قالت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان إن مشروع قانون مهنة المحاماة، في صيغته الجديدة، احتفظ ببعض المضامين التي تشير إلى وجود آليات متعددة لتدخل السلطة التنفيذية في مجالات تنظيمية ومهنية دقيقة للمؤسسات المهنية، مما يطرح استمرار الإشكال على مستوى احترام مبدأ استقلالية المهنة. واعتبرت المنظمة، في مذكرة لها بشأن مشروع قانون مهنة المحاماة، أن إسناد اختصاصات مركزية تتعلق بولوج المهنة، ولا سيما تنظيم مباراة الولوج إلى مهنة المحاماة وتحديد كيفيات التكوين، إلى السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، هو من بين المظاهر التي تستدعي إعادة النظر، وإعادة الصياغة بما يضمن اختصاصات وحضورًا أكبر للهيئات المهنية من خلال النقباء في المراحل المرتبطة بالولوج إلى المهنة وفترة التدريب، اعتبارًا لأن هذه الاختصاصات تمس بشكل مباشر شروط الانتماء إلى المهنة، وتشكل أحد المحددات الأساسية لاستقلاليتها وحيادها.
وسجلت المنظمة استمرار مقتضيات تمنح السلطة التنفيذية أدوارا تقريرية فيما يتعلق بممارسة المحاماة من طرف الأجانب ومكاتب المحاماة الأجنبية، سواء عبر آلية الإذن أو الترخيص، وهو ما يثير إشكالات مرتبطة بالمساواة بين المهنيين، ووحدة القواعد التأديبية والتنظيمية. وأشارت إلى أن هذه المقتضيات تضعف موقع الهيئات المهنية كجهة أصلية في التنظيم والتأطير، وتجعل المكاتب الأجنبية خارج أي رقابة مهنية للنقباء ولمجالس الهيئات المهنية التي يخضع لها باقي المحامين، مما قد يترتب عنه اشتغال هذه المكاتب خارج الضوابط القانونية والأعراف المنظمة لمهنة المحاماة، كما سيجعلها تحظى "بامتياز" تشريعي وقانوني غير مبرر، وسيؤثر على مساواة المحامين أمام القانون والقضاء، وكذا الأغيار. ونوهت المنظمة بإقرار مبادئ المناصفة والديمقراطية الداخلية داخل هيئات المحامين، مسجلة بإيجابية التنصيص الوارد في مشروع القانون على تكريس مبدأ المناصفة، من خلال إقرار قاعدة تمثيلية دنيا تضمن حضور أحد الجنسين بنسبة لا تقل عن الثلث داخل مجالس الهيئات، باعتبار ذلك توجهًا تشريعيًا متقدمًا ينسجم مع متطلبات المساواة الفعلية، ويعكس إرادة مبدئية وتشريعية في مأسسة مقاربة النوع داخل البنيات المهنية، خاصة وأن الممارسة أكدت في عدد من المناسبات غياب العنصر النسوي عن مجالس الهيئات. وفي المقابل، أبدت انشغالها إزاء غياب تأطير قانوني دقيق للآليات الكفيلة بالتنزيل العملي لهذا المبدأ، سواء على مستوى نمط الاقتراع المعتمد، أو كيفية احتساب النسب، أو طبيعة التدابير التصحيحية الواجب اعتمادها في حال عدم بلوغ الحد الأدنى المقرر، وهو ما من شأنه أن يُفرغ هذا المقتضى من أثره الإلزامي وقوته القانونية، ويُبقيه في حدود الإعلان المبدئي غير المنتج لآثاره القانونية والمسطرية، مما سيقلص من حضور المرأة المحامية في الأجهزة المهنية للمحاماة، سواء على مستوى مجالس الهيئات أو جمعية هيئات المحامين بالمغرب، وقد يؤدي ذلك إلى إفراغ هذا المقتضى من محتواه الحقوقي. وأشادت المنظمة بالتنصيص على مبدأ عدم قابلية انتخاب النقيب للتجديد، باعتباره اختيارا تشريعيا يكرس التداول الديمقراطي على المسؤوليات المهنية، ويعزز متطلبات الحكامة الجيدة، من خلال الحد من تمركز السلطة وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص بين أعضاء المهنة، وإقرار مبدأ التداول على المسؤولية المهنية، معتبرة أن إقرار قاعدة عدم قابلية التجديد يقتضي، انسجاما مع فلسفتها وأهدافها، إعمالها بشكل يضمن أثرا فوريا وفعليا، بما يعزز مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص، ويكرس مصداقية الإصلاح، بعيدا عن أي تأويل أو تنزيل من شأنه الحد من نطاقه أو تقليص أثره. وأكدت المنظمة الإبقاء على عدد من النصوص التي سبق أن أثارت، في مذكرتها السابقة حول نص المشروع في صيغته الأولى، ملاحظات جوهرية، سواء فيما يتعلق بشروط الولوج إلى المهنة، أو حالات التنافي، أو تنظيم بعض الجوانب المالية والمهنية، وهو ما يعكس أن الإصلاح ما يزال جزئيًا ولم يبلغ بعد مستوى المراجعة الشاملة المطلوبة، بما يستدعي استمرار التوقف عند عدد من الإشكالات التي تمس جوهر التوازنات المؤسسة للنص، وتفرض إعادة النظر في بعض الاختيارات التشريعية بما يضمن انسجامها مع المرجعيات الدستورية والالتزامات الدولية ذات الصلة. وتطرقت أيضا إلى المقتضيات المتعلقة بتنظيم حرية التعبير داخل فضاءات المحاكم، مسجلة الإبقاء على المادة التي تمنع تنظيم الوقفات الاحتجاجية ورفع الشعارات داخل المحاكم أثناء انعقاد الجلسات، معتبرة أن الصيغة الحالية لهذه المادة تطرح إشكالات جدية من منظور التناسب والضرورة، لكونها تقيم حظرا عاما لا يميز بين أشكال التعبير السلمي المشروع، وبين السلوكيات التي قد تمس فعليا بسير العدالة، بما قد يفضي إلى تقييد غير متناسب لحرية التعبير والاجتماع المكفولتين دستوريا، وللدور الترافعي للمحامين داخل الفضاء القضائي، والمحاكم، والإدارات العمومية. وفيما يخص الإجراءات التأديبية وتدبير الشكايات وقرارات الحفظ والطعن فيها، سجلت المنظمة وجود تعديلات جزئية همت الآجال والمساطر، غير أنه ما زالت هناك حاجة ملحة وقائمة لتعزيز ضمانات الاستقلال والحياد، وتدقيق التوازن بين سلطة النقيب، ودور النيابة العامة، وحقوق المشتكي والمشتكى به، بما ينسجم مع متطلبات المحاكمة التأديبية العادلة، وعدم السقوط في "فخ" الشكايات الكيدية التي قد يُواجه بها المحامون من طرف بعض المتقاضين. وخلصت المنظمة الحقوقية إلى أن الإصلاح التشريعي المنشود ما يزال في حاجة إلى رؤية أكثر شمولية وعمقا، تتجاوز المقاربات الجزئية، نحو تكريس فعلي لاستقلال المهنة، وتعزيز التنظيم الذاتي، وضمان توازن حقيقي بين متطلبات العدالة وحماية الحقوق والحريات.