الصويرة فضاء لتعزيز ثقافة التسامح والتعايش بالمؤسسات المدرسية والجامعية    بحضور المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير الإعلان عن إطلاق «دفاتر الوثائق التاريخية» في الذكرى 106 لمعركة لهري    تحليل قاموس المصطلحات في قرارات مجلس الأمن بشأن الصحراء    "اختراق العدالة والتنمية" يؤجج الخلافات داخل الهيئة الوطنية للعدول    المكاسب الدبلوماسية مستمرة.. ‘هايتي' تفتح قنصليتها بالداخلة كأول بلد غير عربي وغير إفريقي    كحول مغشوش يودي بحياة 6 أشخاص في الجزائر    شركة Oppo تفاجئ العالم بهاتف لم يسبق له مثيل! (فيديو)    ببني ملال – خنيفرة مشروع «دعم تعزيز التسامح والسلوك المدني بالوسط المدرسي»    طنجة .. ضرورة محاربة البناء العشوائي والمرخص في المجال الغابوي    مركب اجتماعي يتعزز بعيادة طبية في بني ملال    محكمة مراكش تؤخر ملف جريمة مقهى "لاكريم"    جديد التراث التحرري لشمال المغرب: مؤسسة عبد الخالق الطريس تدشن انطلاقتها العلمية    هل يتطلب تفادي انهيار منظومة الصحة اللجوء إلى الحجر الجزئي؟    نادي الزمالك يراهن على أوناجم في الموسم الجديد    في غياب ميسي.. برشلونة يبحث عن حسم التأهل إلى دور ال16 من دوري أبطال أوربا أمام دينامو كييف    الجواهري يرسم صورة قاتمة عن الوضع الاقتصادي للبلاد ويدعو إلى تسريع الاصلاحات    محمد رضى يغني: الكركارات مغربية – فيديو    سناء مرحاتي تتعافى من كورونا    جدل "الولاية الثالثة" يصل إخوان تونس والغنوشي يؤكد احترامه للقانون    تشيلسي يفوز على رين ويضمن التأهل إلى دور ال16 لمسابقة دوري أبطال أوروبا    إشبيلية يتغلب على كراسنودار ويعبر إلى دور ال16 لعصبة أبطال أوروبا.    فرنسا تشرع في تخفيف إجراءات قيود الحجر الصحي وماكرون يكشف خطة الشروع في اللقاح    البعد الاقتصادي لمعبر الكركرات يكشف حقيقة "البوليساريو"    نقطة نظام.. أنترناسيونال    وزارة الصحة: المغرب اقترب الأسبوع الماضي من تسجيل مائة وفاة يومية بكورونا    اللقاح الروسي على أبواب المغرب.. مصدر مسؤول: المغرب لم يوقع بعد أي اتفاقية مع روسيا لكننا نتفاوض قبل الترخيص    الدوليون المغاربة يقودون تشيلسي وإشبيلية مبكراً لدور ال16 لعصبة أبطال أوربا    الانتخابات الأمريكية: جو بايدن يعلن أسماء مرشحين لمناصب مهمة في إدارته المرتقبة    المسرح الحساني يطل على جمهوره عن بعد    توقيف شخصين في قضية نصب واحتيال في مبالغ مالية بلغ مجموعها 9 ملايين    أحد مؤسسي البوليساريو يتحدث عن القمع في مخيمات تندوف وعلاقة موريتانيا بالجبهة    برنامج "انطلاقة".. الجواهري: 1.9 مليار درهم لفائدة 9443 مستفيدا إلى غاية 15 نونبر    المصالحة الوطنية وتوحيد المجلس التشريعي يلمان شمل الفرقاء الليبيين في طنجة    يعيش بين القضبان.. "مسيّر"بشيشاوة يسطو على ضيعات طبيب عيون ويختلس الملايير    مظاهرات داعمة للصحراء المغربية في مدينة أشدود بإسرائيل(فيديو)    من الشمش للشتا والريح والثلج. يوعابد شرح تفاصيل التقلب الجوي المفاجئ اللي غتعرفو البلاد ابتداء من غدا عبر "كود": هذشي ناتج على اقتراب منخفض جوي غيجيب معاه ريح وسحاب ممطرة    عقوبته تصل ل20 سنة… أول حكم قضائي بحق زوج نانسي عجرم    ارتفاع عدد الدوليين المصابين ب"كورونا" يثير تساؤلات لدى المتابعين المغاربة    "تعديل السيارات".. تجارة تجد صدى واسعا لدى الشباب المغاربة    السجن 10 سنوات لامرأة رمت أطفالها من عمارة    أرقام رسمية تكشف تراجع الصيد الساحلي والتقليدي    الوداد والرجاء يتعرفان على خصميهما في دوري الابطال    هذا تاريخنا يدلُّ علينا.. فانظرُوا بعدنا إلى التّاريخ!    بشكل غير مسبوق.. انخفاض حركة النقل الجوي بمطار مراكش    الفساد قدر إفريقيا    أمريكا بَعيداً عَن لغة الرَّكَاكَة    اقليم الناظور يسجل 38 إصابة جديدة مؤكدة ب"كورونا" في 24 ساعة    الجواهري يعلن عن إطلاق صندوق ضمان لفائدة جمعيات القروض الصغرى    رسمياً…وقف محمد رمضان عن العمل بتهمة "التطبيع مع إسرائيل"    نشرة خاصة.. تساقطات ثلجية ورياح قوية بعدة مناطق في المملكة    مشاركة 18 شريطا في الدورة التاسعة للمهرجان المغاربي للفيلم بوجدة    بسبب كورونا.. استهلاك الأوكسجين في المغرب تضاعف ب 15 مرة    إشارة إيجابية قبل الزيارة الملكية..موريتانيا تبسط إجراءات التأشيرة للمقاولين المغاربة    هذه أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الدرهم اليوم الثلاثاء    أسباب ركود العقل الإسلامي وعواقبه    أشهر داعية في الجزائر يستنكر حقد جنرالات النظام العسكري على المغرب ويصف البوليساريو بالعصابة(فيديو)    إدريس الكنبوري: بناء مسجد بالكركرات نداء سلام- حوار    معارج الكمال وأسرار الجلال    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





سعيدة الكامل تكتب: «الحصلة» و«الحي الخطير»
نشر في اليوم 24 يوم 23 - 10 - 2020

إن رميت بحجر في بركة، فلا بد أن يخلق حركة في المياه الراكدة، وهذا ما فعله الفيلم الوثائقي الأخير لمخرجته صونيا التراب بعنوان «الحصلة»، حين «تجرأت» على فتح باب الحي المحمدي بالدار البيضاء بكاميرا تضع جزءا من واقع شبابه على مرأى ومسمع المشاهدين، فكان أن «حصلت» مع أولاد الحي الغيورين على صورة الحي الموشومة في الذاكرة، والتي حملتها أسماء أبدعت في الفن وسكنت وجدان المغاربة منذ عقود، والذين لم يرغبوا في أن تتحول تلك الصورة إلى صورة نمطية حول شبابه الحالي، كأنه كله شباب تائه تلتهم الأيام الشقية أيام عمره، ويقع في شراك المخدرات وفخ انتظار قارب منقذ يعبر بأحلامهم إلى الضفة الأخرى قد يأتي وقد لا يأتي، وقد يعبر الحلم، وقد يظل عالقا في الانتظار. انطلقت غالبية الانتقادات من: «أنا أيضا ابن الحي، وليس الحي الذي أعرفه هو الذي صورته التراب. ذلك التراب ليس تراب حينا. الحي عصي على أن يفتح أسراره أمام أول زائر غريب، وإن زاره وكرر الزيارة سنة. نحن من يعرف الحي أكثر منك يا مخرجة أخرجت فيلما ومازالت لم تدخل الحي بعد، وإن جالست وحدثت بعضا من شبابه، لقد طرقت الباب فقط»... هذا جزء من مضمون الانتقادات التي واجه بها نشطاء جمعويون وسياسيون وبعض النقاد والمبدعين فيلم «الحصلة»، وانطلقت غالبيتها من مركزية الحي، وبأن عين كاميرا التراب لم تحسن التصويب في الرؤية.
يبدو العنوان أكبر إنجاز لفيلم أراد نقل وضعية شريحة مهملة اجتماعيا وسياسيا ومحرومة من حقها في الكلام بلا لغة مصففة، وهو أسلوب لجأ إليه سابقا نبيل عيوش في معالجة وضعية «أطفال الشوارع». التجرؤ على مواضيع من هذا القبيل في حد ذاته يصدم جزءا من المتلقين الذين تصدمهم الصورة أكثر من الواقع، والكلمة أكثر من الوضعية المتحدث عنها، خاصة حينما تُبث على شاشة تلفاز عمومي. ليس المقام مقام الخوض في نقاش حول نواقص الفيلم من زاوية نقد سينمائي انطلق بعض رواده من لازمة «أنا ابن الحي»، الأمر الذي لم يقع حينما كتب الروائي والشاعر محمد بنميلود رواية حظيت بمقروئية واسعة في المغرب وخارجه بعنوان «الحي الخطير»، عرى فيها الكاتب في قالب إبداعي نتوءات بنية مجتمعية ترمي بجزء من شبابها على هامش طرق السير، وانطلق هو الآخر من حي يجاور وادي أبي رقراق بالرباط، ويرصد «الحصلة» فيه بكل مظاهر العطب الاجتماعي والسياسي، ناقلا صورة قاسية عن كيف يتخبط شباب في العثور على مخرج من «حصلتهم» بالحي، إلى درجة يصير فصل الرواية الأخير: «الهروب»، «ولدت لأهرب»، «أنا حي فقط لأهرب.. إنها مسألة وقت فقط»، جملة قصيرة في رواية ثقيلة تختزل حلم الهرب، وتكون آخر ما تنطق به الشخصية الراغبة في الهرب من السجن ومن الحي، حتى يلتبس الأمر أيهما يسجن الآخر. ولأن وقع الكلمات ليس كوقع الصورة، والأثر على القارئ ليس كالأثر على المشاهد، ومن سمع ورأى ليس كمن قرأ، لم ينتفض أهل الحي بالرباط، الذي لا يخلو هو الآخر من مبدعين وجمعويين وسياسيين ليقولوا لبنميلود: «ذاك ليس حينا الذي نعرفه». ليس المهم أن يشبه الحيُّ الحيَّ، لكن المهم هو ما تنطق به الأرقام، فإن كانت الصورة قاسية أو لم تنجح في نقل وضعية شباب حي أو أحياء أخرى، فماذا عن الأرقام الرسمية التي تشي بأزمة حقيقية وسط الشباب في بلد من حظه أن تكون به فئة عمرية واسعة شابة، من سوء حظها أن البطالة وضيق مجال الأحلام آفة تجعل نسبا كبيرة منها ترغب في وضع أحلامها وحتى شهاداتها الدراسية تحت إبطها وتهرب، وكلمة الهرب ربما أبلغ من الهجرة.
لم يتقبل البعض الصورة من باب أنها تسيء إلى حي عريق له ماضٍ عريق.. من باب أن الصورة الجملية يجب ألا تخدش، ويدفعون بالقول إن الحي خرجت من رحمه مجموعات غنائية بصمت تاريخ الفن بالمغرب، ومواهب أخرى من كتاب ورياضيين، ويوجهون نقدا غارقا في النوستالجيا، ولعل جملة وردت على لسان شاب يافع في الوثائقي كانت بليغة في التعبير عن هذه «النوستالجيا» إذ قال: «الماضي هو لي باقي زوين في الحي المحمدي»، يتحدث عن الماضي بصيغة الحاضر.. ماضٍ لم يمض، وحاضر يتغذى على إشراقات من زمن مضى، وبين الزمنين يظهر الفارق بين الأجيال في ما يشكل الذوق الجمالي والميل التعبيري عن حاجات كل جيل.. جيل يحفظ «في بلادي ظلموني» ويشعر بأنها تعبر عنه، كما يطرب عاشق الغيوان أو المشاهب لأغانٍ يرى فيها تعبيرا جماليا بلغة تكتنز أحلام جيل آخر وتطلعاته. على كل، فالمكانة التاريخية لحي يقع في أكبر حواضر المغرب تفرض أن يخلف التطرق إليه ردود فعل، إلا أن محاولة فهم واقع شريحة الشباب، الذي غدرت به الظروف الاجتماعية والثقافية والسياسية، لا تعني المقارنة بما مضى.. هذا زمن آخر وجراح أخرى تحيا الآن وهنا ولها تعبيراتها الجديدة.
كم من الأحياء يعيش شبابها الأعطاب نفسها؛ العطالة والهدر المدرسي وحلم الهجرة وآفة المخدرات؟ على كم من الأحياء تتوزع النسبة المهولة التي كشفتها المندوبية السامية للتخطيط سابقا حينما أعلنت أن واحدا من أربعة شباب، تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، لا يدرس ولا يزاول أي عمل، ولا يستفيد من أي تكوين، أي حوالي ربع شباب المغرب. هذا قبل أربع سنوات، أما الأرقام الرسمية الأخيرة، فأفادت بارتفاع البطالة في الفصل الثاني من عام 2020، وبأن الشباب هم الأكثر تضررا، فأي مصير ينتظر هذه النسبة سوى السقوط زبائن-ضحايا لشبكات الاتجار في المخدرات والمتاجرين في وهم فردوس ما ورواء البحار؟ أليست هذه حصلة ما بعدها حصلة؟ أليست الأرقام التي تعلنها من حين لآخر مراكز دراسات حول سيطرة فكرة الهجرة على الشباب المغرب تشي بأن البلد في «حصلة» خطيرة حاضرا ومستقبلا، فالذين يهاجرون هم مستقبل هرب، والذين لم يفعلوا ذلك إلى حدود الساعة يتحدثون كأنهم عالقون. إنهم مستقبل عالق يبحث عن أول فرصة للفرار، وإذا ما أضيفت إلى أرقام الهجرة السرية الأرقام التي تتحدث عن الهجرة في صفوف الأطر العليا، فالأمر أكبر بكثير مما عكسه الوثائقي الذي حمل عنوانا يعبر عن هم أكبر مما رصدته كاميرا في حي «الحصلة».. عنوان بلد فشلت فيه منظومات إصلاح التعليم بشكل متوالٍ، ومستشفياته بلا أسرَّة ولا أوكسجين يكفي المرضى في زمن الوباء، وتزداد فيه مؤشرات فساد الإدارة، وكل هذه الأعطاب المجتمعية الناتجة عن فشل السياسة التدبيرية ونموذج التنمية يحوطها مشهد سياسي يراوغ النفق المسدود، لكنه يمضي إليه بتؤدة في مناخ تغلق فيه نوافذ الحرية تباعا.. أليست كل أسباب الهرب قائمة؟ «لقد هربوا بطريقتهم دون أن يعرفوا أن سبب الوحل هو ذلك السحاب»، يقول بنميلود في حيه الخطير.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.