أيمن الزبير-إعلامي مغربي بقناة الجزيرة لا يخفى على المتابع للشأن الاسباني ان علاقات جارتنا اسبانيا مع الولاياتالمتحدةالامريكية لا تمر بأفضل احوالها في الظرف الراهن. فبعيدا عن سنوات الود التي وسمت علاقات مدريدوواشنطن خلال فترات حكم اليمين الاسباني، ظل في العلاقة دائما شيء من المد والجزر. وقد اتخذ التوتر منحى اكثر وضوحا منذ ان قرر الرئيس الاشتراكي الاسبق خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو سحب القوات الاسبانية من العراق، في مراجعة سياسية لقرار سابق اتخذ خلال ولاية رئيس الحكومة الاسبق خوسيه ماريا اثنار، الزعيم اليميني الذي وصف من قبل خصومه بأنه اقرب الى اليمين المتشدد في مقاربته للسياسة الخارجية، حين زج بالجيش الاسباني في حرب عارضتها اغلبية واسعة من الاسبان، معتبرين انها لا تخدم المصلحة الوطنية.
لاحقا، تمكن كاتب الدولة في الخارجية الاسبانية، برناردينو ليون، من رأب الصدع واعادة شيء من الدفء الى العلاقات الثنائية، غير ان ذلك الدفء لم يكن طويلا بما يكفي ليؤسس لمرحلة استقرار حقيقي.
فحتى قبل السابع من اكتوبر، كانت تتسرب الى اوساط الطبقة السياسية في مدريد قناعة مفادها ان الادارات الامريكية المتعاقبة لا تنظر بكثير من الثقة الى ساكن قصر قصر مونكلوا. وقد بدا ذلك جليا عندما اعترف الرئيس الامريكي الاسبق دونالد ترامب في ولايته الاولى بالسيادة المغربية على الصحراء. يومها راهن رئيس الحكومة الحالي بيدرو سانشيث على احتمال ان تعيد ادارة جو بايدن النظر في القرار، غير ان ثبات الموقف الامريكي، رغم تغير اللون السياسي في البيت الابيض، بدد ذلك الرهان.
ثم جاء السابع من اكتوبر ليكشف اتجاها اسبانيا اكثر استقلالية في مقاربة بعض الملفات الدولية، لا سيما في ما يتصل بالحرب على غزة. فقد اختارت مدريد خطابا واضحا في وقوفه الى جانب الضحايا المدنيين، وأطلقت حملة دبلوماسية للاعتراف بالدولة الفلسطينية، بلغة خلت من المعايير المزدوجة التي طبعت مواقف بعض العواصم الاوروبية.
كان رهان يدرك سانشيث كلفته السياسية والدبلوماسية، لكنه فضل الاصغاء الى مزاج داخلي واسع رأى في الانتصار لغزة موقفا اخلاقيا قبل ان يكون حسابا استراتيجيا.
ولم تتوقف التباينات عند هذا الحد، بل امتدت الى اروقة حلف شمال الاطلسي؛ فخلافا لانصياع بعض الاعضاء للضغوط الامريكية، رفضت مدريد بوضوح رفع انفاقها الدفاعي الى 5٪ من الناتج الداخلي الخام، وهو ما اثار امتعاض ترامب واعاد الى الواجهة سؤال حدود الالتزام الاوروبي بكلفة الحماية الامريكية.
اليوم، وبعد ان دعا ترامب الى قطع العلاقات التجارية، يعود التوتر الى مستويات لم يشهدها البلدان منذ سنة 1898، حين ساهمت الولاياتالمتحدة في حرمان اسبانيا من اخر ما تبقى لها من مستعمرات ما وراء البحار.
صحيح ان حجم المبادلات التجارية بين مدريدوواشنطن لا يضع الولاياتالمتحدة في صدارة الشركاء الاقتصاديين لاسبانيا، غير ان الارقام تكشف تشابكا اقتصاديا لا يمكن الاستهانة به. فقد بلغت الصادرات الاسبانية الى الولاياتالمتحدة، ما بين يناير واكتوبر، نحو 13.967 مليار يورو، اي ما يعادل 4,3٪ من اجمالي الصادرات الاسبانية خلال الفترة ذاتها، مع تسجيل تراجع بنسبة 7,9٪ مقارنة بالسنة السابقة.
في المقابل، استوردت اسبانيا من الولاياتالمتحدة ما قيمته 25.985 مليار يورو خلال الاشهر العشرة الاولى من السنة، بزيادة بلغت 9,9٪، وهو ما يمثل 7٪ من اجمالي الواردات الاسبانية. ارقام تترجم عجزا تجاريا واضحا لصالح واشنطن.
معطيات لا شك انها ستتأثر بحالة الاحتقان السائدة بين الطرفين، لكن ليس بالمستوى الذي قد توحي به كلمات ترامب. فالاتفاقيات الدولية تحكمها منظومة معقدة من القوانين والالتزامات المتبادلة، وضمانات مؤسساتية يستحيل تفكيكها بين عشية وضحاها، حتى في ظل خطابات سياسية عالية السقف.
غير ان الثابت سياسيا هو ان التهديدات الامريكية ستمنح وقودا لتيار اليمين المتشدد داخل اسبانيا، الذي، على غرار نظرائه في المجر وايطاليا، لا يخفي وده لترامب، ويرى في صعوده فرصة لاعادة تشكيل التوازنات الداخلية وانتهاء حقبة اليسار.
قد تبدو هذه الظرفية قاتلة لطموحات سانشيث في تجديد ولايته، لكن الواقع اعقد من اختزاله في معادلة ضغط خارجي يقابله ضعف داخلي. ففي لحظات الشدة، اثبت اليسار الاسباني تاريخيا انه يميل الى التماسك خلف قياداته، وان استدعاء "الخطر الخارجي" غالبا ما يعيد ترتيب الاولويات داخل قواعده الانتخابية. كما ان جزءا مهما من الرأي العام الاسباني لا ينظر بعين الارتياح الى أي وصاية امريكية محتملة على القرار الوطني، مهما كانت طبيعة الخلاف. لذلك، فان ما يبدو اليوم أزمة مفتوحة، قد يتحول غدا إلى ورقة سياسية مزدوجة الحد: تضغط على الحكومة من جهة، لكنها تمنحها في الوقت ذاته فرصة لتقديم نفسها كمدافع عن السيادة الوطنية في وجه الاملاءات الخارجية. وفي السياسة، كثيرا ما تتحول الازمات الى منصات لاعادة التموضع، لا الى شهادات وفاة مبكرة.