحضارات الراهنة أو المعاصرة. فالمتنبي نفسه أو غيره من الفاعلين في التاريخ البشري (بما في ذلك الأنبياء) ولم يخضعوا لشرط الصورة واختراعها وضعت لهم هذه الحضارة صوراً ووجوهاً متخيّلة، فقط لكي تؤكد صورتهم صوتهم، وتظل وجوههم حاضرة في الغياب.
4
ما الفرق إذن أو ما العلاقة بالأحرى بين صورة درويش وقصيدته؟ وما معنى أن يتحوّل وجه درويش إلى دليل بصري يقود إليه؟ كيف يحضر درويش أو بالأحرى كيف يرتّب حضور وجهه وجسده في الصورة وفي العين؟ ماذا استطاعت عين الفوتوغرافي أو الكاميرا التقاطه والقبض عليه في وجه هذا الشاعر الذي يكفي أن ترى صورته لتتذكّر قصائده وملحمة أو تراجيديا شعب بأكمله؟ ثم ألا يكون درويش بهذا المعنى هو الشاعر العربي الوحيد الذي تسمع قصائده بالعين؟ هذه أيضاً واحدة من فضائل الصورة أو معجزاتها. إذ استطاع هذا الشاعر أن يجعل صوته وصورته غير منفصلين بتاتاً. أي بمعنى أنك حتى حين تسمعه ولو من غير مشاهدة فلا مناص لك من استحضار وجهه وصورته ذات الدلالات أو الرسائل القوية: جاذبيته، وسامته، أناقته، ابتسامته، حزنه، نخوته، شروده، ذكاؤه، دلاله الخاص، نرجسيته، بساطته، تعاليه أو استعلاؤه الجميل الذي يشبه نشوة العظماء، سهوه، قسماته، أساريره، عينه الصقرية ونظرته المسهبة، الساهية، الثاقبة، المتشهّية، العاشقة، المشرعة على الحب والأرض والمتعة والألم والنشيد خلف النظارات التي لم تغيّر تقليعات الحداثة والموضة من شكلها سوى بشكل طفيف. كيف يحضر درويش في وجهه؟ وليس في صورته إن صحّ القول؟ هل هو الذي صنع بمكره الجميل وبوعي مسبق منه هذه الصورة كي نمجدها بعد رحيله، أم نحن الذين نتوهّم أو نُصرّ على أن يكون وجه درويش في الصورة أثراً فنياً وإنسانياً بهذه القيمة، وفقط داخل تبجيل العين والقصيدة التي شيِّدت لهذا الوجه كما التراجيديا المعاصرة لأرض فلسطين العزيزة والسليبة دلالته الباذخة ورسخت سطوته في النظر؟
هناك المزيد من الأسئلة التي لا يسمح المقام ببسطها هنا. ولا أملك الآن أجوبة جاهزة لها قطعاً. هذا مطمح قراءات أخرى متأنية، مكابدة وصبورة أيضاً قد تسعف الأيام المقبلة باستجلاء مغالقها بالمزيد من الأسئلة كذلك. فقط يحلو لي في نهاية هذه التحويمة المستعجلة لشكلها وغايتها أن أعيد استحضار تأمل أو توصيف جميل للمفكر الفرنسي "ريجيس دوبري" في ما يخص الحضارات والثقافات المولَعة أو الشغوفة بالبصر. لم يكتب "دوبري" الفيلسوف عن درويش ولا عن صورته في ما أعلم. لكن لذلك علاقة بما أتحدّث عنه. باعتبار درويش كشاعر عربي محبّ للحياة ينتمي أيضاً إلى حضارة عريقة أفردت لمباهج العين ودلالتها الكثير من الوقت والعشق والمباحث والتدوينات. بالرغم مما فرضته أو سيّدته المتعاليات وأشكال التمركز حول الدليل الصوتي (وهذه إشكالية أو معضلة الحضارة الغربية نفسها أيضاً يكفي الرجوع إلى تأملات "دريدا" بهذا الخصوص وغيرها من الإبداعات والتأملات المطمورة أو المضمرة في المتن النقدي العربي). كان درويش يعشق الشمس والبحر والجمال وصورة الحياة والسفر باعتباره تمظهراً حقيقياً لبهجة العين ومتعتها حد الهوس أو الجنون. فهو وإن كان عربي الأصل والمولد فثقافته وإبداعه لم يغفلا أبداً هذا البعد الكوني، وعشقه الخاص لكل الحضارات والثقافات. خصوصاً الثقافة الإغريقية في بعدها الفني والعقدي المفتون بتجليات العين ومباهج البصر. هي الثقافة التي يتأملها "ريجيس دوبريّ" كفرنسي بالكثير من الحفر ومتعة الفكر. تأكيداً فقط لقوة الدليل البصري وارتباطه بالحياة وبالموت. تلك الثقافة المشمسة كما يقول "دوبري" العاشقة للحياة وللرؤية. والحياة بالنسبة للإغريقي القديم ليست كما هي لدى الفرنسي مثلاً مرتبطة بالنفس، بل بالرؤية والموت وفقدان البصر. يقول الفرنسيون عن الميت: "لفظ نفَسَه الأخير". أما الإغريقي فيقول "أطلق نظرته الأخيرة".
هذه أيضاً كانت رؤية درويش المشبعة عينه وروحه بضوء الحضارات المشمسة والفارهة. وقبل أن يغادر أو يطلق نظرته الأخيرة على الأصح. كان قد قال في ما يشبه التأكيد لصورته ولوجه نرسيس الجميل في الماء وفي القصيدة:
"كن نرجسياً إذا لزم الأمر".
وقال:
"أنا ما أنا/ وأنا آخريّ/ في ثنائية/ تناغم بين الكلام وبين الإشارة".
وقال:
"أنا حبّة القمح التي ماتت/ لكي تخضرّ ثانية/ وفي موتي حياة ما".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.