جمعية دولية تنعت قانون "إعدام الفلسطينيين" بالتمييز العنصري الخطير    أخبار الساحة    تقرير حقوقي يرصد واقع ذوي الإعاقة    بعد قرار المحكمة الدستورية.. بنسعيد يستعرض مستجدات مشروع قانون تنظيم المجلس الوطني للصحافة بمجلس النواب ولجنة مؤقتة للإشراف على الانتخابات    الاتحاد الغاني يقيل مدرب المنتخب قبل عشرة أسابيع من بداية المونديال    "الكاف" يطلق بطولتين جديدتين لتعويض "الشان"    جامعة الدول العربية تدين القيود المستمرة المفروضة من السلطات الإسرائيلية على حرية العبادة في مدينة القدس    مساء اليوم من الإذاعة الوطنية بالرباط: أسئلة اللغة والثقافة والهوية في حوار مع الباحث الدكتور فؤاد بوعلي.    مندوبية التخطيط ترصد تباطؤ الصناعة والخدمات مقابل دينامية فلاحية    وديات البرازيل تحسم اختيارات أنشيلوتي    جامعة ابن طفيل ترسخ انفتاح الدكتوراه في الصحافة والإعلام الحديث نحو نموذج متكامل لتجويد البحث العلمي    أخنوش: أسعار غاز البوتان والكهرباء لن تعرف أي زيادة رغم الارتفاع الكبير في السوق الدولية    اختتام الدوري الرمضاني لكرة القدم لجمعية التحدي بثانوية الليمون بمشرع بلقصيري    ارتفاع القيمة السوقية للاعب المغربي ريان بونيدا    استبداد وتضارب للمصالح وغياب المحاسبة.. تقرير يشخص أعطاب المغرب في السياسة والاقتصاد    بسبب "الأرباح المفرطة".. "البيجيدي" يطالب بضريبة استثنائية على شركات المحروقات وتسقيف الأرباح    "الهاكا" تحسم الجدل حول مس مسلسل بنات لالة منانة بالقيم المجتمعية        مسؤول: حالة "سائق القنيطرة" مستقرّة    اليوم في فرنسا... الأسود في تحدٍّ جديد أمام الباراغواي    الذهب يتجه لتسجيل أسوأ أداء شهري منذ 17 عاما        بورصة البيضاء تفتتح على تراجع طفيف    وقفات تضامنية بعدة مدن مغربية إحياء ل"يوم الأرض"    تفاعل رباعي الأسود مع منشور سنغالي يثير الجدل        إسرائيل تقتل 3 عناصر من قوات حفظ السلام في لبنان    شي جين بينغ يدعو إلى تعبئة شاملة لدعم التشجير في الصين    تراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية عقب تقارير حول توجه أمريكي لإنهاء التوتر مع إيران    انفوجرافيك | ⁨نظام سلطوي وحكامة هشة.. المغرب في مؤشر برتلسمان للتحول 2026⁩    وهبي: هيئة الخبراء القضائيين أخطر جهاز في العدالة    كيوسك الثلاثاء | أمراض القلب تشكل 38 في المائة من أسباب وفيات المغاربة    يقظة الدرك الملكي بالعوامرة تجهض محاولة ترويج أطنان من المخدرات بإقليم العرائش        هيئة "نصرة قضايا الأمة" تدين الحكم بسجن الرابور "الحاصل" وتطالب بالإفراج عنه    طقس بارد في توقعات اليوم الثلاثاء بالمغرب    غوغل تحذر: حظر مواقع التواصل الاجتماعي على الأطفال ليس الحل    اتفاق بين وزارة الصحة والنقابة الوطنية للصحة على توظيف تقنيي الإسعاف والنقل الصحي وتسوية وضعيتهم خلال 2026    دراسة: زيادات بسيطة في النوم والنشاط البدني تقلل مخاطر أمراض القلب    مقتل 4 جنود إسرائيليين بجنوب لبنان    الانتخابات التشريعية 2026 بوابة العبور نحو الحكم الذاتي    حين تُخطئ منظمة حقوق الإنسان إحدى عشرة إشكالية في تقرير واحد: من الخطأ التاريخي إلى التناقض الداخلي والتحيز المُقنَّع    حسمٌ جديد للدبلوماسية الحزبية المغربية: الشبيبة الاتحادية تفوز بمقعد في رئاسة اليوزي    الفنان الشاب إبراهيم لجريدة الاتحاد الاشتراكي .. انتقلت من العزف إلى الغناء وأطمح لترسيخ اسمي في الساحة الفنية    «آثار على الضفاف»... عقد من الإبداع المغربي في المهجر يعرض في قلب الرباط    نصر مكري يكرم عمه محمود بأغنية «حتى أنا بعيوبي» ويستانف جولته الفنية        دراسة حديثة: العمر البيولوجي مفتاح صحة الدماغ وتقليل خطر السكتة    المسرح المغربي ينتقل إلى مرحلة جديدة : بنسعيد يؤشر على الرفع من سقف المنح وتدابير جديدة لترسيخ الاحترافية    فتوى الخامنئي المرسلة لإخراج فيلمي حول الإمام الحسين    المعرض الجهوي للكتاب والقراءة بأولاد تايمة في دورته ال18 يحتفي بالثقافة والتراث        إصدار جديد للأستاذ إبراهيم بوغضن في أصول الفقه السياسي عند الغزالي.    وزارة_الأوقاف توضح مآل المساجد المغلقة بإقليم الجديدة وتكشف تفاصيل برنامج التأهيل .        هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحركة العلمية والثقافية عند المرابطين(3)
نشر في ميثاق الرابطة يوم 09 - 04 - 2010


ازدهار الفقه في عهد المرابطين
واصل "علم الفقه" على مذهب الإمام مالك رحمه الله ازدهاره في عصر المرابطين، وعُقدت المجالس العلمية الحافلة في كل من مدينة مراكش وسبتة السليبة وفاس للمناظرة عليه، وبزغت إلى الوجود أسماء فقهاء خدموا المذهب المالكي بمؤلفاتهم العديدة ما شاء لهم قلمهم السيال، لكن الملاحظ في هذه الفترة هو أن الفقه أصبح فقه فروع لا سبيل إلى الاجتهاد فيه لكون المرابطين أنفسهم كانوا يميلون إلى التسليم بأقوال أئمة المذهب المالكي، وخصوصا أقوال وفتاوى مدينة "قرطبة" التي أصبح عملها يعتبر حُجة بالمغرب، وهو ما يسميه الفقهاء ب: "جرى العمل بقرطبة" أو ما اصطلح عليه "بالعمل القرطبي"، وفي هذا يذكر أحمد المقري في كتابه "نفح الطيب" أنه لعظم أمر "قرطبة" كان عملها حجة بالمغرب حتى أن الفقهاء المغاربة يقولون في الأحكام: "هذا ما جرى به العمل في قرطبة"، إلى غيره من الأعمال الأندلسية التي كان الفقهاء المغاربة يعتدُّون بها ويعتمدونها في فتاويهم المختلفة.
ونحن نلامس جوانب من الحركة الفقهية عند المرابطين أشير إلى أن جهود الفقهاء المغاربة والأندلسيون في خدمة الفقه الإسلامي وازدهاره قبل العهد المرابطي لا يمكن أن تغفل أو يغض الطرف عنها، إذ كانت هناك الرحلات العلمية إلى المشرق والأندلس والقيروان، مما أسس لتنمية علمية فقهية وأدى إلى بروز حركة فقهية جسدها عديد من نوابغ الفقهاء المغاربة والأندلسيين، فالذي يرجع إلى كتب تراجم الفقهاء قبل العصر المرابطي يلاحظ المكانة المرموقة التي بلغها الفقهاء السَّبتِيوُن قبل القاضي عياض السبتي (ت 544ه) الذي عاصر الفترة المرابطية، والذي يعتبر هو نفسه ثمرة من ثمار الازدهار الفقهي الذي كانت تمثله كل من مدينتي سبتة السليبة وطنجة اللتين أصبحتا مصدر إشعاع فقهي على المغرب بأسره، بالإضافة إلى العاصمة العلمية فاس؛ ولقد أورد أحمد الونشريسي (ت 914ه/1508م) في كتابه "المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب" عدة فتاوى صادرة عن فقهاء المدينتين المذكورتين إلى جانب الفتاوى الواردة عن فقهاء مدينة فاس.
إن جهود المغاربة في خدمة الفقه ونبوغهم السريع في هذا المجال ولحاقهم بالقيروانيين والأندلسيين أدى إلى انفجار فقهي – إن صح التعبير- في عهد المرابطين، ويتمثل هذا الانفجار في عظم أمر الفقهاء وقوة نفوذهم، واعتماد المرابطين عليهم ورجوعهم إليهم في كل صغيرة وكبيرة، فكثرت التأليف الفقهية في مختلف فروع الفقه المالكي خصوصا وأن من كان يحظى بحظوة عند الخليفة هو من كان يشتغل بعلم الفروع، وفي ذلك يذكر عبد الواحد المراكشي أنه: "..لم يكن يقرب من أمير المسلمين ويحظى عنده إلا من علم الفروع أعني فروع مذهب مالك، فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب وعمل بمقتضاها.."[1].
وتجدر الإشارة إلى أن من مميزات هذا العصر امتزاج دراسة الفقه بالأصول مما ساهم في ازدهار الدراسات الفقهية وتوسعها، وهو دليل واضح على تمكن المغاربة من هذا التخصص، وساعد على تخريج الأحكام وتوسيع دائرة الاجتهاد فيما يطرأ من نوازل وما يُستجد من القضايا المختلفة التي كان يعج بها المجتمع المغربي الأندلسي.
ولقد كان لقيام وحدة سياسية بين المغرب والأندلس بصمة واضحة على العلم والعلماء لما تبعه من تقارب علمي بين العدوتين، فأصبحت مدينة مراكش على امتداد القرن السادس وما بعده عاصمة وقِبلة علمية يفدون عليها العلماء من مختلف جهات الأندلس والمغرب، تُعقد بها الحلقات العلمية الواسعة من فقه وأصول وحديث وتفسير، ونفس الوضع كان قائما في كل من مدينتي فاس وسبتة السليبة التي أسست بها مدرسة فقهية متميزة، وهي مدرسة ظهرت معالمها أواخر القرن الخامس الهجري يمثلها كبار فقهاء الأندلس والمغرب أمثال عيسى ابن سهل قاضي العدوتين، وحجاج بن المأموني، والقاضي أبو عبد الله التميمي، وأبو عبد الله الأموي شيخ القاضي عياض السبتي، والقاضي عياض نفسه إلى غيرهم من الفقهاء؛ وجُل هؤلاء العلماء تولى القضاء والفتوى، ودرَّس الفقه ونوُظِر عليه في "المدونة الكبرى"، ومن تم أصبحت مدينة سبتة السليبة مَقصَد الدارسين من مختلف مناطق المغرب والأندلس؛ مما سيسهم في توسيع الحركة العلمية وامتزاج الثقافة الأندلسية بالثقافة المغربية بعد توحيد العدوتين، وتكثيف الرحلات العلمية التي كان يحرص عليها العلماء بين المغرب والأندلس؛ والملاحظ أنه في الوقت الذي تيسرت فيه الرحلة إلى الأندلس للأخذ عن شيوخها شهد المغرب وفود أفواج العلماء من عدوة لأندلس إلى المغرب، الذين ساهموا في تنشيط الحركة العلمية الثقافية داخل المغرب.
نماذج من فقهاء العصر المرابطي
في هذه البيئة العلمية التي امتزج فيها المغرب بالأندلس سياسيا واجتماعيا وثقافيا نبغ كثير من أعلام المغرب الذين اشتغلوا بالتأليف والكتابة وخصوصا التأليف الفقهي الذي كان مزدهرا في هذا العصر، حيث برز على الساحة فقهاء نُظار وعلماء أفذاذ أثروا الدراسة الفقهية وأعطوها رونقا رائعا، فاجتمعت بذلك ذخيرة معرفية في المسائل والوثائق، والمظالم والحسبة، وأحكام القضاة وشروطهم.. وكان من الفقهاء من تخصص في فروع هذه المعرفة الفقهية وصنف في موضوعات خاصة منها أحكام العتق، وأحكام الجهاد وأحكام كراء الدور والأرضين، وكراء الرواحل والدواب، فضلا عن العدد الهائل من النوازل والفتاوى المغربية والأندلسية التي تتعلق بمختلف الأبواب الفقهية، وتُثير عددا من قضايا واقع ما فتىء يعرف تطورا وتداخلا ونموا وتعقيدا؛ ناهيك عن الأحكام المختلفة المبثوثة في العديد من المصنفات الأخرى مما يكشف على أن المواكبة الفقهية لضبط المستجدات وتنظيم التطورات كانت شاملة لمختلف المجالات[2].
بزغ إلى الوجود خلال هذه الحقبة التاريخية نجم الفقيه ابن عبد البر القرطبي (ت 486ه) بالأندلس، ومن مؤلفاته التي أثرى بها المكتبة الفقهية المالكية كتابه "الكافي في فقه أهل المدينة"[3]، والفقيه القاضي أبو علي الصدفي أصله من مدينة سرقسطة (ت480ه) تلقى علومه في الأندلس ثم ارتحل إلى المشرق، ومن أبرز الفقهاء الذين خدموا الدولة المرابطية عند قيامها عتيق بن عمران الربعي أو النفزاوي (ت 484ه)، صحب الخليفة يوسف بن تاشفين وولاه قضاء مدينة سبتة، وقاضي العدوتين عيسى بن سهل القرطبي (ت 486ه) صاحب كتاب "الإعلام بنوازل الأحكام"[4]، ويعد هذا الكتاب النفيس ذخيرة فقهية وسجل شامل لسائر مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية والعمرانية، والفقيه أبو عبد الله التميمي (ت 505ه)، وإبراهيم بن البصري (ت 512ه)، والفقيه إبراهيم بن جعفر اللواتي المعروف بابن الفاسي (ت 513ه)، والفقيه محمد الأموي (ت 520ه)؛ ومن أشهر الفقهاء الذين أعطوا الدراسات الفقهية الحديثية رونقها المشرف في هذا العصر الفقيه المحدث حامل لواء المذهب القاضي محمد بن العربي المعافري الإشبيلي (ت 468ه)، صاحب المصنفات النفيسة أشهرها كتاب "القبس في شرح موطأ بن أنس"[5]، و"الإنصاف في مسائل الخلاف".
ومن الوجوه العلمية التي كان حضورها فعالا على عدة مستويات داخل المجتمعين المغربي والأندلسي خلال الحقبة المرابطية الفقيه المبرَّز قاضي الجماعة محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (ت 520ه/1126م)، الذي كان له شأوا كبيرا في إثراء الحركة العلمية عند المرابطين، وهو من أشهر أعلام الفقه المالكي الذين برعوا في الفقه والأصول العلوم التي كان حضورها متميزا على عدة مستويات في المجتمعين المغربي والأندلسي في العصر المرابطي، فبجانب كونه يمثل مرحلة مهمة في تطور المذهب المالكي في الغرب الإسلامي وتعميق أسسه النظرية والتطبيقية؛ فإنه كان أحد الذين أكدوا على تلازم المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية؛ ومن مصنفاته الفقهية الغميسة التي أغنى بها الفقه المالكي وأصل له كفقه مرتبط بالبيئة ومعتد بالواقع الاجتماعي في رؤية ثاقبة نحو المستقبل، كتاب "الفتاوى" أو "المسائل"[6]، ويمكن القول أن كتاب "فتاوى ابن رشد" ليس مجرد إجابات فقهية يصدرها أي فقيه، ولكنه يعتبر مدونة نعكس قضايا جديدة كان الغرب الإسلامي يعيشها، لذلك حظيت باهتمام كبير عند فقهاء المذهب المالكي إلى جانب كتبه القيمة الأخرى ككتابه "البيان والتحصيل" الذي طبعته دار الغرب الإسلامي ببيروت في عدة أجزاء بتحقيق مجموعة من الفقهاء المغاربة، وكتاب "المقدمات الممهدات" الذي حققه المرحوم محمد حجي وطبعته نفس الدار ببيروت؛ ويمكن اعتبار هذه المصنفات النفيسة التي أثرى بها ابن رشد الفقه المالكي مجهودا متميزا ونقلة نوعية في الطرح المالكي لمختلف المسائل الفقهية والأصولية؛ كما سار على منواله تلميذه الفقيه النابغة محمد بن أحمد التجيبي المعروف بابن الحاج (ت529ه) صاحب كتاب "النوازل" الذي أبدع فيه ما شاءت له قريحته ونبوغه الفقهي.
أفرز العصر المرابطي أيضا الفقيه القاضي عياض بن موسى اليحصبي السبتي (ت544ه) مفخرة المغرب وسراجه المنير ورائد الحركة الفقهية بسبتة، كانت له مشاركات علمية فعالة في علوم كثيرة كالحديث والسيرة والتفسير والأدب واللغة، له تأليف عديدة ومتنوعة منها "التنبيهات المستنبطة على المدونة"، ونوازله المسماة: "مذاهب الحكام في نوازل الأحكام"[7] التي أضاف إليها ولده محمد بن عياض فتاوى بعض القيروانيين والأندلسيين وغيرهم، وتمتاز هذه النوازل بكونها تقدم أدلة ملموسة حية على نبوغ المغاربة السريع في الفقه ومشاركتهم في الإفتاء وإثراء هذا الحقل العلمي من جانب الفتوى ومن جانب القضاء على السواء؛ وللقاضي عياض أيضا في ميدان الفقه كتاب "أجوبة القرطبيين" و كتاب "الأجوبة المحبرة على الأسئلة المتخيرة".
ومجمل القول أنه يمكن الوقوف على نماذج عديدة من الفقهاء الذين ساهموا في بلورة وازدهار الحركة الفقهية في عهد الدولة المرابطية بفتاويهم وتأليفهم ذكرها القاضي عياض في نوازله السالفة الذكر، كالفقيه حسن بن زكون نزيل مدينة فاس له نوازل سماها "اعتماد الحكام في مسائل الأحكام"، والفقيه عبد الله بن منصور النكوري من منطقة "النْكُور" بالريف بشمال المغرب، وأخرون لا يمكن حصرهم في سطور معدودة، ويمكن الرجوع إلى تراجمهم المبتوتة في بطون كتب التراجم والطبقات[8].
أعزائي القراء الأفاضل إن سردنا لبعض النماذج الحية من الحياة العلمية الفقهية عند الدولة المرابطية في -اقتضاب شديد- كان من أجل التذكُر وأخذ العِبر منها، والتذكير بفضل المرابطين في الحفاظ على الوحدة المذهبية والعقائدية للمغرب، وما اهتمام هذه الدولة العظيمة بالفقه والفقهاء إلا لكونها بُنيت على أسس فقهية محضة، وساسها خلفاء فقهاء قلبا وقالبا تشبعوا بالفقه المالكي وأصوله حتى النخاع، ودافعوا عنه حماية للمذهب واجتنابا للفتنة والانقسام مما ساعد على توفر الأمن والسلام الذي تنعم به بلادنا الأبية إلى عصرنا الحالي ولله الحمد والشكر، وهذا لم يمنعهم من فتح المجال أمام باقي العلوم والإبداعات التي ساهمت أيضا في إغناء الحركة العلمية والثقافية في تلك الفترة كالفلسفة والطب والهندسة والشعر، وأذكر على سبيل المثال لا الحصر "الدواوين الشعرية" التي ألفت آنذاك وطعمت البحث العلمي المغربي الأندلسي منها: ديوان أحمد بن أبي هريرة (ت520ه) وهو منشور يضم قصائد مدح حول الانتصارات التي كان المرابطون يحققونها ضد النصارى، ديوان ابراهيم بن خفاجة (ت533ه) يضم قصائد متنوعة الأحداث مثل قصيدة في استرداد مدينة "بلنسية" من قبضة القشتالين، قصيدة في مدح بعض الأمراء المرابطين، قصيدة يرثي فيها قريبا له "بأغمات"، ديوان محمد بن قزمان القرطبي (ت554ه) وهو ديوان في شعر الزجل..إلى غيره من الدواوين المنشورة التي أرخت لهذه الحقبة الزمنية[9].
وختاما نخلص أن الثقافة في العهد المرابطي قد أثرت المكتبة الإسلامية من جهة وأغنت الفقه المالكي من جهة أخرى، إذ أن الاهتمام بالفروع ساهم في إنزال الفقه إلى الواقع وتجسيده وتفعيله، ومن تم كان البحث عن الأحكام الخاصة بالنوازل الجديدة التي كانت ترد على المجتمع آنذاك المتكون من شرائح متعددة من عرب، وبربر وعجم وصقالبة، هذا التنوع بين الأجناس جعلت الظواهر التي تحتاج إلى حكم شرعي قائم على الكتاب والسنة ضرورة دينية لا مفر منها.
ولا يسعني ونحن نطوي ملف مقتطفات من الحياة العلمية عند المرابطين إلا أن أذكِّر من جديد بقول نابغة عصره العلامة سيدي عبد الله كنون رحمة الله عليه: "لقد آن للبحث العلمي أن ينصف دولة المرابطين ويقول فيها كلمة عادلة لا تتأثر بعصبية بلدانية ولا بحمية دينية..فمن الحق أن يقال أن المرابطين هم الذين مدوا حياة الأندلس السياسية، وأبقوها في قبضة الإسلام زهاء أربعة قرون أخرى..
أما اضمحلال الأندلس معنويا فليس هناك من ينكر أن الازدهار الذي عرفته في أيام المرابطين ثم الموحدين بعدهم يكاد يفوق ما كان لها منه في أيام الخلفاء وملوك الطوائف، وخاصة في ميدان العلوم والآداب؛ إن معظم أعلام الفلسفة والطب الأندلسيين هم ممن عاشوا في هذا العصر أو نبغوا بعده بقليل، وكذلك أعلام الفقه والتصوف مثل ابن رشد الكبير وأبي بكر بن العربي وابن سبعين..."[10].
-------------
1.عبد الواحد المراكشي، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تحقيق محمد العريان ومحمد العربي العلمي، ص:172، ط:7، الدار البيضاء، 1978م.
2. للمزيد أنظر: أحمد الطاهري، دراسات ومباحث في تاريخ الأندلس، ص: 91، ط:1، 1993م. وأنظر: نفس المؤلف، عامة قرطبة في عصر الخلافة، ص: 15-16، منشورات عكاظ، الرباط: 1988م. وأنظر: محمد عبد الوهاب خلاف، قرطبة الإسلامية في القرن الحادي عشر الميلادي-الخامس الهجري، الدار التونسية للنشر، تونس: 1984م.
3. طبع بالرياض في جزئين بتحقيق الباحث الموريتاني ولد ماديك.
4. كتاب نفيس حقق أجزاء منه محمد عبد الوهاب خلاف نشرها في الثمانينات في سلسلة "وثائق مستخرجة من مخطوط الأحكام الكبرى للقاضي ابن سهل".
5.طبعته دار الغرب الإسلامي ببيروت محققا في ثلاثة أجزاء.
6.طبعته دار الغرب الإسلامي ببيروت في ثلاثة أجزاء بتحقيق الباحث المختار التليلي كموضوع للدكتوراه، ط:1987م، وحققه شيخنا العلامة سيدي محمد الحبيب التجكاني كموضوع للرسالة من دار الحديث الحسنية بالرباط، طبعته دار النجاح بالمغرب، 1992م.
7.حققه أستاذ الأجيال الدكتور محمد بن شريفة، و نشرته دار الغرب الإسلامي ببيروت: 1990م.
8.انظر: القاضي عياض السبتي، تقريب المدارك وتقريب المسالك إلى قواعد الإمام مالك، تحقيق مجموعة من العلماء، طبعة وزارة الأوقاف المغربية،1983م وكتاب "الغُنية" لنفس المؤلف، وأنظر: ابن بشكوال، الصلة في تاريخ أئمة الأندلس وعلمائهم ومحدثيهم وفقهائهم وآبائهم تحقيق إبراهيم الأبياري، دار الكتاب المصري، القاهرة:1989م، وأنظر: محمد بن عبد الملك المراكشي، الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، تحقيق إحسان عباس ومحمد بن شريفة دار الثقافة بيروت:1965م. وأنظر: ابن فرحون، الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب، تحقيق محمد الأحمدي أبو النور، دار التراث القاهرة: 1972م. وأنظر: ابن الأبار البلنسي التكملة لكتاب الصلة تحقيق إبراهيم الأبياري، دار الكتاب اللبناني بيروت: 1989م.
9. أنظر: قائمة دواوين الشعر الأندلسي المطبوعة في مقال لجمعة شيخة حول: "القيمة الوثائقية في ديوان ابن الأبار"، مجلة دراسات أندلسية، عدد:2، ص: 32 وما بعدها، يونيو 1988م. وأنظر: ابن بسام الشنتريني، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، تحقيق إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت: 1980م.
10. سيدي عبد الله كنون، النبوغ المغربي في الأدب العربي، 1/65-67، دار الكتاب اللبناني، ط:2، بيروت: 1961م. وأنظر: ذكريات مشاهير المغرب لنفس المؤلف، دار الكتاب اللبناني، ط:1، بيروت:1974م.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.