الغواصة الروسية "الثقب الأسود" تتجسس على المناورات الأمريكية المغربية    بعد رد النيبت والانتقادات التي طالته.. وادو يوضح بشأن تفضيله لزطشي على لقجع    أكادير... متابعة "المتسولة" الغنية صاحبة ال"كات كات" وإيداعها السجن    الحسيمة .. 0 اصابة جديدة بكورونا و0 حالة وفاة خلال 24 ساعة    المغرب يسجل أدنى حصيلة يومية لوفيات "كورونا"    الحاج عبد المالك أبرون يدعم ترشيح فوزي لقجع لعضوية المكتب التنفيذي للفيفا    الكعبي ثاني أفضل لاعب في الجولة الثالثة لعصبة الأبطال    رسميا.. إدارة حسنية أكادير تعين رضا حكم مدربا للفريق خلفا للمقال شبيل    العثماني : كنخسرو فلوسنا و كنخدمو لله في سبيل الوطن و ما غاديش ننساحبو    مديرية الأرصاد الجوية تتوقع نزول تساقطات مطرية غدا الثلاثاء بعدد من مناطق المملكة    المغرب يتجه لإحداث وكالة وطنية لزراعة وإنتاج وتحويل القنب الهندي الموجه للإستخدامات الطبية والتجميل    سبتة تتنفس الصعداء بعد 48 ساعة من الأمطار الغزيرة وخطر الفيضانات    نساء الطليعة: النساء عاشت أوضاعا صعبة بسبب فرض حالة الطوارئ الصحية    في تصريحات مثيرة للجدل ..زوجة الأمير البريطاني هاري تتهم العائلة المالكة بالعنصرية    الإعلان في سوريا عن إصابة بشار الأسد وزوجته بفيروس كورونا    بنك "CIH" يحقق نتيجة بنكية صافية تقدر ب 2.76 مليار خلال 2020    لابورتا يكشف عن رسالة ميسي بعد فوزه في انتخابات برشلونة    مشروع ملكي ضخم يبصر النور بالسمارة !    "كان" الفتيان.. ثلاثة احتمالات تحسم مصير البطولة الذي يُحدده اجتماع اليوم    مؤسس تويتر يطرح التغريدة الأولى على الشبكة للبيع    تخليدا لليوم العالمي للمرأة.. مظاهرات صاخبة لجزائريات طالبن فيها بتنحية ال"تبون"    الأمن الوطني يكرم النساء الشرطيات في عيد المرأة العالمي    بعثة نامونغو التنزاني تحط الرحال بالمغرب استعدادا لمواجهة الرجاء    في اليوم العالمي للمرأة.. استئناف محاكمة الأستاذة سهام المقريني بابتدائية الدريوش    اليوم العالمي للمرأة.. نادي القضاة يحتفي بذكرى أول امرأة قاضية    الأمطار الأخيرة تساهم في ملء سبعة سدود بالشمال بنسبة 100%    ميناء طنجة المتوسط "يواصل صعوده المتسارع والمذهل"    خبراء مغاربة يحذرون من نقص الإمدادات و توقف حملة التلقيح بالمغرب !    منظمة أممية: قيود السفر تلازم ثاني سنة للجائحة    ودادية القضاة تتهم دفاع منجب ب"الإساءة للعدالة" بنشر "مغالطات"    المغرب يتصدر قائمة الدول العربية المصدرة إلى المكسيك سنة 2020    من جديد.. مشروع تقنين زراعة "الكيف" على طاولة المجلس الحكومي    حجز طنّين من مخدر "الشيرا" في مدينة العيون    أطروحة دكتوراه تثير ضجة بكلية سطات !    كورونا إفريقيا.. عدد الإصابات يقترب من 4 ملايين حالة    الشرطة الإيطالية تعتقل جزائرياً ساعد في هجوم باريس    إسرائيل تبدأ عملية تلقيح فلسطينيين ضد "كورونا"    تقرير أممي : مليار طن من الطعام يرمى في القمامة !    المغرب على موعد مع شحنة جديدة من لقاح "أسترازينيكا" في أفق الرفع من أعداد المستفيدين من الحملة الوطنية للتلقيح ضد كوفيد-19.    خلال سنة.. إحداث أزيد من 14 ألف منصب شغل بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة    سويسرا تحظر رسمياً النقاب !    أزمور.. القاتل الصامت يتسبب في وفاة زوجين داخل منزلهما    انطلاق الروح    زيدان: هدفنا الفوز بلقب الدوري.. وسنواصل القتال حتى النهاية    ترامب يواجه ورطة بعد ظهور تحقيقات جديدة حول أحداث الكابيتول    خاص بعيد المرأة | قصيدتين للشاعر عبد السلام جبيلو    المغرب يتصدر قائمة الدول العربية المصدرة إلى المكسيك سنة 2020    بروفيسور مغربي يتوج بجائزة "بورفو" الأمريكية في التدريس والبحث    ولنا عمْر يا أمي!    تعويضات جزافية لأرباب القاعات الرياضية المتضررين من الجائحة    الديوان السابع عشر من دواوين شهر الشعر الثلاثين للشاعرة الجزائرية خالدية جاب الله بعنوان:" للحزن ملائكة تحرسه"    8 مارس 2021 بميسم الشعر دار الشعر بمراكش تفتح ديوان "أصوات نسائية"..احتفاء بالتنوع الثقافي المغربي    عبد الله ساعف: نحن أمام ملامح جديدة لدولة ما بعد الوباء    بين ال«هسترة» الذكورية و«دسترة» الورد !    تأملات في قصيدة «مد وجزر» للتيجاني الدبدوبي    هل تفطر لقاحات كورونا الصائم في رمضان؟.. مركز الأزهر يوضح    "الصوفية و النقد الذاتي من خلال الضبط السلوكي والمصطلحي"    رسائل مصابة بالحياة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الحاج بوشنتوفْ، والصراع مع الأحجار والأشجار
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 22 - 01 - 2021

زعموا أنه كان يكلم العجماوات، ويفهم ما تُبْدي وما تُخْفي. وأنه كان يُجَمِّدُ الماء بلمسة سريعة من يده، وهو يُهَمْهِمُ بكلام مُبْهمٍ وغريبٍ لعله طلاسمُ لا يعرفها إلا هو. وأنه يشل أطراف الخصوم والأعداء بغمغمةٍ مَجْفورةٍ واحدة. وزادوا زَعْماً حينما أشاعوا وأذاعوا بيننا أنه يحضر في أماكنَ متعددة، وأفضيةٍ مختلفةٍ متباعدة في وقت واحد، في الثانية، والدقيقة، والساعة بعينها. فإذا هو في جرادةَ، وفي وجدةَ، وبوادي درعةَ من حيث قَدِمَ في ما قالوا، وفي أرفودْ، وفي الرّيصاني، وغيرها، في اللحظة ذاتها، والزمن نفسه. متعددٌ، منسلخٌ، مندمجٌ، حالٌّ وحُلوليٌّ في الجماد والإنسان.
ولم يكن بيدنا سوى أن نُصَدِّقَ، ونحاولَ التأكد من ذلك حين نراه قادماً مُبَسْمِلاً، ومُرَدّداً لآيٍ كريماتٍ من القرآن. يَنْهَرُ هذا، ويلعنُ ذاك، ويتوَعَّد آخرين بالويل والثبور إِنْ هم لم يعودوا إلى منازلهم للحفظ، وإنجاز التمارين، ومساعدة الآباء والأمهات. لم يكن له أصدقاءُ كُثْرٌ، ولا ظهورٌ مُسْتدامٌ في السوق والحوانيت، للتبضع والاستهلاك؛ كأنه لم يكن يأكل، أو كأنه غائبٌ عن جرادةَ، حاضرٌ فيها، أو قلْ هو غائب في حضوره، وحاضر في غيابه لأنه كان على كل لسانِ: منبعٌ للتقدير، والتوجس، والرَّهبة؛ ومصدرٌ للمعرفة، والدرس، والتحصيل، إذْ كان معلماً « عَرَضياً «، ولكن متبحراً في الشروح الدينية، والتفاسير الفقهية، وحافظاً لكثير من الشعر العربي القديم.
دائم الحديث بالفصحى: يَتَبَضَّعُ بالفصحى، وينهرنا بالفصحى، ويسائل الناس المتجمهرين حول دكان، أو حكواتي، بالفصحى. لكأنه نسخةٌ من المستنير طه حسين. ما جعله مثارَ سخريتنا، وموضوعَ ضحكاتنا وتعليقاتنا، ومناطَ محاكاتنا، والتي كان يرد عليها بشتائمه بالعربية، وسِبابِه بلغة الضاد، وتهديداته بمخارجَ مجهورةٍ أينَ منها مخارجُ ألسنة المذيعات والمذيعين بالراديو، وبالتلفاز غير الملون، وكانوا حينئذٍ، ذوي فصاحةٍ، ورخامةٍ، وجمال.
يشتمنا بالعربي، فيُشْعِل استعدادنا، ويُهَيّج أبداننا وسيقانَنا، فنَروحُ نتَقَفَّاهُ ونطارده من دون أنْ ينتبهَ لنا، ويُحسَّ بوجودنا. ونقف عندما يقف طالباً بالعربي دائماً: رِطْل سكر، وعُلْبة زيتون أسود، وأوقية فلفل أحمر، وقنينة زيت، وكيلو طماطم وبطاطس، ولفائف بصل وثوم. يقول ذلك تلقائيا من دون تصنع، ونحن نعيد ما يقول، فيرمينا بكل الصفات القدحية، والنعوت اللاَّسعة السلبية، ويتوعدنا بالعقاب القاسي عند عودتنا إلى المدرسة، إذْ كان يعرفنا واحداً.. واحداً، حسب زعمه، ولكنه لا يفعل.
اهتزت المدينة بنسائها ورجالها، و» فقهائها»، ومخزنها، لمَّا تناهى إليها أن الحاج بوشنتوفْ شرع منذ فترة يهدم « الروضات»؛ وهي بمثابة دوائر من الأحجار الصغيرة تضعها نساءٌ يجلسن وسطها للاستجمام، وللترويح عن أنفسهن في أوقات الحر والصفاء بالعشيات حيث يجتمعن، ويتحادثن في شؤونهن الخاصة، ومشاكلهن التي لا تنتهي مع أزواجهن، وأولادهن. وبعد الانفضاضِ، يتركن شمعاتٍ اعتقادا منهن أن المكان إياه مقدسٌ مَرَّ به أحد الصلحاء، أو صلى به، أو نام فيه، فثَراهُ علاجٌ وشِفاءٌ.
وشرعَ يقطع أغصان الأشجار التي تحمل و» تزدان» بالحروز، والتمائم، والتعاويذ والرُّقَى. ويصبغ بالقطران والقار، جذوعَها حتى لا تستند إليها النساء اللواتي يرغبن متوهماتٍ في الإنجاب، أو في الزواج، أو في « ربط « الحبيب البعيد، وتكبيله، وإعادته راضخاً، إلى المحبوبة المنتظرة.
كان يشُجُّها ويُزَفِّتُها، وهو في حالٍ من الجَدْبَة والغيظ، والهياج، لاَعناً، شاتماً، وساخطا على الجهل، والجهالة العمياء، والأمية الظالمةِ التي تُصَدِّقُ كل شيء، بما في ذلك، « الكرامات « الكاذبة، إذ هي السببُ في انتشار السحر، والشعبذة، والخرافة.
هاج الناس وماجوا، وطلبوا من السلطة المحلية، إيقاف المجنون، المسكون، ورده عن غَيّهِ قبل أن يصعقَه صاعقٌ من جنيٍّ أو عفريت، أو تَخْتَطِفَه جنيَّةٌ شمطاءُ حمراءُ، أو شَبِقَةٌ غادرةٌ عذراءُ، أو ماردٌ فارع الطول بأذيال ملونةٍ.
وَضَعْنا أيادينا على قلوبنا لمّا سمعنا بأنه رهن الاعتقال، وأنه يُسْأَلُ عما جَناهُ، وعما اقترفتْ يداهُ، وما جَرَّهُ عليه « علمه «، وعَمَاهُ من إثم وعصيانٍ، ورَجْمٍ للأديانِ. غير أنه نجح في الخروج بعد إقناع « أصحاب الحال «، وَسُلَّ من حبسٍ أكيدٍ كما تُسَلُّ الشعرةُ الدقيقة من العجينِ.
ولكنه لم يَرْعَوَ. فما عَتَمَ أنْ عاد إلى سابق عهده: إلى فأسه، ورفْشِهِ، وسَطْلِهِ. بهذا يقطع ويهدم، وبالآخر يكشط ويجمع، وبذاك يَطْلي ويصبغ. واستمرت لَعْبتُه مع المخزن: مَدٌّ وجزرٌ، كرٌّ وفَرٌّ، إحْجامٌ واقتحامٌ، هجومٌ وتراجعٌ، هدوءٌ وزَمْجَرَةٌ. لَعْبَةُ قِطٍّ مع فأرٍ ذي جَرَسٍ يرِنُّ كلما تناهى إليه مُوَاءٌ.
ثم فجاَةً، هدأتِ العاصفةُ لاَ لأنَّ الخرافةَ تبخرتْ وانتهتْ، وعاد الصوابُ إلى أصحابها، وتمكن النورُ من دَكِّها، بل لأن الناسَ ملَّتْ، والأولويات غلبتْ، والحاج بوشنتوفْ انزوى فترةً طالتْ واستطالتْ. ربما بعدما عقد « صفقة» مع السلطات، حيث سافر سفراً خِلْناهُ بدون عودة، وحسبناه تبديلا للمكان، وتغييرا للفضاء، وتنائياً عن الناس لِيَسْلَمَ من العيون الساَّلِقَةِ، والألسنة الناهشةِ.
معركةٌ لا كالمعارك، عشناها لحظةً.. لحظةً، ويوما إِثْرَ يومٍ. كنا أطفالا متابعين، وصبياناً شهوداً، وغلماناً مدركين؛ بدأنا نعي وجودنا، ووَضَعَنا نسبياً. نعي ما حوالينا: ما يَطْرَأُ وما يجري. ما يضر وما ينفع. ما يفيد وما لا يفيدُ. ما يتداوله الناس جَهْراً، وما يُخْفونَهُ سراً أو قهراً. ولربما كانت فِعْلَةُ الحاج بوشنتوفْ، هي ما فتَّحَ أحْداقَنا واسعاً، وفَتَّقَ بَصائِرَنا شاسعاً، وأيْقَظَ عقولَنا الصغيرةَ من سُباتٍ، وأجسامَنا الهزيلةَ من بَياتٍ.
ولكمْ تساءَلْتُ، وأنا أكبرُ وأنضج: هل كان بوشنتوفْ عضواً فاعلاً في جمعية إسلامية متنورة، أو نصيراً لمذهب إصلاحي سلفي معين؟، أو رجلاً متنوراً مُطَّلِعاً على معارك العميد طه حسين، وأضرابِه من المتنورين النهضويين؟، أوْ كان ببساطة ابنَ نفسه فقط، ما يعني أنه هو من قاد نفسه إلى ما فعل وما أتى بداعي الغيرة على الدين النظيف، وبسبب ما كان يراه من انتشار فظيع لظاهرة السحر والشعوذة، والخرافة، وعبادة « الأوثان «، فانبرى يهدم ويكسر، ويشتت ويفتت من دون هوادة، ومن دون خوف ولا وَجلٍ بغاية تنقية الدين القيِّم من الشوائب. وتصفية الإسلام الحنيف من الدخيل المريب والغرائب.
لذلك أحْبَبْتُه، وتَهيبتُهُ، وأَكْبَرْتُ فيه غيْرَتَه، وحِرْصَه على النطق بالعربية في اليومي الدارج، والحياة المعيشة العامة، ابتغاءَ إشاعتِها، ودفع الناس إلى تقليده حتى يعادَ إليها وَهَجُها، ومجدُها، ويستعيدَ متكلموها هويتهم « الضائعة «، وتاريخهم الخصوصي، والكوني الذي كان لأسلافهم وأجدادهم.
لكنني ، أشحتُ عنه لما أزْرَى بشيخي ومعلمي « السّي عُمَر «، ونال من شخصه ومقامه، ذات يوم، وكنا زمرةً تتفرجُ، إذْ نَهَرَهُ وقَهَرَهُ، وَرَماهُ بالجهل والأمية، وبُطْلانِ « إمامته « بالجامع الكبير.
ومن ثَمَّ، أعْرَضْتُ عن دروسه « الهوائية «، و» الجامعية «: ( نسبة إلى الجامع )، ببهو المسجد، بين العصرين؛ وكان يعطيها للمصلين وكنت أحدهم ، وللمتجمهرين الفضوليين أمام حانوت ، طيب الذكر، « سْويسْ «، وغير سويسْ. ورَميناهُ من جهتنا بالغِلْظَةِ والكِبْرِ، والغَطْرَسَة، والغرورِ. وصرنا نتبعه، ونحن نردد خلفه: ( أَ بوشنتوفْ.. المنتوفْ، أَ لْمَرْجوفْ.. أَ رَااسْ لْحَلُّوفْ .. ).
رحم الله الحاج بوشنتوفْ.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.