لقد فقه سلفنا الصالح ما للإحسان من خيرات وبركات، فسلكوا سبيله في أعمالهم كلها، مسترخصين كل نفيس وباذلين كل عزيز، لا تصدهم العوائق ولا العراقيل. فهذا الصحابي الشاب زيد بن ثابت رضي الله عنه ينتدبه الرسول صلى الله عليه وسلم لتعلم اللغة العبرية؛ قَالَ: فَتَعَلَّمْتُ كِتَابَهُمْ مَا مَرَّتْ بِي خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتَّى حَذَقْتُهُ [أَتْقَنْته وأحكمته]. فَكُنْتُ أَكْتُبُ لَهُ إِذَا كَتَبَ، وَأَقْرَأُ لَهُ إِذَا كُتِبَ إِلَيْهِ. (الترمذي)، ثم ما لبث أن أتقن لغات أخرى منها الفارسية والحبشية والرومية كما ذكر أهل السير والتراجم. وهذا أبو عبيد رحمه الله يقول: مكثت في تصنيف هذا الكتاب (غريب الحديث) أربعين سنة، وربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال فأضعها في الكتاب، فأبيت ساهراً فرحاً مني بتلك الفائدة، وأحدكم يجيء فيقيم عندي أربعة أشهر، خمسة أشهر، فيقول: قد أقمت الكثير. وذكر ابن الجوزي رحمه الله أن الإمام أحمد طاف الدنيا مرتين حتى جمع المسند، وأما حافظ المغرب ابن عبد البر فقد مكث ثلاثين سنة في تأليف كتابه «التمهيد». ومن القصص التي تحكى في هذا الصدد، نذكر قصتين: أولا: دخل رجل إلى محل هاتف وبدأ باتصال هاتفي. انتبه صاحب المحل إلى هذا الرجل، وسمع المكالمة الآتية: قال الفتى للطرف الآخر: سيدتي، هل يمكنني العمل لديكِ في تهذيب عشب حديقتك؟ أجابت السيّدة عبر الهاتف: لديّ من يقوم بهذا العمل. قال الفتى: سأقوم بالعمل بنصف الأجرة التي يأخذها هذا الشخص. قالت: أنا راضية بعمل ذلك الشخص ولا أريد استبداله. فألح الفتى وقال: سأنظف أيضا ممر المشاة والرصيف أمام منزلك، وستكون حديقتك أجمل حديقة في البلد. ومرة أخرى أجابته السيدة بالنفي، فتبسّم الفتى وأقفل الهاتف. تقدم صاحب المحل إلى الفتى وقال له: لقد أعجبتني همتك العالية، وأحترم هذه المعنويات الإيجابية فيك وأعرض عليك فرصة للعمل لدي في المحل. أجاب الرجل: لا، وشكراً لعرضك، غير أني فقط كنت أتأكد من إتقان عملي الذي أقوم به حاليا. لأنني أنا الذي أعمل عند هذه السيدة التي كنت أهاتفها. ثانيا: قيل إن نجارا تقدم به العمر، وطلب من صاحب العمل أن يحيله إلى التقاعد ليعيش بقية عمره مع أولاده، فرفض صاحب العمل طلب النجار ورغّبه بزيادة مرتبه فأصر النجار على الخروج من العمل. فقال له صاحب العمل: إن لي عندك رجاءً أخيراً وهو أن تبني منزلاً أخيراً من الخشب، يكون آخر عمل أكلفك به، ثم أحيلك إلى التقاعد. فوافق النجار على مضض، وبدأ بالعمل؛ ولأن هذا آخر عهده برب العمل وعمله، فقد تهاون بالبناء، ولم يستعمل المواد الجيدة، فانتهى من البناء الرديء خلال زمن قصير، وسلّم صاحب العمل مفاتيح المنزل الجديد، واستأذن بالرحيل. إلا أن صاحب العمل استوقفه وقال له: معذرة ولكن اسمح لي أن تتقبل مني هذا المنزل هدية على ما قضيته معي من سنوات العمل عرفانا لك بالجميل. هكذا يرافقنا الإحسان، فلا يغادر صغيرة ولا كبيرة من أعمال الدنيا والآخرة إلا صبغها بصبغته، إن أمر هذه القيمة التي لا تكاد تفارق الإنسان، حتى وهو يرتحل عن الدنيا يوصيه النبي صلى الله عليه وسلم بها لتكون آخر العهد بالدنيا وأول الخطو في الدار الآخرة: فعن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قبل موته بثلاثة أيام ، يقول «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل»(مسلم) .