نقابة تحذر: التجهيزات الرادارية المتهالكة بمطار محمد الخامس تهدد سلامة الملاحة الجوية    ارتفاع أسعار النفط على خلفية الحرب في الشرق الأوسط    ترامب: الحرب مع إيران ستنتهي قريبا.. لم يتبق شيء لاستهدافه    إسبانيا تسحب رسميا سفيرتها لدى إسرائيل وتخفض مستوى تمثيلها إلى قائم بالأعمال    إيران تعلن عدم المشاركة في كأس العالم 2026    بنشيخة مدرباً جديداً لاتحاد طنجة    مشجع لبرشلونة يضيع طريق مباراة دوري الأبطال    ولاية أمن طنجة توقف قاصراً ظهر متشبثاً بسيارة للشرطة في الشارع العام    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الخميس    مقاييس الأمطار المسجلة بالمغرب خلال ال24 ساعة الماضية    مكتسبات وإخفاقات في يوم المرأة العالمي    المغاربة يرمون سنويا 4.2 مليون طن من الغذاء و40 مليون قطعة خبز تذهب يوميا إلى النفايات        الأقسام التحضيرية المغربية تتصدر ترتيب أفضل الأقسام التحضيرية الأجنبية للمدارس العليا الفرنسية        دوري أبطال إفريقيا.. مباراة الذهاب بين الترجي التونسي والأهلي المصري ستجرى بشبابيك مغلقة    جامعة القنيطرة تطرد 18 طالبا.. واستنكار ل"استهداف" الحركة الطلابية    انتخابات 2026.. دعوات لانفراج حقوقي ومطالب بتشاور جدّي حول المراسيم التطبيقية    نايف أكرد يخضع لعملية جراحية ويغيب عن وديتي الإكوادور وباراغواي        مطلب إلحاق جماعة تروكوت بإقليم الحسيمة يعود إلى الواجهة    العصبة تعلن إيقاف منافسات البطولة الاحترافية مؤقتًا    أخنوش يحضر مأدبة عشاء في باريس    باريس.. 27 دولة من بينها المغرب توقع إعلانا حول تمويل الطاقة النووية    الأمم المتحدة.. ابن يحيى تترأس بنيويورك اجتماعا حول ولوج النساء ضحايا العنف إلى العدالة    توقعات بانتعاش تجارة الجملة بالمغرب في 2026 مع ترقب ارتفاع المبيعات    مراكش: توقيف إندونيسي مبحوث عنه دوليا بتهم فساد مالي وتلاعب بأسواق الرساميل    دول السبع تدرس الإفراج عن الاحتياطات الاستراتيجية بسبب الحرب على إيران    بداية خضراء لبورصة الدار البيضاء و"مازي" يحقق مكاسب جديدة    بعد أيام من تعيينه مرشدا أعلى لإيران.. أنباء عن إصابة مجتبى خامنئي    وجدة: فتيات الإنبعاث يواصلن أنشطتهن الرمضانية    مطالب برلمانية بتأجيل العطلة البينية إلى ما بعد عيد الفطر    إيران تهاجم البنوك والمؤسسات المالية    مديرية التعاون الوطني بالعرائش تحتفي بنسائها في يومهن العالمي    الفركتوز المضاف إلى الأغذية المصنعة يؤذي الكلى    كيوسك الأربعاء | مستشفى جامعي ضخم يفتح أبوابه للكفاءات الطبية بالعيون    ليلة الأبطال.. بايرن وأتلتيكو يكتسحان وبرشلونة يخطف التعادل وليفربول يتعثر    تطوان تحتضن «وحدة اليسار المغربي» في سمر سياسي رمضاني يناقش إكراهات الواقع ورهانات المستقبل    أزيد من 96 مليون قاصد للحرمين الشريفين خلال أول 20 يوما من شهر رمضان    الدفاعات الإماراتية تعترض صواريخ إيرانية    بنشيخة يقترب من تدريب اتحاد طنجة    كيف واجه المغرب عاصفة من الهجمات الرقمية في "كان 2025"...    عابر كلمات.. "الشوق"    منع جدارية بمقهى ثقافي بطنجة يثير جدلا ونشطاء يطالبون بالتعامل مع الفن خارج البيروقراطية    أمالاي... القناة الأولى تواصل رحلة توثيق نبض المغرب العميق في موسمه الخامس    مؤسسة علال الفاسي تنظم ندوة فكرية حول « السيرة النبوية» بمناسبة مرور 15 قرناً على المولد النبوي    المشاركة السياسية للمرأة والقوانين الانتخابية بالمغرب    دراسة تبحث علاقة المياه الجوفية بالشلل الرعاش    حفيظة واهيا، مغربية على رأس مختبر أبحاث في الصين    عمرو خالد يقدم برنامجًا تعبديًا لاغتنام العشر الأواخر من شهر رمضان    أخصائية في الأعصاب تبرز أهم مخاطر قلة النوم    بمناسبة 8 مارس.. خبراء يحذرون من تحدٍّ كبير لصحة المرأة    موعد مع ليلة مباركة في الذكر والابتهال وتجويد القرآن بمركز بوكماخ بطنجة        الدكتور محمد موهوب في رحاب ثانوية أبي العباس السبتي    عمرو خالد: سورة النور وصفة قرآنية تبدد حُجُب الظلام عن بصائر المؤمنين    تحديد ‬الكلفة ‬النهائية ‬للحج ‬في ‬63 ‬ألف ‬درهم ‬تشمل ‬لأول ‬مرة ‬واجب ‬‮«‬الهدي‮»‬        







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نحو تلمس خيوط سوسيولوجيا اليومي:"الفكر الهجراتي" هنا والآن
نشر في بيان اليوم يوم 24 - 06 - 2021

لا يختلف اثنان أن مسألة الهجرة لا تستقيم خارج سياقاتها الاجتماعية والمجالية، وعليه، تصبح من مهام العلوم الاجتماعية – بشكل أو بآخر – الكشف عن هذه السياقات وما تفرضه من تحولات وتغيرات حول كيفية حضور الهجرة في الظاهرة الاجتماعية، سواء من زاوية التصور الضيق التي تجعل منها "انتقالا من أرض إلى أرض"، أو باعتبار "الزوم" الواسعة والعميقة التي تسِمُها بالدينامية المجالية والاجتماعية تبعاً لما قد تحدثه من آثار مادية أو ثقافية، إيجابية أو سلبية، في المجال المهاجر منه والآخر المهاجر إليه. فما المقصود تحديداً بالهجرة؟ وكيف تمت مقاربتها بعين سوسيولوجية؟ وهل نتحدث عن الهجرة بصيغة المفرد أم هجرات بلغة الجمع المتعدد؟ وكيف نقرأ جغرافياتها في بعض الحقول المعرفية المتقاطعة سوسيولوجياً؟ ثم إلى أي حد يمكن تتبع مسارات المهاجر من التخطيط إلى التنفيذ وما يترتب عن هذه وتلك في احتكاكه علائقياً بالمجال والمجتمع الطارد والجاذب؟
رزنامة من الأسئلة قد تجد لنفسها أكثر من مبرر منهجي في مفتتح هذا القول، ليس فقط لأنها تضعنا على طريق التساؤل النقدي، بل لأنها تعبّد لنا الطريق نحو مقدمات تمهيدية للاقتراب أكثر من مطامح ورهانات سوسيولوجيا الهجرة بحثا عن بعض المداخل المؤدية إلى دوائرها؛ واعتبارا لذلك سيكون الحفر الأركيولوجي الجغرافي- التاريخي آلية أساسية ضمن آليات اشتغالنا على هكذا موضوع كما أكد على ذلك الدكتور عبد الرحيم العطري ذات سياق مقالي.. خصوصاً إذا علمنا أن الإنسان ابن بيئته المجالية الطبيعية والاجتماعية، يؤثر فيها ويتأثر من خلالها؛ فنجاحه وفشله، تقدمه وتأخره، رهين بنوعية العلاقة التي يقيمها مع هذه البيئة. ومع غياب أي ثبات في الأشكال السوسيو مجالية التي ينتجها هذا الإنسان، والتي تسمح بالتحديد الدقيق لبنياته الاجتماعية، تصبح محاولات فهم تلك العلاقة أكثر صعوبة وإبهاما في ظل الحركية البشرية المتسارعة هنا وهناك. الأمر الذي يجعل من سوسيولوجيا الهجرة في عمقها ومشروعها المعرفي تنتبه إلى أهمية "الشكل المجالي" للواقع الاجتماعي، واستحضاره في صفحاتها باعتباره متغيرا مستقلا وليس تابعا فقط كما هو الشأن في أبحاث ودراسات عديدة.
وهكذا فإن مسارنا على عتبات باب المفهمة يفرض علينا استحضار سؤالين اثنين: هل نتحدث عن هجرة من المجال القروي؟ أم هجرة إلى المجال القروي؟ مع الإشارة أن كليهما تدخلان ضمن نطاق ظاهرة اجتماعية تحيلنا إلى نوع من الحراك الاجتماعي، وبالتالي فهُما – بشكل أو بآخر – هجرة قروية. نقف هنا لنذكر، ونؤكد في نفس الوقت، أن هناك ثراءً على مستوى التعريفات التي قدمها العلماء لوصف ظاهرة الهجرة، حيث تتقاطع في مجملها على أن الهجرة: حركة انتقال فردية أو جماعية من موقع لآخر، ومن جماعة لأخرى، بحثا عن عامل الأفضلية والأريحية بتلاوينها المختلفة، سواء أكانت مؤقتة أم نهائية بلغة الزمن. الأمر الذي يضعنا أمام هجرات متعددة وليس هجرة واحدة بلغة المفرد، حيث يمكن الحديث في هذا الإطار عن هجرة من حيث الكم في إحالة إلى ثنائية "الهجرة الفردية والجماعية"؛ وهجرة من حيث الكيف، والتي تنقسم أيضاً إلى قسمين: هجرة "شاقولية" أو عمودية يسعى المهاجر من خلالها إلى تحسين ظروف عيشه، وهجرة أفقية تهمّ تغيير مكان الإقامة فقط مع الاحتفاظ بالعمل نفسه؛ ثم هجرة من حيث الزمن ونقرأ فيها الديمومة أو "الأنسطونطانية" (تبعاً للحظات)، أي إما أن تكون نهائية أو مؤقتة؛ ثم هجرة من حيث المسبب، وتتعدد مظاهرها بتعدد الليل والنهار، حيث نقرأ فيها الهجرة الاختيارية أو القسرية، أو الهجرة السرية إلى غير ذلك. وبالتالي نحن أمام جغرافيات متعددة لمفهومنا المحوري، وفي حقول معرفية مختلفة، والتي لا يمكننا أن نتجاوز إسهاماتها في تنوير المسار السوسيولوجي للهجرة عموما والقروية خصوصا، تماماً كما علمنا آلان فرانكفيل حين أكّد أن "عدة علوم ينبغي أن تتعاون لدراسة فعل الهجرة، وموضعة هذه الظاهرة في إطار الكل الاجتماعي الذي توجد فيه". وفي هذا الصدد، نمرّ مرور الكرام على الحقل الجغرافي، الديمغرافي، الاقتصادي، السياسي والإحصائي، لنرسو بسفينة مفهمة الهجرة في الحقل السوسيولوجي، فنشير أن أحبابنا السوسيولوجيين اهتموا في البدء بدراسة ظاهرة هجرة السكان تحديداً من القفر إلى الحضر (من القرية إلى المدينة) في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وذلك نظرا لاتساع رقعة المتصل الحضري/القروي، وما رافقها من مشاكل وأزمات اجتماعية من قبيل: ظاهرة الانحراف وسبل الاندماج، وارتباطات هذه وتلك بمتطلبات الظروف السوسيو اقتصادية التي يفرضها المجتمع الصناعي على اليد العاملة التي عجزت المراكز الحضرية القديمة عن توفيرها، واستنجادها بالمجالات القروية وسكانها لسد الخصاص، إلى غير ذلك.. ونجد في "الفلاح البولوني" نموذجاً لهذا النوع من الحراك الاجتماعي.
ومن ثمة، فالهجرة في المجتمع البشري، كما أكد على ذلك الدكتور نور الدين المصوري، تختلف اختلافا كثيراً عن هجرة الكائنات الأخرى في كونها ليست ظاهرة طبيعية أو عفوية، وإنما هي سلوك حامل لدلالات اجتماعية وثقافية، سياسية واقتصادية، لا يمكن فصلها بأي حال من الأحوال عن الوعي والمجتمع البشريين؛ على اعتبار أن فعل الهجرة عند الإنسان ليس مجرد حركة انتقالية في المجال شبيهة "بتحرك جماد"، وإنما هي هجرة برأسمال وثقافة، وآمال وآلام أيضا. وضمن هذه الرؤية، يأتي الاهتمام بظاهرة الهجرة باستحضار ثنائية "المجال والمجتمع" عبر مستويين: مستوى أصلي (المجال المهاجر منه) للكشف عن الأسباب التي دفعت المهاجر إلى الهجرة، ومستوى الاستقبال لرصد الاستراتيجيات التي يستخدمها القائم بفعل الهجرة للاندماج مع المجال المهاجر إليه، ثم لتتبع الآثار التي يحدثها فيه. وهكذا، يكون المنطلق في بداية "المشوار الهجراتي" مجالياً في بعده الجغرافي الفيزيقي، فيصير عاكسا لثنائية الطرد أو الجذب جراء الخيرات التي يتيحها لقاطنيه؛ ولكي تنطبق هذه الثنائية لابد أن توجد جماعة إنسانية تستوطنه، والتي تعبر عن المجتمع في علاقته بالمجال أصلا. فعدم كفاية الخيرات المتاحة مجاليا يجعل الأفراد يطبقون نوعا من الحساب العقلاني الاقتصادي (التكلفة والفائدة التي يحتمل أن تصاحب عملية الهجرة)، عبر القيام بمعادلة رياضياتية تهم أساسا المقارنة بين وضعية حالية ووضعية استشرافية (الحاضر/المستقبل)؛ وبالتالي يتخذون قرارهم في الهجرة (الفعل/عدم الفعل)؛ تماما كما أشار إلى ذلك الباحث المغربي عبد الرحمان المالكي حين تحدث عن وجود استراتيجية حافلة بالمقارنة والحسابات تتوارى خلف فعل الهجرة. لكن المعرفة السوسيولوجية بخصوص ظاهرة الهجرة لا تكتفي بنوع من المقاربة الأحادية المستندة على ثنائية "الطرد/الجذب" في تفسير الظاهرة، بل ينبغي استحضار ما أشار إليه السوسيولوجي "خالد شهبار" في "نظرية الشبكات والرأسمال الاجتماعي" القائمة على فكرة دخول المهاجر في شبكة من العلاقات الاجتماعية مع مهاجرين (أصدقاء أو أقارب) سبقوه لفعل الهجرة، باعتبارهم نافذة يطل عبرها المهاجر على مجتمع الوفود الذي يظل – حسب وصفهم له – أحسن حالا من المجتمع الأصلي؛ وبالتالي فإن الصورة النمطية الإيجابية، الناجمة عن القيام بهذه المقارنة، هو ما يفسر ظاهرة الهجرة في جزء كبير منها. لكن المشكل الذي قد يتخلل استراتيجية الهجرة تلك، حسب الباحث الجزائري "عبد المالك صياد"، يكمن في قولبة التقييم الإيجابي من طرف المهاجرين القدامى بأكاذيب وطرّهات مشجعة على إعادة إنتاج ظاهرة الهجرة، بعيداً عن التصريح الحقيقي عن واقع المجتمع المستقبل. الأمر الذي يجعل من متغير "الاتصال الثقافي" بين مجتمع الأصل ومجتمع الوفود، والقرب المجالي الجغرافي الذي يفيد في تدعيم هذا الاتصال، من بين المتغيرات القوية في تفسير العوامل المساعدة على بزوغ ظاهرة الهجرة، حيث نقرأ في الأول مدى تواصلية الجماعة الأصلية للمهاجر مع الجماعة المستقبلة عبر علاقات المبادلات أو ظاهرة الاستعمار أو غيرهما، مثلما نقرأ في المتغير الثاني مسافة القرب بين المجالين الحاضنين للجماعتين (الأصلية والمستقبلة)، من قرية ومدينة مجاورة، أو دولة ودولة مجاورة،… وكلما كانت هذه المسافة قصيرة كلما تقوّى معها فعل الهجرة، على اعتبار أن غالبية المهاجرين يفضلون الاستقرار على مقربة من جماعتهم الأصلية نظراً لاقتناعهم بأن الهجرة هي "حالة مؤقتة" فقط.
وهو ما يجعلنا نسائل سوسيولوجياً مسارات الهجرة باعتبارها ظاهرة يمكن النظر إليها عبر تقطيع منهجي للحظاتها الموزعة بين الما- قبل، وأثناء، ثم الما- بعد فعل الهجرة، في إحالة على البحث في متغيرات الانطلاق ومتغيرات الوصول التي تحيل بدورها على عدم إمكانية القيام بمقاربة "سوسيولوجيا الوفود L'émigration" دونما استحضار لسوسيولوجيا "النزوح L'immigration". وهو بالضبط ما نلمسه في دراسة "وليام إسحاق طوماس" و"فلوريان زنانيكي" حول "الفلاح البولوني"، واقتناع رواد مدرسة شيكاغو بأن المجتمع الأمريكي يملك القدرة على استيعاب وانصهار الأقليات الوافدة إليه في إطار الاندماج؛ مثلما نقرأه أيضا في مساهمة السوسيولوجي الجزائري "عبد المالك صياد"، سواء عبر العمر الأول حيث يعتبر المهاجر مبعوثا ل "تاجماعت" الأصلية ليس إلا، أو العمر الثاني وفق "الهابتوس الاقتصادي"، حيث يصبح مجتمع الأصل تابعا للفرد المهاجر، أو العمر الثالث حيث تتخذ الهجرة نموذجا جديدا يجلب من خلاله المهاجرون أسرهم من موطنهم الأصلي بغرض الاستقرار في مجتمع الوفود؛ ومن ثمة يملك المهاجر قوة "الحضور المزدوج"، إذ يمكنه التأثير أيضا في جماعته الجديدة والقديمة عبر مؤسسات جمعوية وهياكل قانونية تيسر التواجد بهما معا.
وبإسقاط ذلك على التربة المغربية، نجد أن ظاهرة الهجرة تشكل حلقة مهمة في تاريخ التحولات التي عرفتها بنيات المجتمع المغربي، سواء في فترة الاستعمار أو ما قبلها وما بعدها، وما رافقها من تضييق للمعيش اليومي للساكنة وفرض أشكال استعمارية اقتصادية وتجارية واستنزاف لثروات وخيرات البلاد، ناهيك عن عمليات مصادرة الأملاك واستيلاء على الأراضي؛ الشيء الذي أدى إلى خلخلة النظام المجتمعي على مستويات عدة، وساهم – إلى حد ما – في انطلاق حركية مجتمعية تجلت في ظاهرة الهجرة القروية بشكل مكثف. وقد استمر نفس "المسلسل التراجيدي" للهجرة تقريباً بعد الاستقلال، حيث رغم إنجاز الدولة لمجموعة من المشاريع التنموية فإن السياسة المعتمدة في صياغة تلك المشاريع لم تستطع التخلص من الإرث الاستعماري، ولم تكرس سوى التفاوتات وغياب التكامل السوسيو اقتصادي بين المدينة والقرية ووسعت من هوة المفارقات بين هذه وتلك، خاصة بعد تغلغل النمط الرأسمالي وإدماج المغرب في السوق العالمي بما يتلاءم وخدمة أهداف الرأسمالية التي جعلت من مسألة التنمية إشكالية حقيقية. وتتمظهر هذه الأخيرة مغربياً في استمرار سياسة المركزية التي أدت إلى مضاعفة الأزمة في المجال القروي وعوامل الطرد فيه جغرافياً، اجتماعياً، ثقافياً، ديموغرافياً، اقتصادياً وسياسياً، مثلما جعلت من مجتمع المدينة يقبع أكثر فأكثر تحت رحمة عوامل الجذب عبر الاكتساح القروي على شكل موجات مكثفة من الهجرة غير المنظمة؛ موجات أصبح من خلالها الفلاحون والقرويون عموماً يغيرون نظرتهم إلى الأرض وإلى مجالهم القروي وطبيعة الحياة فيه، بوصف نمط عيشهم في أحضانه بالقاسي والجاف والمتعب والمعزول. وإذا ما سلمنا أن العامل الحاسم في اتخاذ قرار الهجرة غالبا ما يكون اقتصاديا صرفاً فإنه في ذات الآن لا يمكن اعتباره العامل الوحيد والأوحد، إذ يتحدث المالكي عن وجود ما أسماه ب "العامل المركب"، في إحالة على وجود أسباب متعددة كل واحد منها يؤدي إلى الآخر؛ الأمر الذي يجعلنا نقرّ بأن المغرب، ومن خلاله القرية المغربية، بلد هجرات بامتياز.
وهكذا، فالهجرة لا تنتمي إلى سلّم الفجائيات، وليست ضربا من العشوائيات وغياب الدوافع والمبررات؛ فعندما يقرر المهاجر تفعيل الهجرة، فهو يبني سلفاً استراتيجية ينشد من خلالها تغيير الحال والمآل. وقد وضع "المالكي" خطاطة نموذجية تلخص مسار انتقال المهاجر من البادية إلى المدينة، تنطلق أولا من لحظة التردد والاختيار عبر إجراء مقارنة بين المكان الأصلي والمكان المستقبل (البادية والمدينة)، تماما كما صرح بذلك أحد ساكنة جهة فاس مكناس على سبيل المثال لا الحصر حين قال: "الله يدّينا لفاس ويْدّي فاس للجَنّة"، بغرض تكوين صورة سلبية عن مكانه الأصلي (البادية) وأخرى إيجابية عن المدينة، في أفق البحث عن سبب مباشر للهجرة (جفاف، ضعف المدخول، عدم امتلاك أرض، الفقر، تعليم الأطفال، الضغط الاجتماعي، المشاكل العائلية، وفاة الأب أو الأم،…)؛ وثانيها الانخراط في شبكة هجراتية تيسر ميكانيزم الهجرة عبر ربط علاقة مع أقارب أو أصدقاء في المدينة من خلال الزيارات المتبادلة، والقيام بهجرات "تسخينية" متتالية للمدينة بحثاً عن العمل أو السكن؛ لتختتم ثالثا بتفعيل الهجرة إما بشكل فردي أو آخر جماعي – لاحقاً – مع باقي أفراد الأسرة/العائلة. جدير بالذكر أن المهاجر يمر بما يعرف بمراحل الاندماج في بلد الاستقبال، حيث نستنجد في هذا الباب بأحد رواد مدرسة شيكاغو (روبرت إزرا بارك نموذجاً)، ودورة "العلاقات العرقية" في تفسيره لسيرورة الاندماج، والتي دشنها بدخول المهاجر الجديد في المنافسة، بحثاً عن موقع ضمن النسيج الاجتماعي المستقبل، ومحاولته لانتزاع الاعتراف بالوجود من الآخرين؛ وأهم ما يميز هذه المرحلة هو الغرابة في الاتصال والتواصل. بعدها تأتي مرحلة الصراع، حيث يبرز نوع من البحث عن اقتسام السلطة بين المهاجر والمجتمع المستقبل، إذ أصبح هذا جزءا من ذاك؛ وأمام معادلة رفض الاعتراف ينفجر الصراع الذي يعتبره "بارك" إيجابياً بوصفه اعترافاً في حد ذاته، ومن ثمة يتم تقديم تنازلات من شأنها التقليل من هذا الصراع لدرجة تجعل جماعة المهاجرين تفرض نفسها في هذه المرحلة ولو من موقع ضعف. ثم تأتي مرحلة التكيف كنتيجة حتمية للاعتراف سالف الذكر، الذي يفتح معه جسور التواصل؛ وهو ما يجعل المهاجر ينفتح على مستويين: الاحتفاظ بنظامه الثقافي العاداتي الأصلي، فيواصل مسار الصراع لدرجة القطيعة، أو يعترف جزئيا بثقافة البلد المستقبل ويحدث ما يسمى بالتوافق الثقافي. وأخيرا مرحلة الاستيعاب التي تُعد الأطول زمنياً وتعقيداً، تبعاً لشبكة العلاقات التفاعلية التي تنسج من خلالها، وهذا التفاعل يخضع للكثير من الشروط والتنازلات المتبادلة، وجملة من التوافقات المصطنعة، حيث الخوف من صدام الثقافات المختلفة مستقبلا يجعل التوافق ممكنا دون ذوبان. وهكذا، يمكن التأشير في الختام على تغير طبيعة كل من المهاجِر والمهاجَر إليه، فالمدينة بعد حلول المهاجر لا تظل هي نفسها، كما أن المهاجر بعد حلوله بها لم يعد ذاك الإنسان القروي ذاته؛ وبالتالي يبرز سؤال الاندماج والهوية المجالية. ليصبح المهاجر هنا هو ذاك الشخص الذي عبر عنه بارك بقوله إنه "إنسان ثقافتين" و"إنسان مجتمعين"، حيث لا يزال متمسكا بثقافته الأصلية ويحاول في نفس الوقت الانخراط في "الثقافة الجديدة". الأمر الذي يجعل أصنافا من المهاجرين إلى المدينة يسعون إلى تكوين مجتمعاتهم الخاصة، حيث يميلون إلى الاجتماع في منطقة حضرية معزولة تصبح منطقة "الحراك الهجراتي"، والتي يسميها "إرنيست بيرجيست" بالميناء المفضل للدخول (دخول مهاجرين جدد)، باعتبارها منطقة تساعد على إدماج المهاجرين وتأقلمهم تدريجيا في مجتمع الوفود دون مشاكل.
هكذا تضع سوسيولوجيا الهجرة الظاهرة الاجتماعية المغربية هنا والآن أمام مرآة واسعة الأبعاد، تجعلها تنظر إلى ذاتها بكل أبعادها واختلافاتها، وتطرح التساؤل نفسه: إلى أي حد يستثمر الساسة (من السياسة) مخرجات هذه النوع من السوسيولوجيا في بناء بيئة مجتمعية سليمة تنمويا؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.