العثور على مبرمج ميتا في سجن إسباني    أنس الدكالي ل"الأيام": "التقدم والاشتراكية" فقد بوصلته وهذا موقفي من الترشح للأمانة العامة    انتخاب شكيب بن عبد الله رئيسا جديدا للمجلس الوطني لهيئة المهندسين المعماريين    ألمانيا تتأهل بصعوبة وتضرب موعداً مع إنجلترا في ثمن النهائي    شخص يسطو على وكالة بنكية ويستنفر أمن ورزازات    عاجل.. اطلاق النار بسطات بعد عرقلة تفتيش منزل "بزناس"    الإعلان عن النتائج النهائية لامتحانات الكفاءة المهنية برسم سنة 2020    طقس الخميس..أمطار جد خفيفة في مناطق المملكة    بوريطة يغيب عن مؤتمر ليبيا في برلين    أمكراز يتدخل لإنقاذ نقابة البيجيدي من الإنهيار    رونالدو يحقق أرقاما "قياسية" عديدة ويضيف فرنسا لقائمة ضحاياه    خلال أيام.. مطار طنجة الدولي يستقبل أكثر من 19 ألف مسافر ذهابا وإيابا    العلمي: حالة التعافي التي شهدتها القطاعات الصناعية بعد أزمة كورونا لم تكن متوقعة    الجواهري : الملك كايدير كلشي و الناس مابقاتش كاتيق فالسياسيين    الملك خوان كارلوس وافق على تسليم مدينتي سبتة مليلية للمغرب.. وثيقة كشفت عنها الإدارة الأمريكية    احتفاء رمزي بالتلميذ شهاب ماجدولين الحاصل على أعلى معدل في امتحانات البكالوريا بإقليم شفشاون    دراسة تكشف هول تداعيات كورونا على المغرب، والقطاع غير المهكيل في مقدمة المتضررين.    موريتانيا: حبس ولد عبد العزيز مسألة "قضائية" لا سياسية    كرة الطائرة الشاطئية: المغرب يحقق انتصارا مزدوجا على تونس في الإقصائيات المؤهلة لأولمبياد طوكيو    بعثة الوداد تشد الرحال لجنوب افريقيا    في مقدمتهم حافيظي والهدهودي.. غيابات "وازنة" للرجاء أمام الدفاع الحسني الجديدي    العثماني: هناك أسباب أمنية منعت بنكيران من استقبال وفد حماس ولهذا استقبلهم الرميد    الصراع المغربي الجزائري.. حين تنقل روسيا وأمريكا حربهما الباردة إلى المنطقة المغاربية للسيطرة على سوق الأسلحة    "لارام" تلغي حجوزات عدد من الرحلات المبرمجة بين المغرب وهذه الدولة    والي بنك المغرب : لا يمكن الإستمرار في تحرير الدرهم في الظرفية الحالية رغم ضغوط النقد الدولي    المغرب يعلن تحديث الرحلات الجوية بلدان القائمة "ب"    تحذيرات من موجة خطيرة وفتاكة لسلالة جديدة من فيروس كورونا    مدرب المنتخب الوطني لأقل من 20 سنة: "نعيش فترة انتقالية.. سعداء بتحقيق التأهل لربع نهائي كأس العرب وبإمكاننا تقديم الأفضل"    مختل عقلي يقتحم مسجداً بمدينة أكادير ويطعن مُصلين بسكين    قطاع الاتصالات : تنمية الصبيب العالي والعالي جدا على رأس الأولويات في أفق سنة 2023    كوفيد-19 : عدد الملقحين بالكامل بالمملكة يفوق ثمانية ملايين و566 ألفا    الحنودي يترشح في الحسيمة بإسم حزب الأسد    فتح باب الترشيح للدورة 53 لجائزة المغرب للكتاب 2021    المغرب يحشد الدعم العربي في مواجهة قرار البرلمان الأوروبي عن "الهجرة في سبتة"    فرنسي يقود تداريب بركان لنهاية الموسم !    تنويه خاص بالفيلم المغربي القصير «عايشة» بمهرجان الإسماعيلية    وهم التنزيل    روبرت فورد: عبد المجيد تبون "أكثر عزلة من أي وقت مضى"    المغرب يفند أكاذيب الجزائر ودعم دولي متجدد وموسع لمغربية الصحراء    دراسة بريطانية : شرب القهوة يقي من مشاكل الكبد للمتقدمين في السن    باريس جان جرمان يحسم صفقة أشرف حكيمي    هذا ما قررته محكمة الاستئناف بالبيضاء في حق "عصابةالصحافيين""    الدورة 42 لموسم أصيلة الثقافي الدولي في دورتين صيفية وخريفية    المجلس الأعلى للسلطة القضائية يُصدر بلاغا عقب اجتماعه الأسبوعي    سلطات مراكش تُشدّد المراقبة على مداخل ومخارج المدينة    نيويورك تايمز: 4 من فريق إعدام خاشقجي تدربوا بالولايات المتحدة    رغم خطورته.. جميع اللقاحات المتوفرة بالمملكة فعالة ضد متحور "دلتا"    مغربي يزعم فك آخر ألغاز القاتل المتسلسل "زودياك" الذي حيّر أمريكا    مغاربة العالم يحولون 28 مليار درهم نحو المغرب خلال النصف الأول من 2021    العمل المسرحي "قنديشة.. أسطورة؟".. قصة نضال نسائي ضد الاستعمار    "الآداب المرتحلة" تستأنف الأنشطة ب"جنان السبيل"    "التاريخ والمؤرخون في المغرب المعاصر ".. كتاب غير معروف للمفكر الراحل الجابري    أخبار ثقافية    الفنان التشكيلي العصامي المصطفى بنوقاص .. عندما يلخص الإبداع معنى الحب و السلام    آفاق علم التوحيد وتشعب مجالاته المعرفية    نحن نتاج لعوالم باطنية خفية ! ..    آفاق علم التوحيد وتشعب مجالاته المعرفية    "شيخ العابدين والزاهدين" .. وفاة أشهر الملازمين للحرم النبوي الشريف عن 107 أعوام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تعقيب على نقاش حول القضاء ضمن الدستور الجديد


د.حبيب عنون
عجبا أن يكون هناك من يطالب بأن يكون "القاضي هو من يتقاضى أعلى أجرة في البلاد" في وقت يحتدم فيه النقاش والانتقادات بخصوص الفوارق الشاسعة بين الأجور العليا وتلك الدنيا وفي وقت نعتبر فيه، تبعا لتصريحات وزير تحديث القطاعات العمومية، أن ورش التفكير والاجتهاد في بلورة منظومة جديدة للأجور في المغرب على أسس موضوعية هو قيد الانجاز. ومما لا ريب فيه أن هذا الورش، حسب التوجيهات السامية، سيكون هدف دعم بروز طبقة متوسطة ذات قدرة شرائية ومستوى معيشي يمكن المواطن المغربي من العيش الكريم بدل التفكير والانحياز، من جراء فقره، إلى الأفكار الهدامة واليأس والتي لا مستقبل لها سوى زرع الفتنة والقضاء على روح المواطنة. فالقاضي، والمقصود به هنا، رجل الحق والعدالة، هو نفسه يجب أن يدافع عن العدل في الأجور. والعدل في الأجور هو إيجاد ميكانيزمات لتقليص الهوة بين الأجور العليا والأجور الدنيا علاوة على إعادة النظر في المعايير المحددة للعلاوات أو المكافآت بين قطاعات الوظيفة العمومية مع تحديد قانوني لنوعية المسؤوليات التي تستغل غالبا كذريعة لتوزيع التعويضات (المبالغ فيها) لتشكل إهدارا للمال العام وتشنجا اجتماعيا بين موظفي الدولة. وجبت مراجعة معاييرها لكوننا نجد أن بعض المسؤوليات تدخل في إطار ما يجب على الموظف القيام به فعليا وتدخل ضمن تخصصاته سواء كان وزيرا أم قاضيا أم رئيسا لجامعة أم أستاذا أم برلمانيا أم غيرهم من موظفي الدولة. فتعريف المسؤولية، أعتقد، أنه يجب تكون مهمة فوق "العادة" أي مهمة تفوق ما وجب على الموظف القيام بها والمحددة له قانونيا ضمن اختصاصاته في الزمان والمكان. نقول هذا في زمن أصبح فيه تدبير مصاريف الدولة يشكل جدلا كبيرا بين من يشكك في عقلانيته وبين من يرى عكس ذلك.
فوجهة نظر ممثل الودادية الحسنية مجانبة تماما للصواب خصوصا وأنها تقصي كليا الضمير المهني وما تستوجبه هذه المهنة من التحلي بأخلاق تبرز الحق حقا والباطل باطلا خاصة وأن الحكم يصدر باسم ضامن وحدة البلاد أمير المؤمنين. وحَسُن القول من عقب على هذا التصريح حين أوضح أن القاضي هو من اختار مهنته وبالتالي فإما أن يكون قاضيا كفؤا أو لا يكون. هذا، دون الحديث عن مضمون البرنامج الذي عوض أن يتجه إلى مناقشة مستجدات الدستور الجديد بخصوص تطور نمط القضاء في المغرب، زاغ عن اتجاهه ليتحول في مجمله إلى الحديث عن وضعية القاضي.
بالفعل، ومرة أخرى مضى المتدخلون في نقاش وضعية القاضي وما يتقاضاه متجاهلين الجانب الاجتماعي والاقتصادي لانعكاسات عمل القاضي ليس فقط على المواطن ولكن حتى على الاقتصاد الوطني. كما أنه لا يليق ربط أداء القاضي بوضعيته المادية لكون مرادف هذا القول يعني إما الزيادة في أجره وإما "تعليل تعرضه للارتشاء" حتى يتقن عمله. وهذا منظور لا أجد المصطلح المواتي لوصفه به لأنه منظور مُخزي وعيب ومُستفز أن يتفوه به متدخل في برنامج تلفزي تتبعه مختلف شرائح المجتمع المغربي والتي هي على دراية تامة كيف هي عيشة ووضعية القاضي مقارنة مع وضعية أناس اختاروا أو أُرغموا، نظرا لإمكانياتهم المادية أو ظروفهم العائلية، على الاكتفاء بامتهان وظائف أخرى. فهل يبيح ممثل الودادية الحسنية للمعلم أو الممرض الذي يعلم جيدا ظروف اشتغاله خصوصا في المناطق القروية، ألا يقوم بواجبه إلى حين زيادة أجرته؟... والأمثلة متعددة ومتشابكة. ولهذه الأسباب طرحت مسألة إعادة النظر في منظومة الأجور حتى يتجنب المواطن المغربي هذه الوضعية وحتى طريقة الزيادات القطاعية المتداولة حاليا. وحتى من الناحية المعنوية، كما أشار إليها أحد المتدخلين، فالفرق شاسع بين القاضي وباقي بعض موظفي الدولة.
 من الناحية الاجتماعية، شخصيا، أعتبر القضاء ب" محرك محرار السلم الاجتماعي في أي وطن" إذ تكفي الإشارة إلى كون القضاء ونزاهته وشفافيته واستقلاليته من أبرز ما نادى بها الشارع المغربي وفي هذا دلالة كبيرة عن استياء بعض من يلجأ إلى القضاء لما يتصف به هذا المجال حتى بات المتنازعون بشأن أمر ما يفضلون إيجاد صيغة للتسامح والتراضي السلمي عوض اللجوء إلى القضاء. وبالصيغة الشعبية يقول البعض " شُوفْ أَ خُويَ، فهذا الوقت، غير سَلَّك، أما إيُلا امُشيت المحكمة... أ... سير... من هذا... لهذاك" وحتى في نهاية الترحال من هذا إلى هذاك، يتيه بعض المواطنون في إشكالية التنفيذ. فهذا القول الشعبي مليء بالدلالات والتي يمكن اختزالها في نظرة الشارع المغربي لوضعية القضاء.
 أما الجانب الاقتصادي فعلاوة على الملايير من الدراهم التي يجلبها القضاء إلى خزينة الدولة كما تمت الإشارة إلى ذلك خلال البرنامج، وجبت الإشارة إلى دور نزاهة وشفافية القضاء ليس فقط في إنعاش مختلف استثمارات المغاربة في جهات المملكة وبالتالي المساهمة في التشغيل والحد من إشكالية البطالة، ولكن وهذا جانب آخر، إذ تمكن نزاهة القضاء، من جلب الرساميل الأجنبية للاستثمار في المغرب وبالتالي تحريك سوق التشغيل وبورصة القيم التي بدون رساميل أجنبية سيبقى مؤشرها غير ذي جاذبية للموارد المالية الأجنبية. فالملايير المشار إليها أعلاه هي فقط نتيجة القضايا المطروحة على المحاكم وغيرها من المخالفات المختلفة التي تستدعي أداء غرامات مالية. فهذه الملايير يمكنها أن تتضاعف إذا ما أطفينا على قضاءنا صبغة النزاهة والشفافية والمساواة إذ سنتمكن من جلب الاستثمارات الأجنبية ومن خلالها الخبرة والعملة الصعبة من زاوية إنعاش مخزون البلاد من العملة الصعبة وتسوية ميزان الأداءات وكذا نسبة تغطية الصادرات للواردات وهذا هو الأهم.
مما لا شك فيه أن للقضاء دور رئيسي في الرقي بالاقتصاد المغربي إلى المستوى الذي يمكنه من ولوج ألفية العولمة وما تتطلبه، قصد المواكبة وكسب المنفعة، من خلال تمكينه من الارتباط والتواصل مع أسواق الرساميل العالمية. فالقضاء من أبرز الركائز التي ترهن رقي اقتصاد أية دولة كانت. ذلك أنه هو المترجم الحقيقي للاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي. فمهما كانت التحفيزات خصوصا الضرائبية وغيرها من خلال les codes des investissements étrangers والتي باتت دون جدوى جراء التنافسية (لتشابه مضامين قوانين جلب الاستثمارات) القائمة بين مختلف الدول السائرة في طريق النمو(فكل الدول تسعى لجلب الاستثمارات الأجنبية حتى باتت "مغرياتها" الجبائية متشابهة لتفقد بذلك دورها كآلية لجلب الاستثمار). فاتخاذ قرار الاستثمار من طرف المستثمر سواء المغربي أو الأجنبي لا تحكمه مزايا التحفيزات الضريبية، فالنظرة التي كانت تدعي أن انخفاض كلفة الانتاج (اليد العاملة ذات الأجر المنخفض والقرب من مصادر المواد الأولية وغيرها) هي معيار رئيسي في اتخاذ قرار الاستثمار قد أصبحت شبه متجاوزة ليحل محلها الاستقرار السياسي للبلاد والسلم الاجتماعي الذي يعتبر القضاء ضامنه وأساسه. فالاستقرار السياسي يتأتى عن طريق سهر القضاء على ضمان نزاهة ووضوح المشهد السياسي؛ أما السلم الاجتماعي، فيتجلى في قدرة القضاء على ضمان العدالة الاجتماعية في مفهومها الواسع.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.