الاتهامات التي أطلقها حميد شباط أول أمس في كلمته التعقيبية على حصيلة الحكومة التي تقدم بها رئيس الحكومة في جلسة المساءلة الشهرية المشتركة بين مجلس النواب ومجلس المستشارين، تجاوزت السقوف العليا التي يمكن أن يصل إليها الخطاب الشعبوي، وخرجت عن إطار المماحكة والخصومة السياسية إلى ضرب هيبة الدولة ومؤسساتها الدستورية وأجهزتها الأمنية. والحقيقة أن الأمر هنا لا يتعلق برئيس الحكومة الذي تعودت قيادة الاستقلال أن تقول فيه ما يجوز وما لا يجوز، وإنما الأمر يتعلق باتهامات تمس بوظيفة المؤسسات الدستورية وبمهام الأجهزة الأمنية، بل تمس بهيبة الدولة وحرمتها لاسيما وأن هذه الاتهامات المبطنة صدرت في قلب المؤسسة التشريعية وليس على صفحات الجرائد. قد يتبادر إلى الذهن أن الأمر بسيط، وأن السيد شباط يمارس دور المعارضة، ولا يغادر نسق الخطاب الشعبوي الذي تعود عليه، لكن حين يصل الأمر إلى اتهام رئيس الحكومة بالعلاقة مع تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق والموساد الإسرائيلي، فإن الأمر لم يعد خاصا برئيس الحكومة، وإنما أخذ الاتهام أبعادا أخرى، إذ مس بالمؤسسات الدستورية التي مارست صلاحياتها الدستورية عقب انتخابات 25 نونبر ولا تزال تمارس صلاحية تدبير العلاقة مع المؤسسة الحكومية، ومس بسمعة الأجهزة الأمنية المغربية التي اتهمها شباط بشكل غير مباشر بالتقصير في القيام بعملها والاستهانة بأمن البلاد إلى الدرجة التي تسمح فيها بوصول أو استمرار رئيس حكومة في القيام بمهامه الدستورية بتلك المواصفات التي ألصقها شباط به، بل إن المس لحق أيضا بمكونات الأغلبية التي قبلت التحالف مع رئيس الحكومة، ولحق أيضا بمكونات المعارضة التي رضيت أن تستمر في عملها النيابي في ظل حكومة يرأسها شخص بالمواصفات التي الصقها به السيد شباط. لا نريد أن نمضي بعيدا في تفسير أبعاد هذه الاتهامات الخطيرة التي تمس بصورة الدولة وسمعتها ووظائف مؤسساتها الدستورية وأجهزتها الأمنية ومكونات حقلها الحزبي، لكن ما هو جدير بالتسجيل هنا، هو أن للخطاب الشعبوي حدودا ينبغي أن يتوقف عندها، وأن أي تفريط في هذه الحدود، حتى ولو كانت مخرجات هذا الخطاب مفيدة أحيانا في التوازنات السياسية، أو هكذا ينظر إليها، فإن الناتج عنها يكون مضرا بالسياسة، ومشجعا للقوى الراديكالية لإنتاج خطابات تستبيح كل شيء بما في ذلك مؤسسات الدولة ورموزها وأجهزتها الأمنية، بل ومشجعا أيضا للشرائح المجتمعية التي تابعت الجلسة العامة لكي تستبيح مثل هذه الاتهامات وتنتج اتهامات شبيهة بها أو أكثر خطورة منها وتوجهها على اليمين واليسار، إذ ستجد هذه المكونات والشرائح المجتمعية مستندها في نوع الخطابات التي ينتجها قادة سياسيون عهد إليهم الدستور مسؤولية ومهمة تأطير المواطنين، ويلقونها في مجلس النواب. اليوم سمع الجميع هذه الاتهامات التي تمس بسمعة الدولة المغربية، وغدا، إن لم يتم التحرك للقيام بالمتعين القانوني والسياسي، سيصير من المألوف أن يتم إطلاق اتهامات شبيهة أو أكثر خطورة، وسيصبح أمن المغرب وسمعة مؤسساته وصورة أجهزته الأمنية مستباحة يستطيع أي أحد أن يتجرأ عليها. يضاف إلى الأبعاد الخطيرة لهذه الاتهامات أثرها على الصورة التي ترسخت لدى الدول الأجنبية والمؤسسات الإئتمانية والمالية الدولية والمستثمرين الأجانب عن المغرب، إذ كيف سيستقبلون تصريحات لقيادات سياسية تتهم رئيس الحكومة بالعلاقة مع تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق؟ وكيف سيكون تداعياتها على أنشطتهم وتقاريرهم. لا نريد مناقشة هذه الاتهامات، فالجميع يعلم أن السيد شباط يمارس بها نوعا من الفرجة السياسية بدليل أنه لم يتوقف عن إنتاج عشرات من الاتهامات التي استهدف بها مؤسسات (مثل المجلس الجهوي للحسابات بفاس حين اتهم أطره بالعلاقة بالإرهاب) واستهدف بها رئيس الحكومة وقيادات في حزبه، واتهم بها أيضا وزراء وشخصيات سياسية مختلفة الانتماءات، لكن مصالح البلد الحيوية وسمعة مؤسساته الدستورية وفعالية ويقظة أجهزته الأمنية ينبغي أن تكون خارج مشمولات هذه الفرجة، وإلا فإن اللعب بالنار والعبث والمقامرة بمصالح البلد ستصير جزءا لا يتجزأ من الممارسة السياسية اليومية.