قال ابن خلدون: "العدل إذا دام عمّر، والظلم إذا دام دمّر." من تجليات التشبع بقيم المواطنة والمساواة في أي مجتمع وأية دولة أن يتحقق الحد من الفوارق المجحفة والمعطلة للتنمية والتقدم الشامل بسبب تباين سرعات الطبقات الاجتماعية بين: الطبقة البورجوازية والرأسمالية، ونلخصها في الثرية ثراء خياليا، وبين الطبقات المسحوقة المكونة من المهمشين والفقراء والمساكين والكادحين وكل ذوي الدخل المحدود الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا يكفي لتوفير سكن لائق سواء بالكراء أو الشراء، وعدم الاستطاعة لتوفير حتى ضرورات العلاج والتعلم، وبين الطبقتين نذكر ما كان يسمى بالبورجوازية المتوسطة والصغرى، الذين ضاقت بهم السبل وتعقدت عندهم الحلول والمعالجات، وطال العديد منهم الضيق والعسر والإفلاس. قال ابن خلدون: "من أهمّ شروط العمران سدّ حاجة العيش والأمن." مع الأخذ بعين الاعتبار أن لكل زمان حاجاته ومتطلباته وضروراته لعيش كريم في وطنه، وفي عصرنا هذا نحن مطالبون ب: مواكبة سرعة الدول العظمى والمتقدمة اقتصاديا واجتماعيا وحقوقيا. بناء الدولة بمجتمع منسجم ومتقاسم ومتشارك في العمل والإنتاج والاستثمار، المرتكز على الثروات الوطنية التي تختزنها الأرض وتحملها من معادن وخيرات في مختلف المجالات الترابية للأقاليم، ومما تزخر به الحدود الإقليمية من المحيط والبحر، ومن الثروات الهائلة الناجمة عن امتيازات الرخصة في التصدير والتسويق والاستيراد، عبر مجموع التراب وبين الأقاليم ومع دول العالم، ومن الثروات المدعمة للاستثمار التي تستفيد منها فئة خاصة، ويتعلق الأمر بأملاك الدولة، وأراضي الجموع والغابات، التي ترتبط منذ الأزل بذوي الحقوق. ومن تجليات العقل السياسي الرشيد أن ينأى بصاحبه عن التكبر والتسلط والتنمر على من دونه من الناس الضعفاء، الذين لا يمتلكون بفعل التراجعات الحقوقية والحريات العامة ممارسات وتشريعات مستحدثة من غايتها أن يكون الشعب طائعا مطيعا، متنازلا ومتخليا حتى عن حقوقه الدستورية، ليصبح المواطن موقرا ومحترما للحكومة وخادما لسياساتها، وموافقا على قراراتها ولو كانت تفقيرية وغير عادلة. له أن يقبل حسب البعض بحكم الله قضائه وقدره، وحسب البعض الآخر أن يعرف قدره ويلزم فقره ويتغطى بثوب "القناعة". والقول بأن "الإنسان مدني بطبعه"، فالمدنية لا تتحقق إلا بإرساء التنمية العادلة اجتماعيا واقتصاديا ومعرفيا، وأن يكون العمران مستوعبا لخصوصيات وضوابط المجالات الترابية بما يضمن للمواطنين والمواطنات عيشا كريما. فبقراءة أولية للدستور الذي وثّق في تصديره: "إن المملكة المغربية، وفاء لاختيارها الذي لا رجعة فيه، في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، تواصل إقامة مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة، وإرساء دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ومقومات العيش الكريم، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة." تطرح هذه المادة تساؤلات جوهرية على المسؤولين عن أوضاع الشعب ومدى التجاوب مع الأطروحات المطلبية للناس. وهنا نثير انتباه المؤسسات إلى ضرورة تثمين القيم الحضارية والتربوية المتشبعة بالعطاء والكفاح والكرم، وأن تراعى خصوصيات وأنماط العيش في المجالات القروية، حيث تتواجد الأسر الكثيرة العدد المتوفرة على منازل تسع الجميع وتحقق استقلالية داخلية من الوالدين وأسر الأبناء والأحفاد، الذين يشكلون قوة إنتاجية تضامنية راقية ويتقاسمون المهام ويطورون خبراتهم ومهاراتهم التي تهم الرعي ومجالاته، وإدارة الفلاحة الأسرية، وتربية وتعليم الأبناء. إن ساكنة العالم القروي مرتبطون تاريخيا ونفسيا واقتصاديا بدواويرهم ومناطقهم، ومن الأخطاء التي يجب تجنبها تهجيرهم تحت أي مبرر، وتغيير نمط سكنهم وعيشهم وتدبيرهم، مما يتسبب في رفع وتيرة "الهجرة" إلى المدن والمراكز الحضرية، ومن الأخطاء الميل إلى إحداث تجمعات سكانية بديلة لدواويرهم، مختلفة في أشكالها العمرانية مع المساكن الأصيلة ووظائفها المادية والتربوية، المحققة للتماسك الأسري في ارتباط بالممتلكات والمجال الترابي والهوياتي. وهذا سيخل بالتوازن الاجتماعي والاستقرار في العالم القروي ويقصي من بقي صامدا بالبادية ليواجه التحديات والخصاص في العديد من المجالات، وسيخلّف ذلك آثارا في المنظومة المهيكلة للمجتمع بما فيها اندثار التجارب والخبرات الثقافية والمعيشية والعمرانية التي تشكل ثروة كبيرة ومتنوعة ببلادنا. إن ساكنة العالم القروي كانوا يمثلون نسبة عالية في مقاومة الاحتلال ومواجهة كل أشكال الغزو عبر التاريخ، كما أنهم ينخرطون في قوات الجيش والأمن بشكل جلي، والخدمات العمومية، وهم حراس وحماة لمجالات التراب الوطني، ويشكلون جدارا أمنيا عظيما يتكامل بشكل كبير مع دور المؤسسات النظامية والإدارات الترابية. قال ابن خلدون: "إذا خشي الناس أن يسلب الظلم حقوقهم أحبوا العدل وتغنوا بفضائله، فإذا أمنوا وكانت لهم القوة التي يظلمون بها تركوا العدل."