مدينة أسبن بالغة الجمال على قمم جبال الروكي في ولاية كولورادو، عروس الغرب الأمريكي، والملعب الشتوي المفضل لأثرياء أمريكا والعالم. سبق لي زيارة ولاية كولورادو في مهمات صحفية من قبل، إلا أنني أزور أسبن لأول مرة تلبية لدعوة اجتماعية، فكانت بالفعل في مستوى سمعتها كمدينة جبلية صغيرة وسط طبيعة في منتهى الروعة، زادتها ألوان الخريف جمالا ووداعة. بالإضافة إلى جمال المكان وغلاء الأسعار، هناك مظاهر أخرى ملفتة للانتباه، ومن بينها كثرة الكلاب من كل الألوان والأنواع والأحجام والبياض الناصع لجميع السكان تقريبا. لأكثر من أربعة أيام، لم أصادف مواطنا واحدا من أصول إفريقية أو آسيوية، والقلة القليلة جدا من غير البيض كانت مجموعة تقل عن عدد أصابع اليد الواحدة من رعايا الجار المكسيكي، وكان يعمل جميع أفرادها في مطاعم البيض الفاخرة. أمريكا -المفاخرة باختيارها رئيسا أسود كخطوة تصالحية مع الماضي العنصري البغيض مفاخرَتها بحماية المساواة بين المواطنين بقوة القانون- تزداد انقساما وتشتتا بين أقلياتها المختلفة، لكن هذه المرة بإرادة ورغبة وتفضيل الأقليات نفسها. في السجون وفي المدارس وفي المطاعم وفي أنفاق الميترو يقف الأسود مع الأسود واللاتيني مع اللاتيني والأبيض مع الأبيض والعربي مع العربي إلا في ما ندر من الأحوال. بعد دخول قانون الحقوق المدنية حيز التنفيذ في الستينيات من القرن الماضي، اضطرت الحكومة الفيدرالية إلى الاستعانة بقوة الحرس القومي لفرض اختلاط المدارس، خاصة في ولايات الجنوب التي كانت تعتبر الاختلاط نوعا من الكفر بقوانين الأرض والسماء. وبالفعل، اختلطت المدارس رغما عن رغبة بعض البيض، لكن الطلبة السود يجلسون مع أقرانهم من نفس العرق كما يفعل آخرون مع أعراقهم ويفضلون الذهاب إلى جامعات سوداء كما يفضلون مشاهدة الأفلام والقنوات الخاصة بالسود. المفارقة الكبرى هي أن أمريكا تزداد تنوعا عرقيا بسبب المواليد والهجرات المتواصلة وتتوجه فيها بعض الأقليات لتشكيل الأغلبية في الكثير من الولايات، إلا أن فسيفسائها تزداد تشتتا وانقساما. الأزمة الاقتصادية ووصول رئيس أسود رفع من عضوية وحماس الجماعات اليمينية البيضاء التي تريد «استعادة الوطن» من السود واليهود وحتى من البيض من اليساريين والليبراليين. هذه الجماعات المسلحة بالعتاد والأفكار العنصرية بدأت تقلق بشكل كبير السلطات الأمنية الفيدرالية التي تخشى من تكرار عملية أوكلاهوما التي كانت وحتى الحادي عشر من شتنبر أسوأ عمل إرهابي في تاريخ البلاد. الجماعات المنظمة لدى السود، والتي تسلحت في ذروة حملة الحقوق المدنية في الخمسينيات والستينيات، مازالت تشتكي من مظاهر العنصرية المختلفة في المجتمع الأمريكي وتجادل بالأرقام المرعبة حول نسب فقر السود ونسبهم المرتفعة في جميع سجون أمريكا، المحلي منها والفيدرالي. الأمريكيون من أصول أمريكية لاتينية وهي الأقلية الأسرع نموا تعاني من عنصرية البيض, لكنها أيضا لاترتاح إجمالا إلى السود تماما كالاسيويين الذين يشتكون من عنصرية مضادة من السود ويستدلون بأن متاجرهم ومحلاتهم تكون أول هدف لغضب السود كما حدث قبل بضع سنوات في مدينة لوس أنجلس. في ولاية فريجنيا المحاذية للعاصمة واشنطن، كان الزواج المختلط بين البيض والسود محرما في وقت من الأوقات بفعل القانون. وعلى الرغم من الغاء ذلك القانون العنصري، فإن رؤية زواج مختلط بين امرأة بيضاء ورجل أسود مازال يلفت انتباه المارة أو نادلي المطاعم وكأنه ظاهرة غريبة أو ممارسة محرمة. كتب أستاذ جامعي أسود مؤخرا مقالا طريفا، لكنه عميق، بشأن تجربته على متن قطار يركبه أيام العمل، متنقلا بين مدينة نيويورك وجامعته في ولاية رود إيلاند، وكيف أنه يقضي رحلته في أغلب الرحلات وحيدا لأن الكرسي الذي بجانبه يبقى دائما فارغا. الأستاذ جون ويديمان، الذي يدرس الثقافة الإفريقية، وجد نفسه موضوعا ومشرفا على دراسة اجتماعية يومية، وخلص إلى أن سواد لونه هو التفسير الوحيد المقنع لإقلاع باقي الركاب عن احتلال المقعد الذي بجانبه على الرغم من أن المناطق الساحلية التي يقطعها القطار المذكور من أكثر مناطق أمريكا تعلما ودخلا وليبيرالية. جهود الأستاذ الجامعي للتأنق في مظهره ووضع كميات زائدة من العطور لمواجهة الصور النمطية عن السود لم تفلح جميعها في إقناع زملائه الركاب في إلقاء نظرة ثانية على المقعد الفارغ. ردود فعل القراء كانت بمثل قوة وعمق المقال الرئيسي، إذ كتب أحد القراء السود عن تجربته المشابهة على القطار نفسه، وتذكر القارئ طفولته في الأربعينيات حينما كان يتوقف القطار على مدخل واشنطن حتى يتم نقل جميع الركاب السود إلى عربة خاصة بهم. روزا بارك، المواطنة السوداء البسيطة، أشعلت نار حملة الحقوق المدنية برفضها الانتقال إلى مقعد خلفي في الحافلة لتترك مقعدها لرجل أبيض كما كان متداولا ومقبولا ومتعارفا عليه في أمريكا تلك الأيام. لكن روزا بارك لو بقيت على قيد الحياة وركبت الحافلة نفسها هذه الأيام فلن يطلب منها أحد الانتقال إلى المقاعد الخلفية، لكن لن يجلس بجانبها راكب أبيض. المؤسسة العسكرية كانت أول مؤسسات المجتمع التي رفضت الفصل وكانت محركا اجتماعيا رئيسيا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية لإعطاء الجنود السود ما يعطى لزملائهم البيض، لكن أي زيارة لقاعدة عسكرية أو حتى مقر البنتاغون نفسه كفيلة بإظهار سياسة الفصل الطوعية واضحة بين الجماعات السوداء التي تتغذى أو تشرب القهوة بعيدا عن الجماعات البيضاء. يحكي كولن باول، الرجل الأسود الذي وصل إلى أعلى مرتبة عسكرية في تاريخ أمريكا، كيف أوقفه شرطي أبيض بعد عودته من فييتنام في الستينيات في إحدى مدن الجنوب ليحذره من مغبة مواصلة السياقة كرجل أسود في مدينة بيضاء. الخطاب العنصري لبعض سياسيي اليمين يعمق من الشرخ المتزايد بين مختلف الشرائح العرقية المكونة للمجتمع الأمريكي والتي شكلت دائما أهم مصادر قوة وتفرد التجربة الأمريكية كنسيج صاهر لكل الأعراق والأديان واللغات، لكنها بدأت تفقد تلك اللحمة على الرغم من وجود رئيس أسود وربما بسببه. وصول رئيس أسود خلق انطباعا كاذبا، على ما يبدو، بان أمريكا انتقلت إلى مرحلة ما بعد العنصرية، لكن الواقع المعيش يؤكد، في القطار كما في المطعم وفي السجن كما في المدرسة، أن أمريكا لم تصب بعد بعمى الألوان فحسب بل بدأت تفقد تدريجيا قدرتها على خلق الانسجام الضروري بين تلك الألوان.