عبد الرزاق مختار عبد القادر * الثلاثاء 20 يناير 2026 - 16:45 شهادة على مسار الدولة الليبية سلسلة مذكرات سياسية - 2/2 لقراءة الجزء الأول: 1 وتعمّق هذا المسار المأزوم أكثر مع أحداث عام 2014، حيث شهدت البلاد واحدة من أكثر الوقائع إيلاماً، وهي أحداث غرغور، التي سقط فيها عدد كبير من الضحايا في مشهد جسّد إلى أي حدّ انزلقت الخلافات السياسية إلى مواجهات دموية، وعمّقت مشاعر الاحتقان والكراهية بين الليبيين. وفي العام نفسه، جاءت فاجعة فخر ليبيا لتؤكد أن الدولة كانت قد فقدت السيطرة على المشهد الأمني، وأن أرواح المواطنين باتت تُدفع ثمناً لصراع سياسي بلا ضوابط ولا أفق واضح. وفي السياق ذاته، كانت خارطة الطريق التي أقرّها المؤتمر الوطني العام، والتي أفضت إلى انتخاب مجلس النواب، تمثّل في ظاهرها محاولة لتجديد الشرعية، لكنها افتقرت منذ البداية إلى التحصين القانوني والسياسي الكافي. وما لبث أن تم رفع قضية دستورية أدّت إلى إلغاء مجلس النواب، وهو القرار الذي شكّل نقطة التحول الأخطر في المسار السياسي، إذ فتح الباب أمام بداية الانقسام الحكومي وعودة المؤتمر الوطني العام إلى واجهة السلطة، في مشهد أعاد البلاد إلى نقطة الصفر، وأدخلها في حالة ازدواج سياسي ومؤسسي ما زالت آثارها مستمرة حتى اليوم. ومع هذا الانقسام، تعمّق الفراغ الدستوري، وتعدّدت مراكز القرار، وتراجعت ثقة المواطن في العملية السياسية برمتها. ثم جاء اتفاق الصخيرات بوصفه محاولة دولية لاحتواء الأزمة وتوحيد المؤسسات، غير أن الاتفاق، الذي كان من المفترض أن يكون مرحلياً ومحدود الزمن، استمر عملياً لما يقارب خمس سنوات، دون أن يحقق أهدافه الأساسية في توحيد السلطة، أو إنهاء الانقسام، أو الوصول إلى انتخابات شاملة، بل أصبح جزءاً من الأزمة بدل أن يكون حلاً لها. تفاقم المشهد لاحقًا مع الصدامات المسلحة والانقسامات السياسية، من عملية الكرامة التي انطلقت في بنغازي، إلى هجوم عام 2019 على طرابلس، في وقت كان يفترض فيه الذهاب إلى غدامس والمقترح الأممي. وبدل المسار السياسي، فُتحت أبواب الحرب، وتحول الخلاف إلى صراع بين الشرق والغرب، دفع ثمنه المواطن الليبي. تواصلت الأزمة مع انعقاد لجنة الحوار السياسي في جنيف، التي شُكّلت دون تفويض انتخابي مباشر، وأنتجت مجلساً رئاسياً وحكومة مؤقتة كان من المفترض أن تستمر لمدة عام واحد، توحّد خلاله المؤسسات وتُجرى انتخابات عامة. غير أن ذلك لم يحدث. استمرّت الحكومة خارج المدة المحددة، ورفضت تسليم السلطة للحكومة التي اختارها مجلس النواب، ما أدّى إلى وجود حكومتين، وانقسام سياسي وإداري استمر لسنوات ولا يزال يلقي بظلاله على الدولة. وإذ نحن بصدد ذكر الحكومات وتعددها نقف قليلا امام الحكومة التي لم تمكن من مباشرة عملها إقصاء وقسراً فقط لان بعض أعضاء المؤتمر الوطني كان لهم اري اخر مخالف لتمكينها وهذه الحكومة هي حكومة السيد مصطفي بوشاقور التي كان من المأمول ان تلعب دوراً مهماً وفاعلا في مسيرة بناء الدولة ولكن المزاجية وعدم تقديم مصلحة الوطن عما سواها أدى الى محاربتها قبل بلوغها مقاعد التنفيذ وتم تقديم حكومة أخرى من قبل المؤتمر الوطني في ظروف غريبة عجيبة. هكذا، لم تكن الأزمة الليبية نتيجة حدث واحد، بل حصيلة مسار طويل من القرارات الخاطئة، والفرص الضائعة، وغياب الحسم، وتقديم المصالح الضيقة على مصلحة الدولة. وهذه الصفحات لا تدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة، لكنها تضع أمام القارئ صورة عامة لمسار كان يمكن أن يكون مختلفاً، لو وُضعت مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. وإذا كان ما سبق قد كشف مساراً طويلاً من الإخفاقات والفرص الضائعة، فإن المقصود منه ليس اجترار الماضي، بل التنبيه إلى أن الاستمرار في إدارة الحاضر بالعقلية نفسها سيقود حتماً إلى النتيجة ذاتها. لقد أثبتت السنوات الماضية أن غياب التوافق الحقيقي، وتغييب المؤسسات، وتقديم المصالح الضيقة على مصلحة الدولة، لا ينتج إلا مزيداً من الانقسام وإطالة أمد الأزمة. إن ليبيا لا تعاني نقصاً في الموارد، ولا في الكفاءات، بل تعاني غياب القرار الوطني الجامع، وتأجيل الاستحقاقات، والخوف من الاحتكام إلى إرادة الشعب. ولا يمكن لأي مسار سياسي أن ينجح ما لم يكن قائمًا على قاعدة واضحة: دستور متوافق عليه، مؤسسات موحّدة، سلطة تنفيذية محددة الصلاحيات والمدة، وانتخابات تُجرى في موعدها دون تسويف أو انتقائية. كما أن إعادة بناء الدولة لا يمكن أن تتم بمعزل عن إعادة الاعتبار للقانون، واستعادة دور القضاء، وبناء منظومة تشريعية حديثة تستفيد من خبرات القانونيين الليبيين، ومن تجارب الدول التي مرّت بظروف انتقالية مشابهة ونجحت في تجاوزها. فالدولة لا تُبنى بالشعارات، ولا تُدار بردود الأفعال، بل برؤية واضحة، وإرادة سياسية صادقة، واحترام صارم للمؤسسات. إن المسؤولية اليوم لا تقع على طرف واحد، بل على كل من تصدّر المشهد السياسي، وشارك في صناعة القرار، أو استفاد من استمرار حالة اللا استقرار. والتاريخ، مهما تأخر، سيضع كل تجربة في موضعها الصحيح، ويحاسب على النتائج لا على النوايا. ويبقى الأمل معقوداً على أن تكون هذه المرحلة، بما حملته من كلفة عالية على الوطن والمواطن، درساً لا يُعاد، وأن يُدرك الجميع أن إنقاذ ليبيا لا يكون إلا بتسليم السلطة في موعدها، واحترام إرادة الشعب، والقبول بالتداول السلمي، والعمل الجاد على بناء دولة تستحقها الأجيال القادمة. وهنا، تنتهي هذه الشهادة، لا بوصفها كلمة أخيرة، بل باعتبارها دعوة صريحة لمراجعة المسار، قبل أن يصبح التصحيح أكثر كلفة، وأقل جدوى ومن هنا، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يتّعظ من في المشهد اليوم، أم يواصلون الدوران في الحلقة نفسها؟ فالتاريخ لا ينسى، ولا يرحم من يكرر الأخطاء. *سفير ليبيا السابق لدى تركيا الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة