بعد انجراف للتربة.. تدخلات ميدانية تعيد فتح طريق كورنيش مرقالة بطنجة    رغم السقوط المدوي أمام الأرسنال... سيدات الجيش الملكي يرفعن راية العرب وإفريقيا في سماء    دوري أبطال أوروبا .. برشلونة يحجز بطاقة ثمن النهائي و ريال مدريد يسقط إلى الملحق    6 مليارات مشاهدة تُكرّس نسخة المغرب الأكثر متابعة في تاريخ كأس أمم إفريقيا    كريستين يشلّ حركة العبور البحري بين إسبانيا وطنجة    رد قانوني حازم من المغرب على اتهامات رئيس الاتحاد السنغالي لكرة القدم    بعد تهديدات ترامب لإيران.. وزير الخارجية التركي يؤكد إستعداد طهران لإجراء محادثات حول برنامجها النووي    مجلس الحسابات يكشف متابعة 154 رئيس جماعة و63 مدير مؤسسة عمومية    السلطات ترفع حالة التأهب بعد ارتفاع منسوب وادي اللوكوس    من سانتياغو إلى الرباط    افتتاح السنة القضائية الجديدة بمراكش    غياب أخنوش عن اجتماع العمل الملكي يكرس واقع تصريف الأعمال    سلطات مقريصات تتدخل بشكل عاجل عقب انهيار صخري بالطريق المؤدية إلى وزان    الناظور غرب المتوسط.. ركيزة جديدة للأمن الطاقي وسيادة الغاز بالمغرب    المجلس الأعلى للحسابات: ميزانية سنة 2024: ضغط على النفقات رغم تحسن في الموارد مما استلزم فتح اعتمادات إضافية بقيمة 14 مليار درهم    المال العام تحت سلطة التغول الحزبي: دعوة للمساءلة    عالم جديد…شرق أوسط جديد    أكاديمية المملكة تُعيد قراءة "مؤتمر البيضاء" في مسار التحرر الإفريقي    المهرجان الوطني للشعر المغربي الحديث بشفشاون .. كيف يصاغ سؤال الهوية الشعرية وغنى المتخيل داخل الاختلاف    الأدب الذي لا يحتاج قارئا    التشكيلية المغربية كنزة العاقل ل «الاتحاد الاشتراكي» .. أبحث عن ذاتي الفنية خارج الإطار والنمطية والفن بحث دائم عن المعنى والحرية    إنزكان تختتم الدورة الأولى لمهرجان أسايس نايت القايد في أجواء احتفالية كبرى    صعقة كهربائية تنهي حياة شاب ببرشيد    العصبة الاحترافية تقرر تغيير توقيت مباراة اتحاد طنجة والكوكب المراكشي    المجلس الوطني..    بورصة البيضاء تنهي التداولات بارتفاع    بيت مال القدس يدعم صمود 120 عائلة    "العدالة والتنمية" يطلب رأي مجلس المنافسة حول قطاع الأدوية والصفقات الاستثنائية لوزارة الصحة    المغرب يرتقي إلى المراتب الثلاث الأولى بين الدول المستفيدة من التأشيرات الفرنسية في 2025    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال24 ساعة الماضية    تدخل ميداني سريع لجماعة مرتيل عقب سقوط أشجارا إثر رياح قوية    المهدي بنسعيد يلجأ إلى القضاء بعد حملة اتهامات وصفها بالكاذبة والمغرضة    إفران تستضيف الدورة ال27 من مهرجان الأرز العالمي للفيلم القصير    الحاجة إلى التربية الإعلامية لمواجهة فساد العوالم الرقمية    نشرة إنذارية.. أمطار قوية ورياح عاصفية الأربعاء والخميس بعدد من مناطق المملكة    محمد شوكي مرشحا لخلافة أخنوش على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار    الصين تسجّل 697 مليون عملية دخول وخروج خلال 2025    الاتحاد الإفريقي في ورطة ويبحث عن "مُنقذ" لتنظيم نسخة 2028    المغرب أكبر من هزيمة... والإنجازات أصدق من الضجيج    الجبهة المغربية لدعم فلسطين تعلن انخراطها في يوم عالمي للنضال من أجل الأسرى الفلسطينيين    لأول مرة السيارات الكهربائية تتجاوز مبيعات البنزين        الشرع في ثاني زيارة إلى موسكو لبحث العلاقات السورية الروسية مع بوتين والوضع في الشرق الأوسط    توقعات أحوال الطقس لليوم الأربعاء    ترامب: دولة كوبا "على حافة الانهيار"    الذهب يواصل ارتفاعه الكبير متجاوزا 5200 دولار للمرة الأولى        إصابتان بفيروس "نيباه" في الهند وسط تحذيرات صحية.. ماذا نعرف عن المرض؟    كمين يسلب حياة عسكريين في نيجيريا    بحث يفسر ضعف التركيز بسبب قلة النوم في الليل    من يزرع الفكر المتشدد في أحيائنا؟    محدودية "المثبّطات" وبطء الترخيص يعيقان العلاجات الدموية المبتكرة بالمغرب    طارت الكُرة وجاءت الفكرة !    فرنسا.. الباحثة المغربية نبيلة بوعطية تحصل على جائزة أنسيرم عن أبحاثها في علم الوراثة    تافراوت تطلق أول "فرقة دراجين" لحفظ الصحة بالمغرب: استثمار في الوقاية ورقمنة للعمل الميداني    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



وجدة : الثكنة العسكرية "ظهر لمحلة".. تراث تاريخي كولونيالي يتم الإجهاز عليه.!
نشر في الجسور يوم 05 - 07 - 2017


وجدة : الثكنة العسكرية "ظهر لمحلة"..
تراث تاريخي كولونيالي يتم الإجهاز عليه.!
المختار أعويدي
تعتبر الثكنة العسكرية "ظهر لمحلة"، من أقدم معالم التراث المعماري الكولونيالي بمدينة وجدة، بل وبمجموع التراب الوطني. بالنظر لقدم الإستقرار الإستعماري الفرنسي بمدينة زيري بن عطية، بالنسبة لباقي مناطق البلاد. فقد احتلت المدينة إلى جانب الدار البيضاء منذ سنة 1907، حتى قبل فرض الحماية الفرنسية على البلاد بمدة.
وقد عمد الإحتلال الفرنسي منذ احتلالها إلى إقامة العديد من البنيات العمرانية، بهدف تعزيز وجوده واستقراره بها، وتشجيع قدوم المستوطنين الفرنسيين وغير الفرنسيين إليها. وقد كانت الثكنة العسكرية "ظهر لمحلة"، من أول المعالم الكولونيالية التي شهدت النور وقتها، لدورها في إيواء عناصر جنود الجيش الفرنسي أداة الإحتلال والغزو، وأُسَرهم. وقد احتلت مساحة شاسعة فوق مجال ترابي جغرافي استراتيجي مرتفع نسبيا، جنوب المدينة القديمة. مما كان يسمح لقوات الإحتلال، بمراقبة حركات وسكنات ساكنتها ومختلف أنشطتهم. وقد امتدت المساحة الشاسعة التي شغلتها الثكنة، من "باب جزاير" شمالا قرب مطحنة "رحا الطبول"، إلى موقع المُصلى القديم، ومقر هوائيات الإذاعة والتلفزة الوطنية جنوبا، حيث المقر الجديد للولاية وولاية الأمن، بجوار كلية الطب والصيدلة.
بعد استقلال المغرب ورحيل قوات الإحتلال الفرنسي على البلاد، ظلت الثكنة تضطلع بنفس الدور العسكري القديم. فقد استقرت بها عناصر حامية القوات المسلحة الملكية بالمدينة وأسَرهم. وخاصة منهم عناصر الفوج السادس 6eme Bataillon الذي احتل القسم الشمالي من الثكنة. والفوج الثامن 8eme Bataillon في القسم الأوسط منها. وفوج المدرعات في أقصى جنوب الثكنة، حيث كانت هذه الأخيرة وقتها منفتحة جنوبا، في اتجاه سيدي يحيى وسيدي معافة، على حقول وأراضي فلاحية واسعة. أصبحت اليوم، بعد الإنفجار الديموغرافي والعمراني الكبير للمدينة، تحتلها العديد من الأحياء السكنية، من قبيل حي القدس والأندلس .. وكذا مرافق جامعة محمد الأول، والمدارس العليا ومراكز التكوين المختلفة..
كانت البنايات والمرافق والفضاءات المختلفة، التي كانت تتشكل منها الثكنة، تختزل خصوصيات المعمار الكولونيالي العسكري الفرنسي لبداية القرن 20، من حيث طغيان مادة القرميد والخشب على جميع السقوف مثلثة الشكل، إضافة إلى كثرة الأقواس والنقوش والرموز على الجدران. وانتشار الساحات والمساحات الخضراء والملاعب التي تفصل بين مختلف المرافق.
بعض المعالم العمرانية العسكرية الفرنسية التي قاومت التخريب داخل الثكنة العسكرية
وقد تشكلت مرافق الثكنة أساسا من عدة مكونات وأقسام، تنتظم في مجمعات منفصلة عن بعضها. منها المرافق السكنية المخصصة لأسر الجنود، وكذا الأقسام الإدارية ومراكز القيادة، وأماكن تجمعات ومبيت الجنود. ناهيك عن المخازن والقاعات المختلفة، والملاعب الرياضية وفضاءات التدريب. كان معمار الثكنة في المجمل، عالما متكامل الوظائف والمهام، يخضع لتوزيع وتنظيم محكم.
بعض المرافق الكولونيالية التي قومت عمليات التدمير والتخريب
ظلت الثكنة العسكرية منذ رحيل القوات الفرنسية عنها، تقاوم عوامل الإهمال واللامبالاة. وخاصة منها الأقسام المخصصة لسكن أسر الجنود، حيث أنها شهدت تخريبا وتدميرا وتشويها كاملا تقريبا لمعالمها وخصائصها الكولونيالية. فقد تم العبث بجميع المرافق الملحقة بالأحياء السكنية، ونبتت عوضها مساكن وبيوت صفيحية بشعة، ملتصقة بالبنايات الأصلية كالقراض، تؤذي الذوق العام وتبعث على التقزز والغثيان. كما أدى التقادم وعدم القيام بعمليات الترميم اللازمة، إلى تآكل المرافق الإدارية والمخازن والقاعات ومختلف المرافق المخصصة للجنود.
جانب من الخراب والتدمير الذي لحق مرافق الثكنة
وبالنظر للتحولات المجالية الكبيرة التي عرفتها مدينة وجدة. والناجمة أساسا عن ارتفاع وتيرة ساكنتها، بفعل النمو الديموغرافي السريع والهجرة القروية الكبيرة. وبالتالي سرعة النمو الحضري والعمراني الكبيرة. بالنظر إلى كل هذه العوامل وغيرها، أصبحت الثكنة اليوم تحتل قلب المدينة، بعدما كانت في السابق توجد على أطرافها وفي ضواحيها. وهي مطوقة بالكثير من الأحياء السكنية والتجارية والثقافية في كل الإتجاهات. وهو ما استوجب اتخاذ قرار ترحيل الحامية العسكرية عنها، بينما ظلت أسر الجنود والجنود المتقاعدين منهم، تستقر في الأحياء السكنية المذكورة. مما دفع بعض هذه الأسر إلى احتلال بعض المرافق التي تم إخلاؤها من طرف الجنود المُرحلين. وهو ما فتح صفحة جديدة في مجال تدمير وتخريب والإجهاز على أغلب المعالم الكولونيالية بها، بما فيها تلك التي ظلت تحتفظ ببعض أصالتها الكولونيالية. ولم تنجو من هذا المصير المشؤوم، سوى بعض الشواهد (أقواس مكاتب بوابات..) التي لا زالت تصارع عوامل الزمن والمناخ، وتقاوم عمليات العبث والإجهاز التي تقوم بها الساكنة.
إن الموقع الإستراتيجي المهم الذي باتت تحتله الثكنة في قلب المدينة، بعد نمو واتساع هذه الأخيرة في كل الإتجاهات، وحالة الفوضى العامة والتخريب والتدمير الذي آلت إليها أوضاعها ومعالمها، بسبب إهمال الساكنة وعبثها من جهة، ونشاط العوامل المناخية من جهة ثانية، ولامبالاة الجهات المعنية من جهة ثالثة. وعلى رأسها المجلس البلدي، باعتباره الوصي على مرافق المدينة المختلفة. وكذا وزارة الثقافة، بالنظر لوقوع هذا التراث الكولونيالي الذي تمثله الثكنة العسكرية، في دائرة مسؤولياتها الثقافية. إن هذه العوامل مجتمعة، وهذا المصير المحزن، الذي آل إليه هذا التراث الكولونيالي الفريد، وبالنظر للوعاء العقاري الضخم والثمين الذي يحتله، والواقع في منطقة تشهد اشتعالا واستعارا للهيب الأسعار، بسبب المضاربات العقارية الكبيرة. كل هذا، ساهم في جعل الثكنة منذ مدة هدفا يسيل له لعاب لوبيات العقار، ومحترفي لعبة المضاربات العقارية بالمدينة.
غير أنه وأمام كل هذه الظروف السلبية المحيطة بالثكنة، وأحوالها المتدهورة المهدِدة لمستقبلها، وفي ظل تفاقم تهافت لوبي العقار، جاءت رصاصة الرحمة بإنهاء وجودها ومحوها من على خريطة المدينة، بفعل قرار تفويتها بالكامل إلى أحد المنعشين العقاريين (شركة الضحى)، الذي شرع في شطب معالمها من على الخريطة، بدءا بالقسم الجنوبي منها، وتعويض معالمها التاريخية النفيسة، بصناديق إسمنتية متراكمة، على شكل تجمعات سكنية بشعة المظهر، تحت يافطة السكن الإقتصادي والمتوسط والفاخر الإسكان.
الصناديق الإسمنتية للسكن الإقتصادي وقد التهمت القسم الجنوبي من الثكنة، وتوقفت عند وسطها بفعل احتجاجات القاطنين من أسر الجنود المتقاعدين
بعض معالم المعمار الكولونيالي للثكنة (مقدمة الصورة) وزحف كتل السكن الإقتصادي على المكان (عمق الصورة)
حدث ويحدث كل هذا، أمام صمت مريب من جميع الجهات والفعاليات المهتمة بالشأن الثقافي بالمدينة، سواء الرسمية منها أو المدَنية. اللهم من صرخات احتجاج غير مسموعة لأفراد أسر الجنود المتقاعدين، القاطنة بالأحياء السكنية للثكنة، والمهددة بالإفراغ. غير أن احتجاجاتهم هذه، تتخذ شكل مطالب اجتماعية رافضة لإفراغ مساكن الثكنة، مقابل الإستفادة من شقق السكن الإقتصادي، ومتمسكة بمطلب إعادة إسكانهم في مساكن لائقة. ولا علاقة لهذه الإحتجاجات بالأهمية والبعد الثقافي للثكنة، ولا بقيمتها كذاكرة تاريخية، ولا بضرورة إنقاذ ما تبقى من معالمها. ولكن مع ذلك، إذا كان لها من مزية تذكر، فهي تأخيرها لعمليات الهدم والإجهاز الكلي على معالم الثكنة، على يد المنعش المذكور. ولعمري أن هذا التأخير قد يمثل فرصة نادرة لفعاليات المدينة، لأجل التحرك من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه المعلمة الكولونيالية.
إن من سوء حظ مدينة وجدة، وهي التي عرفت إقامة أولى المعالم الكولونيالية الحديثة على الصعيد الوطني على يد الإحتلال الفرنسي، قد شهدت عمليات إجهاز واجتثاث للعديد من هذه الشواهد التاريخية، بقرارات غبية لبعض المسؤولين، الذين تعاقبوا على تحمل مسؤولية تدبيرها. وهو ما حرم أجيالا من أبناء المدينة، من الإطلاع على جانب من تاريخ مدينتهم عن قرب.
واليوم ها قد جاء الدور على ثكنة "ظهر لمحلة"، التي تمثل معلمة تاريخية بارزة ضمن التراث الكولونيالي بالمدينة، و ذاكرة شاهدة على كثير من الأحداث والتطورات التاريخية التي شهدتها المدينة، والتي يتم ذبحها أمام مرأى ومسمع الجميع، من دون أن يحرك الأمر ساكنا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.