مجلس الحكومة يصادق على مشروع قانون يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة    سانشيز يدعو إلى تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب    الحكومة تصادق على قانون المحاماة    بايتاس: الإصلاحات الجبائية حققت موارد مالية بقيمة 366 مليار درهم وسمحت بتمويل المشاريع الاجتماعية    الحكومة تقر إحداث أجرة عن خدمات مؤسسات التكوين الفندقي والسياحي    ماكرون: أمريكا تتجاهل القواعد الدولية    إجراء قرعة كأس أمم إفريقيا للسيدات (المغرب 2026) يوم 15 يناير الجاري والإعلان عن الفائزات المتبقيات في فئات جوائز "الكاف" 2025    نشرة إنذارية.. موجة برد من الجمعة إلى الأحد بعدد من مناطق المملكة    مدرب الكاميرون .. العامل الذهني سيكون حاسما في مباراة ربع النهائي أمام المغرب    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الجمعة    الدرك يطيح بمروج للكوكايين بضواحي تطوان    حمزة إيغامان: "حالتي الصحية جيدة"    مدرب الكاميرون: المغرب المرشح الأبرز    موجة برد تمتد إلى الأحد بهذه الأقاليم    الأمم المتحدة تختار السيد هلال لمراجعة استراتيجيتها لمكافحة الإرهاب        إضراب وطني لموظفي التعليم العالي يوم 20 يناير مع وقفة احتجاجية أمام الوزارة    أسود الأطلس في اختبار حاسم أمام الكاميرون    "همم": ياسين بنشقرون يخوض إضرابا مفتوحا عن الطعام منذ اعتقاله قبل 16 يوما        استدعاء وزير الفلاحة للبرلمان لمناقشة اختلالات استيراد وتخزين القمح    "الإمارات للدواء" تسحب بعض منتجات حليب الأطفال "نستله"    عامل برشيد يوقف رئيس جماعة الدروة    إصابة مادورو وزوجته خلال الاعتقال    الولايات المتحدة تنسحب من 66 منظمة دولية بينها 31 أممية    الانخفاض يفتتح تداولات بورصة الدار البيضاء    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الخميس    سحب حليب أطفال بعدة دول .. و"أونسا" يؤكد سلامة السوق المغربية    السكك الحديدية الصينية تنقل 4.59 مليار مسافر خلال 2025        عدد المتفرجين الذي حضروا مباريات "كان المغرب" يقترب من المليون    قرنان ونصف من الثقة: كيف تحولت الصداقة المغربية-الأمريكية إلى شراكة جيوسياسية    الاعتداء على إمام بالسلاح الأبيض بدوار المنادلة... جريمة تهز القيم وتستفز الضمير الجماعي بالجديدة    الجمعية العامة للأمم المتحدة.. تعيين هلال للمشاركة في تيسير مراجعة الاستراتيجية العالمية الأممية لمكافحة الإرهاب    الحبس لمتزوجة وخليلها بالجديدة.. استغلت غياب زوجها وعائلته تضبطها في حالة تلبس داخل منزلها    فيدرالية الأحياء السكنية بالجديدة تلتقي مع المدير الإقليمي للشركة الجهوية متعددة الخدمات االبيضاء سطات    تحذير عاجل.. ميزة خفية في Gmail قد تضع خصوصية المستخدمين على المحك    "التعري الافتراضي".. الوجه المظلم للذكاء الاصطناعي وتهديد خطير للخصوصية    زياش و"الكان"... حينما تسقط القوانين قناع الإشاعة    مطار محمد الخامس.. إسناد صفقة بناء المحطة الجوية الجديدة للتجمع المغربي "SGTM" و"TGCC"    كرة القدم.. نيمار يمدد عقده مع سانتوس حتى نهاية 2026        جامعة الشيلي تمنح ميدالية رئاستها لسفيرة المغرب كنزة الغالي    بالأمازيغية: «سال سال امجرب نومرك» ديو غنائي يجمع محمد بزي ومصطفى بولاربيح    من تنظيم جمعية جوهرة الفنون الثقافية الدورة الرابعة لمهرجان تارودانت الدولي لفنون الشارع    مسرح العرائس بين التكوين والاعتراف الثقافي: تجربة الكراكيز القفازية بأيت ملول نموذجا    أكلات أمازيغية تستهوي زوار "الكان" وضيوفه في سوس    الرباط والبيضاء ومراكش تحتضن الدورة 31 لأسابيع الفيلم الأوروبي من 28 يناير إلى 11 فبراير    مهرجان "حلالة العربي".. صرخة إبداع في وجه الفقر الثقافي    رمضان بلا "سيتكومات".. التلفزة المغربية تطوي صفحة كوميديا الانتقادات    هيئات تطالب الداخلية والثقافة بالتحقيق في أبحاث أثرية سرية غير مرخصة جنوب المغرب    نستله تسحب حليب أطفال من أسواق أوروبية بعد رصد خلل في الجودة    دراسة علمية تبرز قدرة الدماغ على التنسيق بين المعلومات السريعة والبطيئة    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    رهبة الكون تسحق غرور البشر    بلاغ بحمّى الكلام    فجيج في عيون وثائقها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الزمن الذي كان.. الادريسي: الاستقلاليون يُنكرون على غيرهم صفة «الوطنية» -الحلقة12
نشر في اليوم 24 يوم 22 - 05 - 2019

من عمق شمال المغرب، ريف آيث ورياغل، إلى طنجة والجزائر وتونس، ثم العودة إلى المغرب: إلى جامعة محمد الخامس بالرباط، قبل أن تقوده غواية الحركة إلى كندا، نصحب الجامعي، الباحث في تاريخ الفكر السياسي في الإسلام، والدبلوماسي، علي الإدريسي، في عملية سبر أغوار ذاكرة متدفقة. في هذه الحلقات الرمضانية، يعيد الإدريسي بناء الأحداث، وتقييم مسارات أزمنة، واستخلاص الدروس. ف«الحديث عن الزمن الذي عشناه وعايشنا أحداثه وظرفياته لا يعني استرجاعه، كما تسترجعه كاميرات التصوير، بل استحضارا لوقائع معينة كان لها تأثير إيجابي أو سلبي على الذات، وعلى المجتمع الذي ننتسب إليه». كل ذلك بعين ناقدة ذاتية-موضوعية، لعل في عملية التذكر تلك للزمن الذي مضى ما يفيد الأجيال الحالية واللاحقة.
تحدثت بكثير من الألم والاستنكار عن تعامل المعلمين والأساتذة مع تلامذتهم في الحسيمة، فهل وجدت الوضع أفضل في طنجة؟
أجاب الإمام الشافعي عن أسباب تغيير بعض آرائه أثناء إقامته في مصر عما كان يقول به في العراق، بأن الأمر يعود إلى تغير الزمن، واختلاف المجتمع والمكان. وقياسا على هذا الرأي يمكن القول: إن التعليم في طنجة كان يتمتع بتقاليد راسخة تختلف عن تلك التي حملها معهم المعلمون المستقدَمون إلى الريف؛ إما جهلا بالقيم الثقافية المحلية، أو بما أملي عليهم من طرف الذين “جندوهم” للتعليم في الريف.
وكان جل المدرسين في طنجة من أبناء المنطقة العارفين والمحترِمين لثقافة المدينة وقيمها. أما المدرسون المتحدرون من مناطق داخلية فكانوا سرعان ما يستوعبون ثقافة سكان طنجة ويتجنبون إعلان معاداتها، وإلا سيتعرضون للاستهزاء والمقاطعة.
وبالنسبة إلينا نحن التلامذة الجدد القادمون من الريف، لم يكن يغيب عنا أن كثيرا من ساكنة طنجة تعود أصولهم إلى الريف؛ وقد أشرت في حلقة سابقة إلى أنها كانت من بين المدن التي يهاجر إليها الريفيون. غير أن بعض الأساتذة كانوا ضحايا شعار “اروافة مساخيط سيدنا”، وكانوا تبعا لذلك ينتقمون ممن يبدو في كلامهم اللكنة الريفية.
وماذا عن أساتذتك المصريين؟
شكل وجود مدرسين مصريين في التعليم العمومي، الذين استقدمتهم الدولة لتحقيق مطلب شعبية التعليم وتعريبه، عنصرا إضافيا لتحبيب التعليم للتلاميذ، فقد كانوا يتميزون عن كثير من زملائهم المغاربة بمنهجهم المتميز بتبسيط مواد الدروس وتنظيمها بيداغوجيا، مع ضبط المصطلحات المقدمة للتلاميذ، على عكس مدرسين مغاربة؛ وخاصة منهم المدرسين باللغة العربية. لكن، أعتقد اليوم بأنه كان هناك سبب آخر لمعزة الأساتذة المصريين وحبنا لهم، كونهم جاؤوا من مصر جمال عبد الناصر، وعبد الناصر يومذاك عنوان أخّاذ جذاب للعواطف، كما كانت إذاعة صوت العرب من القاهرة، تستهوي قلوب مغاربة كثيرين وكنت بينهم. ثم أن مصر كان لها تقدير خاص بسبب احتضانها قيادات وزعماء التحرر الوطني للأقطار المغربية.
هل أفهم من كلامك أن طنجة بالنسبة إليك لم تكن مقصدا للدراسة فقط، وإنما كانت المحطة الأولى لتشكّل معتقداتك السياسية؟
كان المجتمع الطنجي في تلك الآونة يزخر بتيارات سياسية نشطة، مثله كمثل باقي المدن المغربية، أولها تأسيس “حزب الحركة الشعبية” الذي قيل عنه يومذاك بأنه حزب البوادي الأمازيغية، وثانيها “حزب الا تحاد الوطني للقوات الشعبية” المنشق عن صفوف “حزب الاستقلال” بشعاراته التقدمية. إضافة إلى “الحزب الشيوعي”، وبقايا “حزب الشورى والاستقلال” الذي تعرض للتصفية في الأيام الأولى من الاستقلال، وانضمام من نجا من قياداته إلى حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، أو إلى “حزب جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية” الذي ظهر في أوائل 1963، إلخ… وكان الطنجاويون يتفاعلون كذلك مع ما كان يصل من الدعاية الناصرية والقومية التي حملها في جرابهم الطلبة العائدون من دول المشرق، وكذا بعض الأساتذة المستقدَمون من هناك.
ولأول مرة سمعت عبارة “التقدمي” التي كانت أهم شعار يرفعه حزب “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية” و”الحزب الشيوعي”. وفي المقابل كانت عبارة “الرجعي”، تطلق على حزب الاستقلال بصفة خاصة. وعبارة “العنصري” كانت تطلق على حزب الحركة الشعبية. أما حزب جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية الشهيرة ب(الفيديكFDIC) فالصفة التي ألصقت به هي “حزب الإدارة”. وفي هذا المناخ الحزبي والبروباغاندي تشكلت معتقداتي السياسية لفترة من الزمن.
وماهي أهم ذكرياتك عن فترة التشكل تلك؟
كان المنتمون إلى حزب الاستقلال يُنكرون على غيرهم صفة “الوطنية”. وكان المدرسون المنتمون إلى حزب الاستقلال يُشهرون ذلك في الأقسام. وكنا نحن التلاميذ غير المتعاطفين مع حزب الاستقلال يغضبنا ادعاءهم. مما يُحوّل حصص دروس كثيرة إلى مجابهة جدالية عقيمة، لكنها كانت بالنسبة إلينا دفاعا مشروعا عن وطنيتنا التي لا يحق لأي كان أن يسلبها منا، خاصة بالنسبة إلينا نحن أبناء الريف المعتزين بكفاحهم الوطني.
وكان حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية يركز على تحقيق العدالة الاجتماعية، واستنكار التبعية للاستعمار الجديد والإمبريالية، ومناهضة الرجعية المحلية، ومحاربة التخلف، واعتبار التعددية الحزبية تقسيما لصفوف الشعب وتشتيتا للوحدة الوطنية. ومما لا شك فيه كانت تلك العبارات تجد صدى قويا في مشاعر الشاب القادم من الريف الذي كانت مطالب انتفاضة أواخر الخمسينيات تعكسها بعض تلك الشعارات.
أما حزب الحركة الشعبية، المتهم من قبل الحزبين السابقين بالعنصرية، والمتهم من قبل المنتفضين في الريف بالزج بالساكنة في حرب غير متكافئة مع المخزن، وفي مرمى قذائف الطيران الفرنسي مجددا، وإضفاء الشرعية على من وصفهم ب”مساخيط سيدنا”، وعلى ما قاله ولي العهد آنذاك بأنه ذهب إلى الريف ل”تربية” الريفيين، وفقا لتعبيره في مؤتمره الصحفي في فبراير 1959، بعد عودته من الريف. لذلك لم تتجه مشاعري أبدا إلى التعاطف مع حزب الحركة الشعبية.
أما الحزب الشيوعي فلم تكن دعايته مؤثرة، خاصة أن الذي كان يناضل من أجل نشر الأيديولوجية الماركسية في طنجة هو تلامذة Lycée Regnault بالدرجة الأولى. وأتذكر بالمناسبة أن أحد تلامذته، وأعتقد أن لقبه “أقلعي” حاول مرات ومرات تجنيدي في صفوف الحزب. وكان يذكر أمامي بكثير من التقدير والتبجيل “كارل ماركس”، فقلت له مرة بكل عفوية الجاهل بالأمور، “ماركس هذا رسول أم نبي”؟، كما كنت وآخرين لا نفرق بين الشيوعية والشيعة، ولم يكن لي ولكثير غيري سابق معرفة بأحدهما.
في هذا التلاطم الحزبي، وفي استمرار الشعور بالظلم المخزني وحزب الاستقلال في أحداث الريف، مالت مشاعري بتلقائية مقصودة إلى الأخذ بشعارات الاتحاد الوطني للقوات لشعبية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.