من عبقرية الضحية الفلسطيني أنه يجرد اليمين التلمودي من رمزيته اليهودية النبيلة، كما تحتفي بها الديانات الموحدة، وكما تبجلها الأدبيات العبرية. لقد انتبهنا لهذا الإبدال العميق منذ الانتفاضة، كان الفتى الفلسطيني، وهو يحمل المقلاع والحجر، يقذف الجيش الإسرائيلي المحتل، مستعيدا رمزية النبي داوود الضعيف والوحيد في مواجهة جالوت العملاق والقوي والجبار، وسرعان ما صار داوود «فلسطينيا»، وليس يهوديا صهيونيا… ثم جاءت الإبادة في غزة لتجرد الاحتلال اليميني اليهودي من الرأسمال الرمزي الديني في «الهولوكوست»، فالنيران التي أحرقت المدينة والجوار، كانت تحيي المحرقة لكن بضحايا مدنيين فلسطينيين.. لا يهود تحت النازية! مقابل استعلاء اليمين الصهيوني إلى مرتبة النازية، يتكرر المشهد من قلب «الهولوكست»: الأسرى الذين أبيدوا لأن ديانتهم اليهودية وليس لأنهم مذنبون! بعد القتل الجماعي والإبادة، والتطهير العرقي في الضفة والقطاع، يحين وقت العقاب الفردي. الآن يصبح الأسير الفلسطيني عرضة للتمييز العرقي ويصبح عرضة للتطهير، وتصير كتلة اليمين الحاكم كتلة من القتلة، عقيدتها العدوانية أصلية وبنيوية… عندما نقرأ مضمون القرار في العمق نجد أن عقوبة الإعدام في حق «الإرهاب» تستهدف الفلسطينيين جميعا، بمن فيهم المواطنون العرب داخل إسرائيل (عرب 48)، مادام أن المتهم الذي يعاقب بالإعدام هو الذي «يرتكب عملا إرهابيا يهدف إلى نفي وجود إسرائيل»، وطبعا، فهو ليس من اليهود ولن يكون إلا فلسطينيا. كما يستهدف القانون الفلسطينيين في الضفة، مادام يتحدث عن «كل قاطن في فلسطين»، ولا يمكن أن يكون من المستوطنين… الاستثناء الفلسطيني للعقوبة نفسها، هو إعلان العقوبة قبل تفاصيلها، وقد يطبق بأثر رجعي: حيث إن في السجون الإسرائيلية أكثر من 9300 فلسطيني.. حالة واحدة لتنفيذ عقوبة الإعدام تقابل بين الأسير الفلسطيني والنازي إيخمان، محاولة فاشلة في استحضار العطف الذي ذاب! بالرغم من أن قاعدة القانون تثير استشكالا، من حيث إن مفهوم «الإرهاب» واسع، وأن مقاتلة الجنود لا تُعد إرهابا بالنسبة لأية مقاومة، فإن رفاق بن غفير، الديني القومي المتطرف، جعلوا منها حصان المعركة (عكس الأرثودوكس الذين صوتوا ضد القانون باسم الدين …). القانون انتصار لليمين الإسرائيلي ويشكل إضافة إلى ترسانة مناهضة للعرب، (رفض الدخول إلى بعض القرى بدعوى عدم الانسجام الاجتماعي ، وقانون 2018 الذي يجعل من إسرائيل «دولة الشعب اليهودي»، والقانون المعروف بقوانين «بتسليم»، المناهض للجمعيات الحقوقية..). وهو قانون كذلك يحد من هامش القضاة، ولقي معارضة داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها حيث صوت ضده 48 عضوا مقابل 62 صوتا، مع حضور نتانياهو شخصيا ليضمن الأغلبية، وبعد ساعة واحدة، تم توقيع عريضتين لإحالته على المحكمة العليا، وأعلنت نحو 1200 شخصية إسرائيلية بينهم حائزون على جائزة نوبل ومسؤولون سابقون في الجيش وقضاة سابقون بالمحكمة العليا، في فبراير الماضي، معارضتهم الشديدة له، معتبرين إياه «وصمة عار أخلاقية». لكن الذي يحدث هو أن ضعف معسكر السلام ومعسكر اليسار الأممي داخل الدولة العبرية، فتح هوامش كبرى للمتطرفين والتلموديين … واعتبر مفوض الأممالمتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أن تطبيق هذا القانون على سكان الأراضي الفلسطينيةالمحتلة قد يشكل جريمة حرب. وأكدت الأممالمتحدة أن القانون يتعارض بشكل واضح مع التزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي، ولا سيما الحق في الحياة، ويعد انتهاكا فادحا للقانون الدولي الإنساني. كما صرح المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك أن «الطابع التمييزي لهذا القانون يجعله قاسيا وتمييزيا بشكل خاص، نطالب الحكومة الإسرائيلية بإلغائه وعدم تطبيقه». ووصفه العديد من الديموقراطيين بأنه خطوة جديدة نحو «الأبارتايد»، على حد قول بيدرو سانشيز، الذي قاد أمام العالم حملة الاعتراف بالدولة الفلسطينية… حتى اللوبي اليهودي القوي في فرنسا، من خلال «المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا» (CRIF) -الذي يضم 78 جمعية يهودية فرنسية- انتقد هذا القانون وعارضه.. دوليا، كان الموضوع الفلسطيني يتحدد على ضوء موازين القوة بين الدول، ولعل من المثير، كما يذكر ذلك المؤرخ آلان دييكهوف، أن أمريكا رفعت ما بين 1972 و2022 فقط، حق الفيتو ضد قرارات تمس إسرائيل، أكثر من 44 مرة! سواء تعلق الأمر بسياستها داخل الأراضي المحتلة أو تجاه دول الجوار.. في مقال لجريدة هارتس، صادقت الأممالمتحدة منذ 1947 على ما يفوق 1500 قرار منها 90 قرارا يتم انتهاكها دون عقوبة! ومن مكر التاريخ الحديث، أن اللحظات القليلة التي لم تُعرقل فيها القوانين الدولية ضد إسرائيل كانت ما بين عامي 1948 و1950، وقتها كانت الأممالمتحدة تقوم بدور الوسيط النشط، حتى إن ممثلها، الكونت فولك برنادوت، تم اغتياله على يد عصابة «شتيرن».