بنكيران يدعو أعضاء "البيجيدي" إلى التزام الصمت بعد إدانة بلقايد في ملف "صفقات كوب 22"    بورصة البيضاء .. أهم نقاط ملخص الأداء الشهري    النمسا.. توقيف مشتبه فيه متورط في التخطيط لاعتداءات إرهابية بالتعاون مع المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني    "عصبة الكرة النسوية" تصدر عقوبات    سرقة مغربي تدين "موظفة بنكية" في روسيا    السياحة المغربية تسجل عائدات قياسية بلغت 138 مليار درهم في 2025    نقابيون ينتقدون وزارة الأسرة والتضامن    القمع يمتد إلى المستشفيات في إيران    تعاون نمساوي مغربي يطيح بإرهابي    من طنجة إلى جبال الأنديز.. الدور المغربي في دعم حركات التحرر بأمريكا اللاتينية خلال القرن التاسع عشر    توقعات أحوال الطقس لليوم السبت    بسبب الفيضانات.. تعليق الدراسة بمدينة القصر الكبير لمدة أسبوع    إطلاق أول خدمات للجراحة الروبوتية بمستشفى جامعي عمومي في أكادير    علماء يحددون جينات تحمي المسنين من الخرف    غوتيريش يحذر من "انهيار مالي وشيك" للأمم المتحدة    الجديدة تحتضن فعاليات الدورة الأولى للمهرجان الوطني لفنون السيرك    صناعة الشك والحرب النفسية الرقمية في كأس إفريقيا بالمغرب    عملاق الطرب المغربي الفنان عبد الهادي بلخياط في ذمة الله    هل تحتاج خوارزميات الذكاء الصناعي إلى شيء من "الهشاشة الإنسانية"؟    "قطار الحياة" يتوقف.. عميد الأغنية المغربية عبد الهادي بلخياط في ذمة الله عن 86 عاما    عبد الهادي بلخياط... صوتٌ خالد يترجّل إلى رحمة الله    بنكيران يفرض الصمت على البيجيدي بعد إدانة العربي بلقايد في ملف "كوب 22"    عاجل: وفاة الفنان المغربي عبد الهادي بلخياط عن 85 عاما    طنجة.. فرق أمانديس مجندة على مدار الساعة لضمان استمرارية الخدمات خلال الفترة الممطرة    تفكيك شبكة للتهريب الدولي للمخدرات بطنجة وتوقيف ستة أشخاص وحجز 75 كلغ من الشيرا    مديرية الدراسات: 2025 سنة استثنائية تؤكد جاذبية وجهة المغرب سياحيا    الإسمنت.. ارتفاع المبيعات بنسبة 8,2 في المائة سنة 2025    سوء الأحوال الجوية .. بتعليمات سامية من جلالة الملك، القوات المسلحة الملكية تنشر وحدات للتدخل معززة بالمعدات والتجهيزات والآليات اللازمة لنقل المتضررين وإيوائهم    إثر الحكم الذي ساوى بين المغرب والسنغال.. موتسيبي: الاتحاد الإفريقي لكرة القدم ملتزم بالمحافظة على نزاهة وسمعة والتنافسية العالمية لكرة القدم الإفريقية    "تداولات حمراء" لبورصة الدار البيضاء    إشادة وطنية بتدخل القوات المسلحة الملكية في مواجهة آثار الفيضانات    عمليات التصريف بالسدود تسائل تسريع مشاريع الربط بين الأحواض بالمغرب    زخات وأمطار قوية ورياح عاصفية بعدد من مناطق المملكة    آبل تعلن عن إيرادات قياسية مع ارتفاع مبيعات هاتف آيفون في الصين    «ألفاجينوم»: ذكاء اصطناعي لتحديد العوامل الجينية المسبّبة للأمراض    قرعة الثمن النهائي لأبطال أوروبا تضع ريال مدريد في مواجهة بنفيكا    مجلس الشيوخ الفرنسي يمرّر قانوناً لتسهيل إعادة الآثار المنهوبة إلى بلدانها    إلى غاية نهاية الموسم.. الرجاء يعير بلال ولد الشيخ إلى فوليندام الهولندي    مشاركة المغرب في معرض "ريتروموبيل باريس" لتسليط الضوء على الصناعة التقليدية الخدماتية المغربية        رايموند هاك يهاجم قرارات «الكاف»: عقوبات لا تعكس خطورة ما وقع في نهائي المغرب 2025    انتخاب عمر هلال بالتزكية لرئاسة لجنة بناء السلام    إيكيتيكي راض عن بدايته مع ليفربول    تاريخ الزمن الراهن: الانشغالات المنهجية والانتظارات السياسية    فيفا يطلق مبادرة "كندا تحتفل" لإشعال حماس الجماهير قبل المونديال    تراجع أسعار النفط    ترامب يهدد كندا بفرض رسوم جمركية    أرقام قوية تعكس مرونة القطاع الثقافي في الصين خلال 2025    عقوبات الكاف... حين تُعاقَب الآمال وتُكافَأ الفوضى    الصين: سحب أكثر من 38 مليون سيارة خلال فترة المخطط الخماسي ال14    متوسط العمر المتوقع يبلغ أعلى مستوى في أمريكا        إصابتان بفيروس "نيباه" في الهند وسط تحذيرات صحية.. ماذا نعرف عن المرض؟    من يزرع الفكر المتشدد في أحيائنا؟    طارت الكُرة وجاءت الفكرة !    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مشاهد من ثقافة مغربية
نشر في المساء يوم 22 - 04 - 2009

الشاشة الإلكترونية تعلن أن القطار المتوجه إلى مراكش، عبر كذا وكذا...، سينطلق على الساعة الثانية وخمسين دقيقة. وبينما كان المسافرون يستعدون للإلقاء بأجسامهم في صهد عربات المكتب الوطني للسكك الحديدية، أعلن الصوت الرخيم لتلك السيدة أن القطار سيتأخر حوالي... 35 دقيقة.
عبر كل واحد من الغاضبين عن غضبه بطريقته الخاصة، أقصاها كانت عبارة أسف وسباب في حق أولئك المسؤولين المجهولين الذين لا نعرفهم لكننا نحملهم مسؤولية كل شيء سيئ يحدث لنا... مرت الخمس والثلاثون دقيقة. حل القطار أخيرا، وتنفس المسافرون الصعداء. لكن الحية الفولاذية أبت إلا أن تتمدد على سريرها الحديدي مدة زمن أخرى قبل أن تقرر الانطلاق من جديد نحو المدينة الحمراء.. كانت الساعة تشير إلى الرابعة إلا الربع... من قال إننا متأخرون !
في السكة الموازية لسكة قطار مراكش، كان قطار آخر يهم بالانطلاق، أطلق الحراس صفارة المغادرة. أسرع متأخران نحو القطار. لم يكترث الحارسان ولا السائق. سُدت الأبواب، تحرك القطار ممهلا بينما المتأخران عن موعد الانطلاق مازالا يعدوان. استحضرا جريهما وراء طوبيس المدينة، الذي غالبا ما يتوقف ليزيد حمولة حافلته من البشر الراكبين. القطار غادر من دون اكتراث إلى من هما حوله...
...
انزوت الشابة الأنيقة، التي كانت تدخن سيجارة على رصيف السكة بمحطة المسافرين، بالركن الأيمن قرب باب المقطورة فيما جمد شاب أسمر في الركن المقابل، وجلس كهل ثالث يغلب شعر لحيته الأبيض على الأسود، ثم شاب رابع كثير الكلام وشابة محجبة. بعد صمت استغرق وقتا ممتدا، خلدت فيه الشابة المنعزلة لنوم عميق، سرت ألفة غريبة بين الراكبين بدأها الشاب الثرثار بغير حسن تخلص. تطور الحديث بين كلام على العواهن، وحديث سنده مهزوز للكهل، الذي كان يتطفل بكثير جرأة على جرائد جلسائه عدا مجلة فرنسية لم يتطفل عليها لأنه لا يفقه قراءتها، وإيماءات بالرضا من الشابة المحجبة، وقول لا رابط بين فقراته من الشاب، الذي كان يؤنس نفسه بكتاب في الرواية.
اختلطت في ذهن الشاب مفاهيم القومية العربية والهوية الثقافية والدولة والانتماء الجغرافي. كان يبدو منفعلا، مترنحا بين أفكار يظهر أنها لا تستند إلى منطق ولا إلى سابق معرفة كافية بما هو متحدث فيه. شيئا فشيئا تعالت حدة الحديث. تأكد أن الشاب لا يعرف لنفسه مستقرا، ولا قرارا. ناقمٌ على الحياة، على المغرب؛ ينشد وحدة قومية سرابية وسرعان ما يعود إلى نسفها... أوشكت الرحلة على نهايتها، أفاقت الشابة المنهكة من نومها. أعلنت سيدة المكتب الوطني للسكك الحديدية نهاية الرحلة... لكن بعد أن كان الراكبون غادروا مقطوراتهم كما العادة دائما !
...
سائقو الطاكسيات مشغولون. منهمكون في عمل دؤوب. ينقلون الزبناء من مكان إلى آخر. لا مكان لك عندهم إلا بعد طول انتظار وعناء، لاسيما إذا لم تكن أشقر، أبيض البشرة أو بض الجسد...
يحكي السائق بلكنة مراكشية قصة انقطاعه عن التدخين قبل ست سنوات بعد تأنيب ضمير أحياه فيه ابنه ذات مناسبة كان يهم فيها الأب بإشعال سيجارة بالبيت. نهره الابن، فتأثر وأقسم بأغلظ الأيمان بأنه متخل عن التدخين إلى الأبد. أفاض السائق في الحديث عن الأخلاق، وعن الأبوة والبنوة وانتقد حال رجل ستيني كان يترنح في الشارع ثملا ويطلب صدقة دون أن تظهر عليه علامة فقر أو بؤس اجتماعي. ومن صميم حديثه ذاك، اختار سبة قدحية ولفظها في وجه فتاة كانت تقطع على مهلها الشارع بينما الضوء الأخضر مشتعل... انتهى درس الأخلاق.
...
ألقى السائح الإنجليزي بجسده على المقعد البلاستيكي المائل إلى الأصفر. كان مازال دمه فائرا من كثرة ما خطا بين دروب المدينة القديمة بمراكش العتيقة. نزع سترته الساخنة ووضعها جانبا. انتظر طلعة النادل طويلا. لم يأت النادل الذي بدا، عند مجيئه، متأففا من كثرة الزبائن! عاد السائح إلى سترته بعد أن تسرب برد جامع الفنا المسائي إلى ضلوعه.
على يمينه، التأم جمع لسياح ألمان. كانوا أسرة يتوسطها مغربي يتقن الألمانية نطقا. طلب الجميع كؤوس مثلجات مشهية بألوانها الجميلة بينما كان شابان مغربيان يسحبان أنفاسا عميقة من سيجارتهما ويرشفان من قهوة بالحليب وأخرى «مكسرة».
لي عاونا...
الله يعاونو.
كان الطفل، ولد حماد أو موسى، يطوي جسده الصغير النحيل طيا أمام زبناء المقهى. وكان الثاني يقفز قفزا بهلوانيا فيه من الخطورة ما يفوق متعة إنجاز حركات رياضية تستعصي على أقرانهما. كان أحدهما يحمل الثاني على كتفيه وعيناهما ملؤهما براءة تصارع مكرا صغيرا علمهما إياه الكبار. صفق سائح من الخلف، ثم ثان، فقط. لقد كان في المشهد بؤس كثير ومتعة يسيرة جدا.
مد أحد أفراد الأسرة الألمانية درهما أو درهمين للطفل، ثم انضم إليه آخر. وانتهى الحفل على صوت الأول: هاذ النصراني عاونا... ثم الثاني: الله يعاونو... أعاننا الله جميعا على تحمل هذه المشاهد!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.