1. الرئيسية 2. سياحة الريصاني.. الحارسة الوفية لذاكرة الصحراء، ومهد الهوية الروحية للدولة العلوية في قلب تافيلالت الصحيفة من الراشدية الثلاثاء 3 فبراير 2026 - 15:01 تقف مدينة الريصاني في أقصى الجنوب الشرقي المغربي كحارسة وفية لذاكرة الصحراء، حيث تلتقي قسوة الطبيعة بليونة التاريخ وعمق الحضارة الواحية التي صمدت لقرون في وجه التحولات. الرحلة إلى هذه الحاضرة التافيلالتية ليست مجرد عبور مكاني، بل هي انغماس كلي في سردية تاريخية بدأت فصولها الأولى منذ القرن الثامن الميلادي مع تأسيس مدينة سجلماسة الأسطورية، تلك المدينة التي كانت يوما ما القلب النابض للتجارة العابرة للصحراء ومرفأ الذهب والملح الذي ربط ضفاف المتوسط بأعماق إفريقيا. اليوم، حين تطأ قدماك تراب الريصاني، تشعر وكأن الزمن قد تكاثف في زوايا قصورها الطينية التي تناهز الثلاثمائة والستين قصراً، والتي تشكل نسيجاً عمرانياً فريداً يعكس عبقرية الإنسان في ترويض الطوب والماء والنخيل لخلق فضاءات عيش تقاوم القيظ وتؤمن السكينة. تحتفظ مدينة الريصاني بكثير من المعالم التاريخية التي تعكس الحقب التاريخية التي مرت منها تستمد الريصاني هويتها الروحية والسياسية من كونها مهد الدولة العلوية، حيث يحتضن ترابها ضريح مولاي علي الشريف، الجد المؤسس للأسرة الحاكمة في المغرب. هذا المعلم الروحاني لا يعد مجرد مزار ديني، بل هو تحفة معمارية إسلامية تتجلى فيها مهارة الصانع المغربي من خلال الزخارف الجبسية والزليج الفاسي الذي يزين أروقته، مما يمنح الزائر شعوراً بالهيبة والوقار. وبجوار هذا الإرث الروحي، تمتد أطلال سجلماسة الغابرة التي تخضع اليوم لعمليات تنقيب أثري مستمرة، كاشفة عن أسرار أحياء سكنية ومساجد قديمة كانت يوماً ما منارة للعلم والمال، مما يجعل المدينة متحفاً مفتوحاً يغري الباحثين عن عبق الماضي وأسرار الحضارات المندثرة التي تركت بصمتها في جدران القصور والآبار التقليدية المنتشرة في أرجاء الواحة. وتزخر المنطقة بقصور فريدة من الطين والقش، مثل قصر أولاد عبد الحليم الذي يعود إلى أوائل القرن العشرين، وكان مقرا لممثل السلطان في المنطقة، ويضم قصرا وأحياء للنبلاء والعبيد، ويُستخدم بعض أجزائه حتى اليوم كحمام عام. أما "قصر الفيدا"، الذي بُني في القرن السابع عشر، فيُعد تحفة معمارية محفوظة جيدا، ويحتوي على متحف صغير يعرض السجاد والتحف والصور التاريخية، ويُفتح يوميًا مقابل رسم رمزي. هذه القصور، المبنية من مواد محلية، تندمج تماما مع البيئة الصحراوية، وتُبرز عبقرية المهندسين المغاربة القدماء في مقاومة حر الصحراء. الوصول إلى الريصاني.. جوا أو برا الوصول إلى هذا الفردوس الصحراوي يتطلب رحلة ممتعة عبر تضاريس الأطلس الكبير والمتوسط، حيث يمكن للسياح القادمين من مراكش أو فاس سلك طرق تخترق مضايق تودغى ووادي زيز، مما يوفر فرصة لمشاهدة التحول التدريجي من الجبال الخضراء إلى الصخور الحمراء ثم الرمال الذهبية. يمكن الوصول إلى مدينة الريصاني عبر مطار مولاي علي الشريف بالراشدية حيث توجد رحلات داخلية مع أهم مطارات المملكة وأخرى مباشرة مع بعض المطارات الأوروبية تتوفر خدمات الحافلات وسيارات الأجرة الكبيرة بشكل منتظم، كما يمكن الوصول جواً عبر مطار الراشيدية القريب، مما يسهل على السياح الدوليين بلوغ هذه الوجهة. أسواق الريصاني.. تاريخ ومطاعم مفتوحة لا يمكن للزائر أن يختبر روح الريصاني الحقيقية دون الانغماس في ضجيج سوقها التاريخي، الذي يعد واحداً من أكثر الأسواق أصالة في المغرب. في أيام السوق الأسبوعية، تتحول المدينة إلى خلية نحل تجتذب سكان القصور والقرى المجاورة، حيث يتداخل صوت الباعة بصجيج الدواب في مشهد سينمائي يعيد إنتاج تقاليد تجارية لم تتغير منذ مئات السنين. هنا، تفوح روائح التوابل والكمون البلدي الممزوجة برائحة الجلود المدبوغة، ويبرز الحرفيون المهرة وهم يصنعون الأحذية الجلدية التقليدية مثل"البلغة" التي تشتهر بها المنطقة. من أهم المعالم السياحية التي يمكن زيارتها في الريصاني هي الأسواق الشعبية حيث البساطة طاغية على كل التفاصيل وسط هذا الصخب، تبرز وجبة "المدفونة" أو البيتزا الصحراوية كأيقونة للمطبخ المحلي، وهي رغيف محشو باللحم المفروم والبيض والمكسرات والتوابل، يتم طهيه في أفران تقليدية تحت الرماد أو في أفران الطوب، لتقدم للسائح تجربة تذوق فريدة تمزج بين البساطة والترف النكهاتي. السياحة في الريصاني.. بين واحات الصحراء والتراث التاريخي تتميز الريصاني بمؤهلات سياحية تتجاوز البعد التاريخي لتشمل سحر الطبيعة الصحراوية الخلابة. فالمدينة تقع على عتبة "عرق الشبي"، مما يجعلها نقطة انطلاق مثالية لاستكشاف الواحات الخضراء التي ترويها منظومة "الخطارات" التقليدية، وهي قنوات مائية تحت الأرض تعكس ذكاء الأجداد في تدبير الندرة المائية. يمكن للسائح الاستمتاع بلحظات من الصفاء الذهني عند التجول بين غابات النخيل في واحة تافيلالت، أو تسلق التلال الصخرية المحيطة لمراقبة غروب الشمس الذي يصبغ الرمال والقصور بلون أرجواني ساحر. الإقامة بين الرياضات والبيوت الصحراوية أما بالنسبة للإقامة، فإن الريصاني توفر خيارات تتراوح بين النزل التقليدية "الرياضات" التي توفر دفء البيوت الصحراوية، والفنادق المصنفة التي تتبنى العمارة القصبية الفخمة، حيث يمكن للزوار الاستمتاع بالمسابح والإطلالات البانورامية على النخيل، مما يجمع بين الراحة العصرية وسحر البيئة الواحية. الواحات من مميزات المنطقة الصحراوية للريصاني إن الريصاني ليست مجرد مكان للزيارة، بل هي تجربة وجدانية تدعو السائح لإبطاء إيقاع حياته والتأمل في قيم الصبر والكرم التي تميز أهل المنطقة، والتعرف على مغرب آخر يتنفس من رئته الصحراوية ويفتخر بجذوره الضاربة في عمق القارة الإفريقية، مما يجعلها وجهة لا غنى عنها لكل من يبحث عن الأصالة والجمال الفطري. في الريصاني، لا يزور المرء مجرد مكان، بل يعيش قصة حيّة عن صمود الإنسان أمام قسوة الصحراء، وعن أمجاد ماضٍ يتجدد كل يوم في أسواقها وواحاتها ورمالها. سواء كنت تبحث عن هدوء روحي في الضريح، أو مغامرة في الكثبان، أو غمرة في التراث البربري، فإن الريصاني تنتظرك بأبواب مفتوحة وقلوب دافئة. يقول ناسها: زرها مرة، وستعود إليها مرات. السياحة بالمغرب