د محمد كرواوي الخميس 29 يناير 2026 - 19:52 لماذا تتحفظ المعارضة الجزائرية على إصلاح قانون الأحزاب السياسية؟ لا يمكن قراءة مشروع تعديل القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية في الجزائر، بوصفه مجرد إجراء تقني يرمي إلى تنظيم الحياة الحزبية أو محاربة الفساد السياسي، كما تدعي السلطة العسكرية. فالسياق العام الذي يأتي فيه هذا القانون، وطبيعة الشروط التي يتضمنها، والسلطة التقديرية الواسعة التي يمنحها للإدارة، كلها عناصر تجعل منه، في نظر المعارضة السياسية، أداة جديدة لإعادة ضبط المجال الحزبي وفق منطق الهيمنة لا منطق التعددية. تنطلق المعارضة من مسلمة أساسية مفادها أن أي إصلاح قانوني للحياة السياسية لا يمكن أن يكون ذا مصداقية إذا لم ينجز في بيئة تضمن حرية التنظيم، وحرية التعبير، وتكافؤ الفرص بين الفاعلين السياسيين. والحال أن الواقع الجزائري، منذ إجهاض الحراك الشعبي، يتسم بتضييق ممنهج على الفضاء العمومي، وتجريم أشكال سلمية من المعارضة، واستعمال القضاء والإدارة كوسيلتين للضبط السياسي. في هذا السياق، يغدو الحديث عن تنظيم المشهد الحزبي خطابا إجرائيا يخفي رهانا سياسيا أعمق: تقليص هامش المعارضة وإفراغ التعددية من مضمونها. أبرز ما يثير اعتراض المعارضة هو شرط الانتشار في نصف الولايات لتأسيس حزب سياسي أو الحفاظ على اعتماده. فهذا الشرط، الذي يبدو ظاهريا ضامنا للطابع الوطني للأحزاب، يتحول عمليا إلى حاجز بنيوي أمام نشوء قوى سياسية جديدة، خاصة تلك التي تنبثق من ديناميات اجتماعية أو جهوية أو فكرية محددة. فالأحزاب لا تولد وطنية بالمرسوم، بل تتطور وطنيا عبر التفاعل السياسي الحر، والانتخابات النزيهة، والقدرة على إقناع المواطنين. اشتراط الامتداد الجغرافي المسبق هو قلب لمنطق التمثيل الديمقراطي، لأنه يطالب الحزب بإثبات نتيجة يفترض أن تكون ثمرة لمسار سياسي لا شرطا إداريا سابقا عليه. وتزداد خطورة هذا الشرط حين يقرأ في ضوء التاريخ السياسي الجزائري، حيث لطالما استعملت المعايير الوطنية لإقصاء تعبيرات سياسية غير مرغوب فيها، خصوصا تلك التي لا تنخرط في الإجماع الرسمي الذي ترعاه المؤسسة العسكرية. ومن ثم ترى المعارضة أن القانون لا يستهدف الأحزاب الوهمية أو الفاسدة كما يروج، بل يستهدف، في العمق، كل إمكانية لتشكل معارضة حقيقية من خارج المنظومة التقليدية. أما ربط الوجود القانوني للحزب بالمشاركة الإلزامية في الانتخابات، مع التهديد بحله في حال المقاطعة المتكررة، فيمثل في نظر المعارضة مساسا صريحا بجوهر الفعل السياسي. فالمشاركة أو المقاطعة ليست مسألة إدارية، بل خيار سياسي سيادي، تلجأ إليه الأحزاب في سياقات يغيب فيها الحد الأدنى من النزاهة أو تكافؤ الفرص. تجريم المقاطعة يعني، عمليا، فرض الاعتراف المسبق بشرعية مسار انتخابي محل نزاع، وتحويل الأحزاب إلى مجرد أدوات تزكية شكلية لنتائج محسومة سلفا. وترى المعارضة أن هذا المقتضى يكشف بوضوح عن الغاية الحقيقية من القانون: إنتاج مشهد حزبي منضبط، قابل للتدجين، وموظف لإضفاء مظهر تعددي على نظام مغلق. فالأحزاب التي تقاطع تقصى قانونيا، والأحزاب التي تشارك دون قدرة حقيقية على التأثير تستعمل كديكور سياسي، بينما يبقى مركز القرار خارج المجال الحزبي تماما. ولا يقل إشكالا ما يمنحه القانون من سلطة تقديرية واسعة للإدارة في مراقبة الأحزاب، وتمويلها، ومساطر اعتمادها أو حلها. ففي غياب قضاء مستقل فعليا، تصبح هذه السلطة سيفا مسلطا على رقاب الأحزاب غير الموالية، وتفتح الباب أمام انتقائية في التطبيق، حيث يتسامح مع الخروقات حين تصدر عن أحزاب السلطة، ويشدد في التأويل حين يتعلق الأمر بالمعارضة. من هذا المنظور، تؤكد المعارضة أن أزمة التعددية السياسية في الجزائر ليست أزمة قوانين، بل أزمة نظام. فالقوانين، مهما بلغت درجة إحكامها، لا يمكن أن تنتج حياة سياسية سليمة إذا ظلت المؤسسة العسكرية فاعلا فوق سيادي، وإذا ظل القرار السياسي الحقيقي خارج التداول الديمقراطي. إن إصلاح قانون الأحزاب، بدل أن يكون مدخلا لإعادة الثقة بين الدولة والمجتمع، يتحول إلى حلقة جديدة في مسلسل إعادة إنتاج السيطرة، وإدارة التعددية بدل قبولها. وعليه، تدافع المعارضة عن موقف واضح: لا معنى لإصلاح حزبي دون إصلاح سياسي شامل، يبدأ بتحرير الفضاء العمومي، وضمان استقلال القضاء، ورفع الوصاية الأمنية عن العمل السياسي، والاعتراف بحق الاختلاف الحقيقي، بما في ذلك حق المقاطعة وحق التنظيم خارج قوالب السلطة. دون ذلك، سيظل قانون الأحزاب، مهما تغيرت صياغاته، أداة لضبط المعارضة لا لتقويتها، وآلية لإدامة النظام القائم لا لتجديده. كاتب وأكاديمي مغربي الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة