يبدو لي أن الممثل المبدع إسماعيل أبو القناطر (77 سنة) هو الأجدر هذه السنة بالتكريم في أحد المهرجانين السينمائيين الكبيرين بالمغرب: المهرجان الدولي للفيلم بمراكش والمهرجان الوطني للفيلم بطنجة، خصوصا وأنه حاضر بدورين أساسيين في الفيلمين السينمائيين المغربيين الجديدين «أوتيسطو» (2025) لجيروم كوهن أوليفر و»شذرات» (2025) لعبد الإله زيرات وجنان فاتن محمدي، المرشحين للمشاركة في المسابقة الرسمية للدورة 25 لمهرجان طنجة من 17 إلى 25 أكتوبر القادم. ومعلوم أن هذا الممثل المسرحي والسينمائي والتلفزيوني البيضاوي والعالمي، هو ممثل من طراز خاص لم تكتشفه السينما المغربية إلا في العقدين الأخيرين. تتكون فيلموغرافيته السينمائية الوطنية، بالإضافة إلى الفيلمين المذكورين، من العناوين التالية: «أنوال» (في طور الإنجاز)، «العبد» (2022) لعبد الإله الجوهري، «لحاجات» (2016) لمحمد أشور، «دموع إبليس» (2015) لهشام الجباري، «موشومة» (2012) للراحل لحسن زينون، «حدود وحدود» (2012) لفريدة بن اليازيد، «النهاية» (2010) لهشام العسري، «ذاكرة الطين» (2010) لمجيد الرشيش، «حياة قصيرة» (2010) لعادل الفاضلي، «محطة الملائكة» (2009) لمحمد مفتكر وهشام العسري ونرجس النجار. ففي هذه الأفلام السينمائية المغربية وغيرها من الأفلام الأجنبية والأعمال التلفزيونية والمسرحية أبان الفنان «سام قناطر»، كما يسمونه في الولاياتالمتحدةالأمريكية، عن علو كعبه في تشخيص مختلف الأدوار، المركبة وغير المركبة، وما يمتلكه من قدرات تعبيرية هائلة بحركات جسمه وتقاسيم وجهه ونظراته وصوته وكلامه وصمته… فبغض النظر عن القيمة الفنية والفكرية للأفلام المغربية التي شارك فيها كممثل، كان لحضوره فيها بصمة واضحة وإضافة نوعية لا يمكن للمتلقي اليقظ أن يغفل عن ملاحظتها. أما حضوره في الأعمال الأجنبية المختلفة (السينمائية والتلفزيونية والمسرحية) فلم يكن أقل إبداعية من حضور باقي الممثلين الأجانب الذين تقاسم معهم الأدوار إن لم يكن متجاوزا لبعضهم أحيانا. كانت انطلاقته الفنية في ستينيات القرن الماضي بالدار البيضاء، مسقط رأسه سنة 1948 في دار جده قرب سينما الصحراء بحي عين الشق، أولا في إطار الأنشطة الموازية للتعليم بالمدرسة الإبتدائية بالحي الحسني الذي ترعرع فيه، ثم في إطار الأنشطة المسرحية لوزارة الشبيبة والرياضة. ومما عزز ميوله لفن التشخيص الحكايات التي كان يرويها له جده وهو طفل صغير وانفتاحه منذ أواخر الخمسينيات على «الحلقة» وفنون الفرجة بها وارتياده لدار الشباب القريبة من منزلهم بالحي الحسني لمشاهدة الأفلام الصامتة والناطقة بالأبيض والأسود والألوان. بعد ذلك التحق بالمعهد البلدي أو الكونسيرفاتوار (قسم المسرح والصولفيج والرقص) ودرس إلى جانب الحسين بنياز والراحلين خديجة أسد (1952- 2023) وزوجها سعد الله عزيز (1950- 2020) وآخرين… وشارك إلى جانب طلبة المعهد المذكور، في مطلع السبعينيات، إبان العصر الذهبي لمسرح الهواة، في تأسيس فرقة «مسرح الجيب» وإنجاز مسرحيات من قبيل «الغول» و»حقنا في الأرض»… والقيام بجولة مسرحية بالمغرب والجزائر. ثم اشتغل بعد ذلك في مسرحيات للراحل الطيب الصديقي (1938- 2016) من بينها «مقامات بديع الزمان الهمداني» و»سيدي عبد الرحمان المجدوب» و»السفود»…، عرضت بالبيضاء والرباط وتونس وسوريا…، وفي بعض السكيتشات التلفزيونية من إخراج الراحل حميد بن الشريف (1940- 1986)، بالإضافة إلى فيلم تلفزيوني بعنوان «القرية المهجورة»، رفقة الشعيبية العدراوي والراحلات زهور المعمري (1942- 2021) وثريا جبران (1952- 2020) وخديجة أسد، وفي فيلم «الغول» من إخراج الراحل محمد الطاوجني، ومسرحية «درهم الحلال» إلى جانب الراحلة نعيمة لمشرقي (1943- 2024) والراحل عائد موهوب (1939- 2019) وهي من إخراج عبد الرحمان الخياط… سافر أبو القناطر سنة 1977 إلى الولاياتالمتحدةالأمريكية لدراسة السينما وفن التشخيص تحقيقا لرغبة دفينة لديه منذ مرحلة الطفولة، التي انطلقت فيها مشاهداته رفقة والده للأفلام الأمريكية في قاعتي «مونديال» و»مونتي كارلو» بالخصوص وغيرهما، تتمثل في حلمه أن يصبح ذات يوم ممثلا عالميا من عيار مارلون براندو. وبالفعل التحق بمدرسة رود آيلاند للتصميم (الديزاين) المتخصصة في السينما والرسم والنحت والهندسة والديزاين ودرس بها لمدة أربع سنوات وحصل على شهادة. وعوض أن يندمج في عوالم السينما عاد إلى المسرح هناك (أوف برودواي- نيويورك) وشخص أدوارا أو أخرج مسرحيات من قبيل «مذكرات أحمق» (من اقتباسه عن غوغول) و»كاليكولا» لألبير كامو و»العرب الإسرائيليون: كتاب الطبخ»… وقام بجولات ناجحة. كما وقف على خشبات أشهر المسارح التجريبية والطلائعية بنيويورك (مانهاتن) واشتغل مع مسرح «لاماما» المشهور عالميا ومع فرق أخرى. وتحت إلحاح الرغبة في ممارسة التشخيص السينمائي والتلفزيوني ذهب إسماعيل إلى لوس أنجلس في التسعينيات، إلا أن الطريق لم تكن مفروشة بالورود، فعاد إلى ممارسة عشقه المسرحي من خلال مسرحية «شهرزاد وبنات بغداد الأربع» التي عرضت بنجاح. لكن، بعد زواجه سنة 2000 وازدياد إبنته الأولى سنة 2001 والثانية سنة 2002 وإبنه سنة 2003 تبين له أن العمل المسرحي وحده لم يعد كافيا لضمان حياة كريمة له ولأفراد أسرته، ومن هنا قرر الإنفتاح على السينما والتلفزيون ونقل تجربته المسرحية الطويلة والمعتبرة إليهما. كانت البداية بمسلسل «هناك» (عن الحرب في العراق) وتلته سلسلات ومسلسلات تلفزيونية أمريكية أخرى من قبيل «إيلياس» و»الخلية النائمة» و»24» و»الطاغية»… كما كان أول عمل تلفزيوني مغربي شارك فيه كممثل تحت إدارة المخرج عادل الفاضلي هو إحدى حلقات السلسلة البوليسية «لابريكاد»، وتلته مجموعة من الأعمال التلفزيونية والسينمائية، التي شارك فيها بأدوار رئيسية، نذكر منها العناوين التالية: «المغفور» (2021) لجون مايكل ماكدونا و»ملكة الصحراء" (2015) لفرنر هيرتزوغ، وهما فيلمان أمريكيان صورا جزئيا بالمغرب، و"ديويد وفاطمة" (2008) للمخرج المصري آلان زعلوم، وهو فيلم سينمائي يحكي قصة حب بين شابة فلسطينية وشاب إسرائيلي،… والمسلسلات المغربية: "على غفلة" (2025) لهشام الجباري و"الماضي لا يموت" (ج 2- 2021) لهشام الجباري و"الإرث" (2020) لمحمد أمين مونة و"الغول" (2016) لعلاء أكعبون وجون لوك هيربولو و"راس لمحاين" (2013) لهشام الجباري… والأفلام التلفزيونية: "الذئاب لا تنام" (2014) لهشام الجباري و"حجار الواد" (2008) و"حد الصداقة" (2009) لعادل الفاضلي و"رجل فوق الشبهات" (2009) لنوفل البراوي… وهكذا ظل يتنقل بين المغرب وأمريكا للإشتغال هنا وهناك. تجدر الإشارة إلى أن الممثل المبدع إسماعيل أبو القناطر قد سبق تكريمه مرتين: الأولى في حفل اختتام الدورة 8 لمهرجان سيدي عثمان للسينما المغربية بالدار البيضاء سنة 2022، دون أن يتمكن من الحضور لدواعي مهنية طارئة، والثانية في حفل افتتاح الدورة 12 للمهرجان الدولي المغاربي للفيلم بوجدة سنة 2023. إلا أن اقتراحه من طرفي للتكريم في مهرجاني الفئة (أ) بالمغرب، أي مهرجان مراكش ومهرجان طنجة، هو إنصاف له ولتجربته الفنية المعتبرة داخل المغرب وخارجه باعتباره من قيدومي فن التشخيص ببلادنا الذين لازال لهم حضور بهي وقوي على الشاشات الكبيرة والصغيرة. ولعل ابتعاده عن الأضواء وتكريس جل أوقاته لدراسة الأدوار المقترحة عليه، وما أكثرها، ليختار منها في النهاية ما يناسبه ويجعله في مستوى انتظارات جمهوره وعشاقه، هو الذي ترك المجال مفتوحا على مصراعيه لتكريم بعض الأسماء الأقل موهبة وتألقا منه في الأفلام السينمائية الوطنية والدولية على حد سواء. نتمنى أن تكون اختيارات المكرمين والمكرمات في الدورتين القادمتين لمهرجاني طنجةومراكش الكبيرين في المستوى المطلوب.