1. الرئيسية 2. المغرب الكبير من رمزية التوقيت إلى ثقل الجغرافيا الأمنية.. تفجيرات البليدة بالجزائر تحيي جراح التسعينيات وتثير مخاوف من عودة أنماط العنف المرتبطة بالعشرية السوداء الصحيفة - إسماعيل بويعقوبي الأثنين 13 أبريل 2026 - 23:02 أعادت تفجيرات البليدة بالجزائر، المتزامنة مع زيارة بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر، إلى الواجهة واحدة من أكثر الصفحات قتامة في تاريخ البلاد، حين كان العنف المسلح يخترق العمق الجزائري ويستهدف رموز الدولة ومؤسساتها الأمنية، في مشهد يستحضر بشكل مباشر ذاكرة "العشرية السوداء" بكل ما حملته من اضطراب أمني. الهجوم الانتحاري المزدوج الذي استهدف، اليوم الاثنين 13 أبريل، مركزا للشرطة في قلب مدينة البليدة، وعلى مقربة من العاصمة، لا يمكن فصله عن رمزية المكان والتوقيت، فهذه الولاية كانت خلال تسعينيات القرن الماضي إحدى أبرز بؤر الصراع الدموي ضمن ما عُرف ب"مثلث الموت"، الذي ضم أيضا مناطق من العاصمة ومحيطها، حيث نفذت الجماعات المسلحة آنذاك عمليات اغتيال وتفجيرات ومجازر بشكل شبه يومي، ما يعيد إلى الأذهان مشاهد ظلت لسنوات حبيسة ذاكرة جماعية مثقلة بالخوف. ولا يقتصر ثقل هذا الحدث على طابعه الانتحاري، بل يمتد إلى تزامنه مع زيارة دينية ودبلوماسية رفيعة، ما يفتح المجال أمام قراءات متعددة، إذ يرجح أن يكون اختيار هذا التوقيت مرتبطا بالسعي إلى تحقيق صدى إعلامي دولي، أو توجيه رسائل تتجاوز الإطار المحلي نحو سياقات إقليمية ودولية، في ظل إدراك التنظيمات المتطرفة لحساسية مثل هذه المناسبات. ولفهم أبعاد ما جرى، تبدو العودة إلى سياق العشرية السوداء ضرورية، باعتبارها المرحلة التي تشكلت فيها الكثير من ملامح المشهد الأمني الحالي، فقد اندلعت الأزمة بداية التسعينيات عقب إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 1991، التي حققت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ تقدما لافتا، وهو القرار الذي فجّر مواجهة مفتوحة بين السلطة ومجموعات اختارت العمل المسلح، معتبرة ما حدث إقصاء سياسيا، لتدخل البلاد في دوامة عنف استمرت قرابة عقد كامل وخلفت عشرات الآلاف من الضحايا. ومع تصاعد الأحداث، تحولت المواجهة من صراع ثنائي إلى حالة عنف مركبة، تعددت فيها الأطراف وتداخلت فيها الأجندات، حيث طالت العمليات شخصيات سياسية وأمنية وصحافيين ومثقفين، إضافة إلى استهداف المدنيين في مجازر جماعية هزت الرأي العام، شكل فيها اغتيال الرئيس الجزائري آنذاك محمد بوضياف سنة 1992 أبرز الأحداث المفصلية، إذ كشف عن هشاشة البنية الأمنية آنذاك، وأعطى مؤشرا مبكرا على تعقيد المرحلة التي ستدخلها البلاد. وفي خضم ذلك، برزت تنظيمات متشددة، على رأسها "الجماعة الإسلامية المسلحة" التي اعتمدت أساليب بالغة القسوة، من بينها التفجيرات الانتحارية وعمليات القتل الجماعي، قبل أن تتطور لاحقا إلى "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، حيث ساهمت هذه التحولات في تكريس مناخ عام من الرعب، إذ اختفت الحدود بين الأهداف العسكرية والمدنية، وأصبح المجتمع الجزائري بأكمله عرضة للتهديد. ورغم أن الجزائر تمكنت، مع مطلع الألفية، من استعادة قدر من الاستقرار بفضل سياسات المصالحة الوطنية وتفكيك جزء كبير من البنى المسلحة، فإن جذور الظاهرة لم تُستأصل بشكل كامل، بل أعادت تشكيل نفسها في أنماط أقل ظهورا وأكثر تعقيدا، وهو ما يجعل من العمليات الانتحارية، مثل تفجيرات البليدة، ذات حمولة رمزية قوية، تعكس استمرار التحديات المرتبطة بتجفيف منابع التطرف. وفي هذا السياق، تطرح العملية الأخيرة تساؤلات حول مدى فعالية المقاربة الأمنية والاستخباراتية في رصد التهديدات قبل وقوعها، خاصة في ظل تحول التنظيمات المتطرفة نحو أساليب أكثر مرونة، تعتمد على خلايا صغيرة أو مبادرات فردية، يصعب تعقبها بالوسائل التقليدية. وإذا كانت التفجيرات التي شهدتها الجزائر اليوم، والمتزامنة مع زيارة بابا الفاتيكان، تُؤشر على محدودية نجاعة هذه المقاربة في تحييد المخاطر المرتبطة بإرث العشرية السوداء، فإن التجربة المغربية تقدم، في المقابل، نموذجا مغايرا في تدبير مثل هذه المناسبات ذات الحساسية العالية. ففي سنة 2019، احتضن المغرب زيارة البابا فرانسيس، التي توجت بحفل اختتام ضخم بالمركب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، وسط حضور جماهيري واسع ضم آلاف المشاركين من مختلف الجنسيات، دون تسجيل أي انفلات أو تهديد أمني، ما يترجم اعتماد مقاربة استباقية، تقوم على الرصد المبكر للمخاطر، وتفكيك الشبكات المحتملة قبل تشكلها، الأمر الذي مكن من تأمين حدث دولي بهذا الحجم في أجواء اتسمت بالانضباط والاستقرار.