عبد الحكيم العياط الأحد 8 مارس 2026 - 15:48 حرب إيران والارتدادات البعيدة.. قراءة في مستقبل الاقتصاد المغربي في عالم تتشابك فيه الجيوسياسة مع الاقتصاد، ويتقاطع فيه الأمن الإقليمي مع التوازنات الدولية، لا يمكن لأي حدث بالغ الأثر أن يظل محصورا في حدوده الجغرافية الضيقة. فالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بما تحمله من أبعاد استراتيجية وعسكرية واقتصادية، لا تُعد مجرد نزاع إقليمي بين أطراف متنازعة، بل هي زلزال تكتوني تمتد تداعياته لتطال دولا بعيدة عن مواقع الاشتعال وفي مقدمتها المملكة المغربية. يقف المغرب اليوم أمام مشهد إقليمي ودولي بالغ التعقيد، إذ يجد نفسه في قلب شبكة من التأثيرات المتشعبة الناجمة عن هذا النزاع. وإن كانت الجغرافيا قد أبعدته عن خطوط النار المباشرة، فإن الروابط الاقتصادية والمالية والاجتماعية تجعله في منطقة تقاطع حتمية مع تفاعلات الحرب وتداعياتها. ولا يمكن فهم هذه التداعيات إلا من خلال قراءة متأنية لمحاور متعددة ومترابطة. على صعيد الأثر الاقتصادي المباشر، يبقى الاقتصاد المغربي من بين الاقتصادات الأكثر هشاشة أمام الصدمات الخارجية، لا سيما تلك المتعلقة بأسواق الطاقة والمواد الغذائية. فالمغرب يستورد ما يزيد على تسعين بالمائة من احتياجاته النفطية، وأي اضطراب في مضيق هرمز أو ارتفاع حاد في أسعار النفط الخام جراء توترات الخليج سيُلقي بظلاله مباشرة على الميزانية العامة للدولة وعلى القدرة الشرائية للمواطنين. وقد شهدنا سابقة في هذا السياق، حين أشعلت الحرب الروسية الاوكرانية موجة تضخمية حادة طالت المحروقات والمواد الأساسية حيث بلغ معدل التضخم في المغرب حوالي 8.3 في المائة سنة 2022 مما أفضى إلى ضغوط اجتماعية هائلة على الفئات المتوسطة والهشة. غير أن التأثير لا يقف عند عتبة المحروقات، بل يتجاوزه إلى سلاسل القيمة الدولية التي انخرط فيها المغرب بقوة خلال العقدين الأخيرين. فصناعة السيارات، التي باتت تُشكّل الركيزة الأولى للصادرات المغربية، تعتمد في جزء من مكوناتها على موردين إقليميين. كما أن قطاع الإلكترونيات والصناعات التحويلية يظل عرضة لاضطرابات لوجيستية وخيمة حين تتعطل الممرات البحرية الكبرى. وهكذا، قد تجد المنطقة الصناعية بطنجة، قاطرة التصنيع المغربي، نفسها أمام تحديات التوريد والتصدير في آنٍ واحد. أما على الصعيد الاجتماعي، فإن التداعيات لا تقل وطأةً عن المؤشرات الاقتصادية. إذ إن ارتفاع التضخم المستورد نتيجة توترات المنطقة سيُفاقم من معضلة الفقر وضعف المناعة المالية لدى شريحة واسعة من السكان، خاصة في المدن الصغيرة والأرياف التي لم تستفد بعد من مكاسب النمو الاقتصادي الأخير. فضلاً عن ذلك، تُشكّل تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج شريان حيوي للاقتصاد الوطني، وقد يتعرض هذا الشريان لاهتزاز جراء تراجع النشاط الاقتصادي في دول الخليج التي تحتضن شريحة مهمة من الجالية المغربية المهاجرة. وفيما يخص المسار التنموي، فإن الحرب قد تُعيد رسم خريطة الاستثمارات الأجنبية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فكثير من المستثمرين الدوليين يتعاملون مع المنطقة ككتلة واحدة في تقييمهم للمخاطر الجيوسياسية. وإن كان المغرب يتمتع بموقع استثنائي بفضل استقراره السياسي وعلاقاته المتوازنة مع القوى الكبرى، إلا أن عدوى الخوف الجيوسياسي قد تطال تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحوه، لا سيما في القطاعات الحساسة كالطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا. بيد أن المشهد لا يخلو من فرص كامنة لمن يمتلك بُعد النظر الاستراتيجي. فالمغرب، بحكم موقعه الجغرافي وبنيته القانونية والاقتصادية المستقرة، يمكنه أن يُقدّم نفسه بديلا جاذبا للاستثمارات التي ستُغادر مناطق التوتر بحثا عن بيئات أكثر استقرارا وأمانا. كما يتيح اضطراب أسواق الطاقة الإقليمية فرصة ذهبية لتسريع التحول نحو الطاقات المتجددة وتحقيق استقلالية طاقية أعمق، وهو ما يتماشى مع الاستراتيجية الوطنية للطاقة التي أرسى دعائمها المغرب منذ أكثر من عقد. خلاصة القول، إن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لا تعكس مجرد توترات طارئة، بل هي مؤشر على إعادة تشكّل النظام الدولي بأبعاده الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية. وأمام المغرب اليوم رهان مزدوج: أن يُحصّن بنيته الاقتصادية من الصدمات الخارجية عبر تعزيز الإنتاج الوطني وتنويع الشراكات، وأن يُحوّل المخاطر إلى فرص من خلال سياسات استباقية تُجسّد التوجه الاستراتيجي لدولة متطلعة إلى ريادة التنمية في محيطها الإقليمي. إن الدول التي تخرج أقوى من الأزمات ليست تلك التي تجنّبت التأثير بل تلك التي أحسنت قراءته والتكيّف معه بمرونة وذكاء. الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة