تعرفت على الراحل سعيد عاهد في أواسط الثمانينات أيام شبابه عندما كان عازبا يقطن بمدينة سلا، بحيويته ونضاله ومعرفته المتنوعة، تقاسمنا هذه الصداقة بكل حب واحترام، كما تقاسمنا اهتمامات متعددة في مختلف المجالات، وتوطدت هذه العلاقة عند استقراره بمدينة المحمدية. لم يستقر سعيد عاهد في اهتمام معين إلى جانب كتابته للشعر بالفرنسية واشتغاله بالترجمة، بل كان ميالا لأنشطة موازية كمثقف عضوي شامل، فالتقينا في فرع اتحاد كتاب المغرب بالمحمدية، فكنا نتداول على رئاسته مباشرة بعد مغادرة الناقد الطايع الحداوي رئاسة هذا الفرع، الذي كان يجمع ثلة من الكتاب والمثقفين والفنانين أمثال وفاء المليح، نور الدين فاتحي، عبد الحميد جماهري، مصطفى النحال، مصطفى غزلاني، حميد المصباحي، عبد الدين حمروش، محمد طواع وغيرهم من الأقلام الوازنة، فأنجزنا عدة مشاريع بمالنا الخاص محليا ووطنيا، وخضنا معارك لأجل تقويم وتصحيح ما هو إبداعي، دون اللجوء لمساعدات مجلس مدينة المحمدية، وقد أصر سعيد عاهد على هذا الموقف نظرا لحبه للاستقلالية بهذا الفرع، بمنحى عن التوجهات والمضاربات السياسية، فكان لظهور عدد من الأقلام بفضله وتشجيعه، خاصة عن طريق منبر الملحق الثقافي ليومية «الاتحاد الاشتراكي» التي جعلها ملجأ لكل الإبداعات الشابة، ولكل الأصوات المغمورة، لم يتردد يوما في المساعدة وحسن الإنصات، نظرا للطفه وتواضعه، رافقته في جل محطات مسيرته الإبداعية، وصاحبته في حياته اليومية، لدرجة أنني اكتسبت أصدقاء بفضله. كان مرافقا لتجربتنا التشكيلية، صحبة الصديق نور الدين فاتحي، منذ بداياتها، خاصة في ما تعلق بالفنون الكرافيكية، في أواخر سنة 1988، ولاتزال نصوصه النقدية حاضرة وشاهدة على ذلك، فكانت بمثابة تشجيع لطاقات شابة كانت تحاول أن تسجل حضورها في تاريخ التشكيل المغربي. لم يعرف قط سعيد عاهد معنى للراحة، لأنه كان دؤوبا على اكتشاف الجديد، نظرا لذكائه الصامت وفطنته اليقظة، ونظرا لذاكرته القوية التي كان يمتاز بها، لقد كان مرجعا فريدا سواء على المستوى الأدبي أو السياسي، ملما بدواليب ما يجري بالخريطة المغربية في مجالهما، بصمت المتمحص والعارف بتطورات الأحداث ومستشرفا لما هو قادم في هذين المجالين. عجزت في أول وهلة مباشرة بعد وفاته، تقديم شهادة في حقه، جراء الصدمة التي تلقيتها في ليلة السبت، بعدما سمعت خبر رحيله، لأنني لم أكن متوقعا انسحابه من الوجود في صمت بهذه السرعة، ذلك الصمت الذي عرف به، تاركا وراءه قائمة من المشاريع الإبداعية من كتابات شعرية ونقدية وترجمات… ستأتي مناسبة لذكرها والاحتفاء بها. وداعا صاحب «قصة حب دكالية»، التي كتبها عن مدينة الجديدة، المدينة التي نشأ في أحضانها وعشقها حتى الردة وكتب تفاصيل طفولته بها، وداعا أيها الصديق والأخ الذي لم تلده لي أمي.