ناشيد يشخص أعطاب اليسار المغربي بين اللايقين النظري والتشتت التنظيمي    المالية العمومية بالمغرب    أكبر تراجع أسبوعي للذهب منذ 2011    من جمهورية العصابات إلى دولة السجون .. القبضة الحديدية في السلفادور    الحرب على إيران تضع آلية صناعة القرار الرئاسي في إدارة ترامب تحت المجهر    ترامب يهدد إيران بتدمير محطات الطاقة    استقالة مفاجئة لطارق السكتيوي مهندس الألقاب وأنباء عن خلافته للسلامي    "اشكون كان يقول" .. مساحات رمادية مشوقة وتمطيط يلتهم روح الحكاية    سردية ثنائية الرواية والتاريخ    عناق السياسة مع الأخلاق    أكثر من 120 جريحًا في ضربات صاروخية إيرانية على مواقع إسرائيلية.. ونتنياهو يتحدث عن "ليلة صعبة للغاية"    تحركات عاجلة لإطلاق سراح الجماهير العسكرية بالقاهرة    الجيش الملكي إلى نصف نهائي إفريقيا.. والجامعة تنوه ب "العمل الكبير" للعساكر    "كلمات" عمل جديد لمنال يمزج بين الحس العاطفي والإنتاج العصري    شيماء عمران تطلّ بإصدار جديد يمزج التراث بالحداثة في "عييت نكابر"    المنتخب الوطني لأقل من 23 سنة يواجه كوت ديفوار في مباراتين وديتين    47 مصابا بديمونا الإسرائيلية في رد إيران على قصف "نظنز"    بطولة إيطاليا.. ميلان يستعيد توازنه والوصافة في انتظار خدمة من فيورنتينا    انخفاض مفرغات الصيد البحري بميناء الصويرة    إغلاق مستشفى أكادير يثير الجدل    قتيل و8 جرحى في حادثة بجرسيف    أنفوغرافيك | 9 شركات مغربية ضمن ضمن قائمة "فوربس" لأكبر 100 شركة في الشرق الأوسط    إضراب جهوي للمساعدين التربويين بسوس ماسة احتجاجا على تعثر صرف المستحقات المالية ورفض التسوية.    مديرة الأكاديمية الجهوية تشرف على تنصيب المدير الاقليمي لجديد بالحسيمة    مضيق هرمز.. الجيش الأمريكي يؤكد "تقليص" التهديد الإيراني    12 ألف مقاولة جديدة بجهة مراكش في 2025    حلحال: أتطلع لفرض نفسي مع المنتخب المغربي    معدل ملء السدود المغربية يتجاوز نسبة 72% في أول أيام فصل الربيع    تفاصيل البحث القضائي في وفاة شرطي    شغب الملاعب .. توقيف متورط في اعتداءات بالحجارة والأسلحة البيضاء وتخريب سيارات    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأحد    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية    تقرير دولي: المغرب يحتل مراتب متأخرة في مؤشر سعادة الشباب    عريضة تتجاوز 50 ألف توقيع لإلغاء التوقيت الصيفي بالمغرب    أسعار تذاكر الطيران نحو الارتفاع.. شركات أوروبية تُحذر من صيف مكلف    النيران تأتي على منزل أسرة معوزة في يوم العيد نواحي اقليم الحسيمة    قاض أميركي يلغي قيود البنتاغون على الصحافة: أمن الأمة يتطلب صحافة حرة ورأيا عاما مطلعا    "العدالة والتنمية" بأكادير يسجل ملاحظات على تدبير قطاعات محلية قبيل الاستحقاقات التشريعية    نقابة تدعو الحكومة لاتخاذ إجراءات عاجلة لضبط أسعار المحروقات    "ريمونتادا قانونية" في المغرب تدفع الإعلام الجزائري إلى نصب خيام العزاء    ترامب يدرس "تقليص" العمليات العسكرية فيما إسرائيل تواصل قصف طهران وبيروت    فتح باب الترشيح للاستفادة من دعم المشاريع الثقافية والفنية في مجال المسرح برسم الدورة الأولى لسنة 2026    يحيى يحيى: السيادة المغربية على سبتة ومليلية لا تقبل "المزايدات الأجنبية"    تداعيات الحرب على إيران تنبئ باتخاذ إجراءات تقييدية لحماية اقتصاد المغرب    "الماص" يهنئ الرجاء بذكرى التأسيس    مصادر من وزارة الصحة: إعادة بناء المركز الاستشفائي الحسن الثاني بأكادير يتم بروح من المسؤولية والإنصات والتشاور    وفاة تشاك نوريس صاحب أشهر مبارزة سينمائية ضد بروسلي    رياض السلطان يختتم برنامج مارس بعرضين مسرحيين    خبراء يحذرون من "صدمة الجسم" ويدعون لانتقال غذائي تدريجي بعد رمضان    السُّكَّرِيّ: العِبْءُ النَّفْسِيُّ لِمَرَضٍ لا يَمْنَحُ مَرِيضَهُ أَيَّ اسْتِرَاحَةٍ    رسميا.. تحديد مقدار زكاة الفطر بالمغرب لهذه السنة    كيف تتغير مستويات الكوليسترول في جسمك خلال الصيام؟    دراسة: الإفراط في الأطعمة فائقة المعالجة يهدد صحة العظام    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    خمس عادات تساعدك على نوم صحي ومريح    لا صيام بلا مقاصد    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    عمرو خالد يقدم "وصفة قرآنية" لإدارة العلاقات والنجاح في الحياة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تأملات في عقيدة لزمن الشؤم.. إبراهيم رمز الذاكرة! -الحلقة10
نشر في اليوم 24 يوم 17 - 05 - 2019

لماذا اختار العروي، بعد مسار عمري طويل، أن تكون وصيته الفكرية التي يتوج بها إنتاجه الفكري والمعرفي الغزير، عبارة عن تأملات في الكتاب العزيز؟ ما دلالة ذلك عند مفكر كبير ظل وفيا لشعاره الخالد «التاريخانية»، باعتبارها مفتاح تحررنا من التأخر التاريخي، والتحاقنا بركب التقدم الحضاري والرقي الإنساني، الذي ليس شيئا، سوى تحقيق الغرب في ديارنا؟ وماهي المسوغات التاريخية والقيمية التي تجعل العروي يعتبر الإسلام الأول هو مهد هذا الغرب والحضارة الغربية المعاصرة؟ ولماذا اختار العروي أسلوب الرسالة لبث بنود وصيته هذه، التي وسمها ب»عقيدة لزمن الشؤم»؟ ولماذا اختار النطق على لسان امرأة؟ هل لأن المرأة ، بحكم ما تكابده من أشكال المنع والميز، في عالمنا، أقرب إلى الحقيقة كما يعتقد؟ هذه وغيرها من الأسئلة الكثيرة التي سنحاول إثارتها ونحن نتأمل في «عقيدة» العروي التي استخلصها من معايشته للقرآن الكريم.
كيف نستأنس بتجربة الفلاسفة، وما راكموه من أنساق ميتافيزيقية، وهم الذين أدمن العروي على انتقادهم، كما يقول محمد المصباحي، وغالى في السخرية من طرائقهم وأقاويلهم؟ فالفيلسوف عند العروي غامض من شدة ادعائه الوضوح، وسطحي من حيث يعتقد أنه عميق، إنه ذاك الذي “يسود الصفحات لا ليعقل شاردة، بل لكي لا يخلص إلى بداهة (..) يخلص إلى تفاهة” (السنة والإصلاح ص14)
ينتقد العروي، وكما ذكرنا سابقا، الفيلسوف الرسمي – التقليدي، إنه يرفض الفلسفة التقليدية ويدعو إلى فلسفة جديدة، تعيد النظر في تاريخ الفلسفة الموروثة، الذي “ظل فيه الفيلسوف” مشغولا بالنقل والترجمة، فلم يسأل نفسه إلا في فترة جد متأخرة: وماذا كان قبل الإغريق، ذاك الذي لم يذكروه قط وضمنوه فقط؟”. (السنة والإصلاح ص 15)
إن أي تاريخ جديد للفلسفة عليه أن يضع في الاعتبار تساؤلين اثنين مركزين:
أولهما بصدد تأثير اكتشاف الكتابة واللغات السامية على ظهور الفلسفة الإغريقية؛ وثانيهما، التساؤل حول ما إذا كانت الفلسفة الإنسية حقا هي التي سبقت ما يسميه بالسجل الهليستيني (= الفلسفة المدرسية السقراطية التي نقلت من اليونانية إلى اللاتينية والسريانية، ثم إلى العربية ومنها إلى العبرية واللاتينية مجددا”. (السنة والإصلاح ص15,16).
هذا السجل المنقول عبر لغات متعددة، وعبر وسائط مختلفة، يعتبره العروي مجرد “مساجلة مع الأشباح”، لم يتبق منها من أقوال عن الكون والإنسان سوى قصص وخيالات، لا تجد نفعا، اللهم إذا استثنينا المنطق، فالفلسفة لم تنفصل يوما، حسب اعتقاد العروي عن الثيولوجيا والسياسة. (السنة والإصلاح ص 16)
من أجل ذلك كله، فالفلسفة، والكلام، أو الثيولوجيا، لا تصلحا إلا للاستئناس فقط، أما الأصل في فهم الكتاب العزيز، فهو الكتاب العزيز، والتفاعل المباشر معه؛ ذاك هو منهج العروي، حيث ستكون محطته الأولى التجربة الإبراهيمية في الكتاب، بما هي وعد، وذاكرة، وتوبة ونداء.
فإبراهيم ابن الحضارة المارق، هجرها ليتحرر منها، ويتخلص من قيودها وأغلالها، وفي هجرته لها، لم يختر الإقامة لا قريبا منها ولا بعيدا عنها، ولم يتخذ له مسكنا لا داخلها ولا خارجها، وإنما اختار البقاء على هامش حافتها؛ فهو، أي إبراهيم الخليل، “يعرف عنها ما يحاكمها به. يعلم منها ما يكفيه ليقاومها بأسلحتها، العقلية والوجدانية” (السنة والإصلاح ص 54)، إن كل تغيير حقيقي للمركز لا يمكن أن يتم إلا من هوامش المركزذاته، لا من من خارجه ولا من داخله.
يتوقف العروي مطولا عند دعاء إبراهيم الذي يمثل خاتمة حقبة طويلة، “آثارها مبثوثة في الكلمات، في العبارات والتشبيهات، في القصص والأمثال..”. كما يعني، بالنسبة إلى معرب “دين الفطرة”، نداء وجوابا، ومحطة لالتقاء الثقافات المتوسطية. (السنة والإصلاح ص 59)
لقد رفع إبراهيم نداءه بحثا عن مخرج من الخيبة والقلق واليأس الذي عم الأرض؛ بعدما “تحقق الناس أن كثرة الأرباب وتعدد الآلهة لا يضمن أمنا ولا استقرارا، فجاء جواب النداء كشفا عن هذا الذي لم يتحقق منذ عهود، “ها الواحد الأحد، الدائم المتعالي، من لا يشاهد إلا في آياته ولا يسمى إلا بصفات أفعاله، والذي، رغم كل هذا، هو دائما حاضر معنا، قريب منا، حافظ لنا، معتن بنا، سميع مجيب، كريم مفضال، ها هو يجود علينا به منا وإكراما، الآن وإلى الأبد. وفي الحين ينتفي القلق وتذهب الحيرة”. (السنة والإصلاح ص 62).
ولم يكن المخرج الذي اهتدى إليه إبراهيم لمعالجة الداء الذي أصاب الحضارة والإنسان في زمن، سوى ترياق عقيدة التوحيد.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.