تحتل مسألة التصوف الشعبي في المغرب مكانة عظيمة وإشكالية في نفس الوقت، ولذلك استرعت انتباه الباحثين الكولونياليين عن بكرة أبيهم لغرابتها ومفارقاتها، وأثارت حنق الحركة الوطنية التي رأت فيها انحرافا عن الإسلام السّني الصحيح وابتعادا عن الفطرة الروحية السليمة.. وقد نجم عن هذا الوضع أن الكتاب المغاربة، حتى أكثرهم استقصاء، قد أداروا ظهرهم لهذه الممارسة، بينما تولاّها بالبحث والتحليل الدارسون الأجانب وخاصة منهم الفرنسيين. وهذه النصوص التي نترجمها للقارئ هنا قاسمُها المشترك هو الانكباب على ظاهرة الطوائف الدينية بالمغرب (عيساوة، درقاوة، احمادشة، هداوة، كناوة..)، بقليل أو كثير من التعمق، ولكن بتتبّع دقيق لخيوطها، ونبش لجذورها، وكشف عن مُضمراتها..والأهم من ذلك بتلك العين الأجنبية الفاحصة التي تقرأ بفضول واقعنا الديني في تلك الحقبة الغابرة من تاريخنا. (عن كتاب «المغرب سنة 1907» لأوجين أوبان) لا يتوفر عيساوة في فاس سوى على زاوية وحيدة ينزل بها أولاد الشيخ الذين يزورون العاصمة، ويسيّرها مقدم المقدمين ممن تحرص العائلة على اختياره من بين أعضائها الأكثر تميّزا، وهو اليوم (1907) الشريف سيدي محمد العلمي الذي ينتمي إلى أسرة عريقة. وتجتمع حول الزاوية حوالي عشرين طائفة تضم كل واحدة منها عشرين عضوا، ويكون لها مقدّمها الخاص الذي يختاره "الفقراء" ويوافق عليه حفدة سيدي بنعيسى المنتسبون إلى الطائفة. وتكون مهمة المقدم هي الإشراف على عمل رفاقه وتلقّي الأموال التي تجنيها الطائفة. ذلك أنه كثيرا ما تتمّ المناداة على عيساوة لإحياء ليلات في البيوت الخاصة بهذه المناسبة أو تلك، جنازة أو التماس شيء أو تحقيق أمنية...وحينها يجري الاتصال بمقدم الطائفة الأقرب، وهذا الأخير يقوم باستدعاء أعضاء مجموعته بواسطة عضو منها يسمى "رقّاص الطائفة". وفي الساعة الموعودة تحل الطائفة بالمنزل ويشرع أعضاؤها في إتيان تلك الحركات المتشنجة مرددين بدون كلل"حزب الطائفة": (سبحان الدايم)، وذلك إلى حين أن ينال الإنهاك من أكثر الفقراء قوة فيسقطون أرضا وهم في ذروة الحماس والاحتدام. أما الأجر الذي يكون من نصيبهم فيقسّم حصرا بين مقدم وشيخ الطائفة الذي يعتبر حاميا للمجموعة، مع حصة صغيرة يتخلى عنها لصالح الرقّاص. وعندما يحلّ عيد المولد يكون الوقت قد حان لإقامة الموسم المشترك بين عيساوة واحمادشة، حيث ينتشر أعضاء الطائفتين مُحدثين شغبا عامّا ومطالبين الحشود بتقديم الصدقات. إنها لحظة هيجان ديني عارم. وقبل حلول المولود بثلاثة أيام يكون الانطلاق الجماعي لعيساوة باتجاه مكناس، وتتتابع جميع طوائف المدينة صاعدة الطالعة لتلتحق بهضبة السايس، وهي تعبُر المدينة في موكب يسير الهوينى طائفة في إثر أخرى. ويكون هذا المشهد السنوي مصدرا لفرجة كبيرة تحظى باهتمام الفاسيين الذين يحتشدون في الشوارع على طول الطرقات التي سيخترقها موكب الفقراء، بينما تتطلع النساء إلى المشهد من أعلى سطوح المنازل. ويكون الصياح وأصوات الموسيقى هو ما يعلن عن قرب وصول طائفة من الطوائف، ثم تظهر إعلام الطائفة وفي طليعتها مقدّم المقدمين ممتطيا صهوة جواد، متدثرا بحايك، وتتقدم إليه فلول الأتباع لتقبّل ساقه وركابه. ويقوم بعض أعضاء الطائفة ببسط ثوب تُقذف فيه القطع النقدية من أعلى البيوت، البعض الآخر منهم تكون مهمّته تسلّم تلك الشموع الهائلة الموجّهة لتوضع داخل قباب الأولياء، وبعضهم يحملون على قواعد خشبية قمّاشات الحيطي المبعوثة كهدية بمناسبة الموسم لتزيين ضريح سيدي بنعيسى. وخلف جامعي التبرعات هؤلاء تأتي الكتلة الهائلة من عيساوة التي تتوقف بين الحين والآخر لتقوم بالتواءات وبهلوانيات، يتقدمها في الصف الأول الأعضاء الأكثر شراسة في الطائفة، أي أولئك الذين حظوا بأسماء الحيوانات المفترسة والذين يقومون بكل أشكال المناورات المرتبطة بجنسها. وإنه لشيء مقزز أن نرى هذا الرهط البشري يفترس خروفا حيّا ألقيّ عليهم بمجرد ذبحه من منزل مجاور. وهاهم ينقضّون على الحيوان المختلج ما يزال، مقطّعين بعنف جلده ومتخاطفين أحشاءه، ممزقين لحمه إربا إربا...كل ذلك تحت ضربات عصا المقدم. تتبع هؤلاء المعتوهين جماعة الفقراء التي تشكل دائرة ويستغرقون في الصياح والرقص، يصاحبهم الموسيقيون الذين تكون مهمتهم هي إثارتهم بواسطة ضوضاء آلاتهم البدائية، فريق آخر من المشاركين في الموكب يحمل موقد جمر يحترق فيه اللوبان والجاوي، وأخيرا تأتي جماعة صغيرة من النساء العيساويات الهائجات، مشعّثات الشعر وبئيسات المنظر، لتختتم الموكب.