لا شك أن الذين تابعوا الجلسة العامة التي عقدها مجلس النواب يوم الإثنين 14 ماي 2012 والتي خصصت للأسئلة الشفهية الشهرية المتعلقة بالسياسة العامة، لاحظوا أن هناك منطقا جديدا للسياسة بدأ يتأسس، وأن الحسابات السياسية التي كانت تؤثر في صياغة مواقف المسؤولين سواء في الحكومة أو الأحزاب السياسية، أصبحت ضعيفة أمام هذا المنطق الذي بدأ يشق طريقه ويتحول تدريجيا إلى ثقافة سياسية تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار حتى ولو أدى ذلك إلى خسارة بمعايير الثقافة السياسية السائدة. لقد كانت هذه الجلسة العامة لحظة أساسية لاختبار نوع الثقافة التي تتبناها جميع المكونات السياسية، ولوضع الخطاب السياسي في المحك، وقياس نسبة «الشعبوية» في خطاب كل مكون سياسي على حدة، لاسيما وأن اللحظة السياسية هي لحظة حساب انتخابي بامتياز. لقد كان بإمكان رئيس الحكومة أن يركب الخطاب الشعبوي، وأن يعمل منطق الحساب الانتخابي، وينتج خطابا يتجاوز «شعبوية» الخطابات التي أنتجتها بعض الأحزاب في تعاطيها مع قضية المعطلين أصحاب الشهادات العليا، لكنه، مع حساسية الملف، اختار منطق رجل الدولة المؤتمن على الالتزام بالمقتضيات الدستورية والملزم بإيجاد الحلول لجميع الملفات ضمن القوانين وليس خارجها، أول أمس، وضعتنا الجلسة العامة أمام ثلاث مفارقات صارخة: - تتمثل الأولى في مدى جدية المكونات السياسية في التعامل مع المقتضيات الدستورية، فبينما ينص الدستور في فصله الواحد والثلاثين على المساواة في الاستفادة من الحق في الشغل ويشترط الاستحقاق لولوج الوظيفة العمومية، تصوغ بعض المكونات السياسية مواقفها بمنطق الحساب السياسي دون استحضار هذه المقتضيات ولو على سبيل التأويل. - وتتمثل الثانية في مدى جدية الأحزاب السياسية في الحفاظ على هيبة المؤسسة التشريعية، بما يعنيه ذلك من الالتزام بالقوانين الصادرة من تحت قبة البرلمان واحترامها، إذ ما الفائدة من برلمان يشرع القوانين التي لا تحترم، ومتى يمكن بناء مصداقية لهذه المؤسسة. وتتمثل الثالثة؛ في الثقافة التي تؤطر الفاعل السياسي في التعامل مع بعض الملفات، وهل يصوغ موقفه بمنطق الربح والخسارة الذاتية، أم يصوغه بمنطق السياسة العمومية التي تعود بالمصلحة على الوطن. لقد كانت هذه الجلسة العامة محطة أساسية لاستيعاب درس رجال الدولة الذين يضحون بكل شيء، بشعبيتهم وربما بوزنهم الانتخابي، ويضحون بجزء من أمنهم وسلامتهم، ويقطعون مع مفردات الخطاب الشعبوي مع ما يمكن أن يحقق من مكاسب في هذه اللحظة وفي مثل هذه الملفات، فقط ليرسخوا ثقافة سياسية جديدة تقوم على الالتزام بمقتضيات الدستور واحترام القوانين ووضع مصلحة الوطن والمغاربة فوق كل اعتبار. ومع أن هذا المنطق قد يكون مكلفا بمعايير الحساب الانتخابي، إلا أن قيم النزاهة والاستقامة والوضوح مع الجماهير ستحوله ليس فقط إلى رصيد شعبي عابر، بل تحوله إلى ثقافة مجتمعية راسخة. بكلمة، لقد أثبتت هذه الجلسة أن النص الدستوري لوحده غير كاف لبناء مؤسسة رئاسة حكومة قوية، وأن الأمر يتطلب بناء ثقافة سياسية جديدة وسلوك سياسي قادر على تحمل كل التبعات من أجل ترسيخها، فقوة هذه المؤسسة لن يكون ربحا خاصا بحزب العدالة والتنمية الذي يتولى اليوم هذه المسؤولية، ولكنه سيكون ربحا للمغرب والتجربة السياسية التي ستخوضها الأجيال القادمة.