هل يحتاج المغرب فعلا لاقتناء وتسخير أحدث وأعقد برمجيات الأمن المعلوماتي لاختراق جهاز هاتف محمول مملوك لهشام منصوري، أستاذ التعليم الابتدائي المفصول من عمله بسبب الخيانة الزوجية واللاجئ حاليا بفرنسا؟ وما هي المعطيات والمعلومات المهمة التي يمكن أن يحملها الهاتف المملوك لهذا الشخص الذي غادر المغرب منذ أكثر من خمس سنوات بسبب فضيحة التغرير بسيدة متزوجة؟ وما هو التهديد الحقيقي أو المفترض الذي يمكن أن يشكله هشام منصوري على أمن واستقرار المغرب؟ ولماذا قد يهتم المغرب الرسمي بالمنبر الفرنسي Mediapart الذي لا يعرفه المغرب الشعبي نهائيا ولا يلتفت لما يكتبه بلغة المستعمر؟ وهل السلطات المغربية بحاجة لتعقب مدير هذا الموقع الفرنسي خارج الحدود في قضايا تتعلق بالأمن داخل الحدود؟ وهل مجرد مؤانسة علي عمار أو زيارة موكادور تستدعي من جانب السلطات المغربية تسخير واستخدام أحد أكثر البرمجيات المعلوماتية تطورا وإثارة للجدل في العالم؟ وهل يتصور عاقل إمكانية اقتناء واستخدام برمجيات بيغاسوس المتطورة لاختراق هاتف عمر الراضي دون استخدام المعطيات المتحصلة من هذا الاختراق المفترض ضده في القضية الجارية حاليا أمام محكمة الاستئناف بالدار البيضاء؟ فالقانون المغربي يسمح بالتقاط واعتراض المكالمات والمراسلات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد شريطة توافر أمر قضائي بحسب منطوق المادة 108 من قانون المسطرة الجنائية؟ فما الذي يمنع القضاء المغربي من مواجهة عمر الراضي بنتائج هذا الاختراق المزعوم بعد إشهاره طبعا للإجراءات القانونية والقضائية التي يشترطها المشرع والدستور المغربيين؟ فالذي يطالع تقرير forbidden stories حول مزاعم وشبهات الاختراق السيبراني بواسطة برمجيات pegasus لهواتف الصحفيين عبر العالم، بما فيها تلك المنسوبة للسلطات المغربية، يجد نفسه محاصرا بسيل من التساؤلات المشروعة والمحيرة في آن واحد! فهل يحتاج فعلا أستاذ للتعليم الابتدائي صار في وقت من الأوقات صحفيا عرضيا بفضل شهادة المعطي منجب المؤدى عنها إلى برنامج معلوماتي متطور لاختراق هاتفه المحمول؟ لماذا وكيف ( وعلاش بالدارجة)؟ خصوصا وأن الرجل يعيش حالة اللجوء المعاشي بفرنسا منذ أكثر من خمس سنوات دون أي تهديد ظاهر للأمن القومي المغربي؟ وهل يمكن للمغرب أن يفاضل في استخدام هذه البرمجيات المتطورة، إن توفر عليها بعد الافتراض الجدلي طبعا، بين هشام منصوري وعمر الراضي وبين جيش الإرهابيين الذين يحدقون بأمن المغرب في محيطه الإقليمي والدولي؟ فلا يحتاج عاقل أو أي شخص في مستوى متوسط من التمييز لكثير من النباهة ليدرك بأن الكفة ستميل حتما لاستخدام التقنيات الحديثة لمكافحة الجريمة المنظمة ومخاطر التهديد الإرهابي، وليس لتعقب معلم لاجئ بفرنسا أو لاستهداف صحفي كان يعمل بنصف دوام أو بدوام متقطع. ويزاد منسوب الحيرة والاستغراب لدى الرأي العام عندما يعلم بأن برمجيات بيغاسوس ليست سلعة تعرض للبيع في المتاجر الممتازة أو يمكن اقتناؤها عن طريق مواقع التجارة الإلكترونية! فهي برمجيات مقيدة ومحصورة التداول وتخضع لبروتوكول بيع الأسلحة الحساسة، التي تحتاج لموافقة مسبقة من وزارة الدفاع الإسرائيلية. وبالتالي فإن حق الولوج لهذا النوع من البرمجيات ليس بمتناول جميع الدول بما فيها المغرب. أكثر من ذلك، فإن قيمة وتكلفة هذه البرمجيات المعلوماتية تقدر بملايين الدولارات حسب تقديرات المختصين في الأمن السيبراني، وبالتالي فإنه حتى في حالة الوصول إلى هذه البرمجيات من طرف الدول المعنية، فإنه سيكون من العبث أو من باب الحمق استخدامها لاستهداف شخص لا يمثل أي تهديد استراتيجي للدولة. فمن غير المستساغ صرف ميزانيات باهظة لتعقب شخص لا يملك رصيدا صحفيا سوى أنه قضى مدة تدريب مقتضبة على يد المعطي منجب! ومن غير المعقول أيضا استخدام مثل هذه البرمجيات على مدير موقع فرنسي لا يعلم به أي مواطن مغربي. لكن كل هذه الحيرة سرعان ما تتلاشى وينقشع الضوء من وراء ضبابية الصورة عندما يدرك القارئ المغربي أن السياق في نشر هذا التقرير غير بريء على الأقل في الحيز الخاص بالمغرب. فهو تقرير جاء ليستبق بأيام قليلة فقط الحكم القاضي بستة سنوات سجنا نافذا في حق عمر الراضي الذي طالما حاولت forbidden stories ومنظمة أمنستي تبييض سجله من جريمة التخابر والاغتصاب. كما أن اقتصار التقرير على الاستشهاد بحالات طالها التقادم الإعلامي وهي حالات هشام منصوري وعمر الراضي وميديابارت يجعلنا نتلمس طيف المعطي منجب وخديجة الرياضي في ثنايا خلاصات التقرير بشأن المغرب.