تحتل مسألة التصوف الشعبي في المغرب مكانة عظيمة وإشكالية في نفس الوقت، ولذلك استرعت انتباه الباحثين الكولونياليين عن بكرة أبيهم لغرابتها ومفارقاتها، وأثارت حنق الحركة الوطنية التي رأت فيها انحرافا عن الإسلام السّني الصحيح وابتعادا عن الفطرة الروحية السليمة.. وقد نجم عن هذا الوضع أن الكتاب المغاربة، حتى أكثرهم استقصاء، قد أداروا ظهرهم لهذه الممارسة، بينما تولاّها بالبحث والتحليل الدارسون الأجانب وخاصة منهم الفرنسيين. وهذه النصوص التي نترجمها للقارئ هنا قاسمُها المشترك هو الانكباب على ظاهرة الطوائف الدينية بالمغرب (عيساوة، درقاوة، احمادشة، هداوة، كناوة..)، بقليل أو كثير من التعمق، ولكن بتتبّع دقيق لخيوطها، ونبش لجذورها، وكشف عن مُضمراتها..والأهم من ذلك بتلك العين الأجنبية الفاحصة التي تقرأ بفضول واقعنا الديني في تلك الحقبة الغابرة من تاريخنا. (عن كتاب «رهبان الإسلام المتجولون» 1955، روني برونيل) ينتمي هداوة إلى طائفة المتسولين الجوّالين الذين يسيحون في الأرض هائمين على وجوههم وهم يمارسون إسلاما رخوا ممعنا في الهامشية، ولذلك لا تهتم بهم الأدبيات العربية وينوبهم فيها ذلك التحقير المعتاد لأرباب الإسلام الشعبي، كما تقل الإشارة إلى هذه الطائفة في الببليوغرافيات الأوروبية وأحيانا يجري الخلط بينهم وبين فرق أخرى خاصة طائفة درقاوة لأسباب سنذكرها لاحقا. في سنة 1882 تخفّى أحد الباحثين الألمان اسمه جاكوب شودت في لباس مريد درقاوي وجاب المغرب حتى بلغ منطقة أوفوس مسقط رأس سيدي هدّي بتافيلالت ولكنه لم يعثر له على أثر هناك.. ولم يزد مواطناه صوكين وشتوم صاحبا كتاب عن هوارة عن إشارة بسيطة إلى هذه الطائفة. كما يرد ذكرهم لأول مرة في بداية القرن الماضي عند الإثنوغرافي موني (1900) الذي خصّهم بمونوغرافية وصفية كافية. وكان جورج سالمون، مدير البعثة العلمية بطنجة، هو أول مَن ميّز بين هداوة ودرقاوة حيث وصف الأوائل بالرهبان ونعث الأواخر بكونهم سنّيين وذلك في بحثه الرائد حول الطريقة الصوفية في المغرب. وقد قام مساعده ميشو بلير باكتشاف الأهمية العلمية لدراسة هذه الطائفة وخصّص لها حيزا مهما في مصنفه حول الطوائف الدينية في المغرب الصادر في أوائل العشرينات. لكن مولييراس صاحب كتاب "المغرب المجهول" المنشور أواخر القرن التاسع عشر هو الذي بعث في إثرهم من وهران بمُخبره الذكي المدعو محمد بن الطيب الذي لبس "مرقّعة" هداوي واختلط بجماعتهم في الريف وجمع عددا مهما من المعلومات عن حياتهم وممارساتهم دون أن يتعرّض للاكتشاف، وهي المعلومات الثمينة التي نجدها في كتاب مولييراس المذكور. غير أن هذا الأخير يبالغ كثيرا عندما يعتبر هدف هذه الطائفة الهداوية هو تدمير الإسلام معتبرا إياها من أتباع المذهب الشيعي المتطرف، وطبعا كما سنرى فإن هذا الكلام عار من الصحة وأقرب إلى الخيال المجنح لصاحبه. كما نجد ذكرا لهم أيضا لدى بيارني في كتابه الذي نُشر بعد وفاته والمسمى "ملاحظات في الإثنوغرافيا واللغة" (1923)، ولدى ميرسيي عند حديثه عن ضريح سيدي الحاج اليابوري الذي يتخذه هداوة حجّا لهم في الرباط، وعند مارصي الأب في كتابه "نصوص عربية من طنجة" (1911) بمناسبة كلامه عن لهجة أهل الشمال المغربي. وعلينا ألا ننسى الإشارة إلى أولئك الإثنوغرافيين المتخصصين في الطوائف الدينية والإسلام الشعبي في المغرب من أمثال الكولونيل فوانو والجنرال سبيلمان وجورج كولان ولويس برينو الذين أشاروا، كل بطريقته، إلى هذه الفئة من المشردين التائهين..لكن العمل الأكمل والأنضج هو ذلك الذي نشره سنة 1955 الباحث الفرنسي روني برونيل تحت عنوان "رهبان الإسلام التائهون: سيدي هذّي وهداوة" وهو الذي نعتمد عليه حصرا في هذه الدراسة. فمن يكون سيدي هدي وطائفته هؤلاء؟.