قدم وزير العدل، اليوم، عرضاً مفصلاً أمام لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب حول مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، في خطوة تشريعية جديدة تروم تحديث الإطار القانوني للمهنة وتعزيز مكانتها داخل منظومة العدالة. واستهل الوزير كلمته بآية من القرآن الكريم، في سابقة لافتة، حيث تلا قوله تعالى: "ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين"، قبل أن يؤكد أن المشروع يندرج ضمن مواصلة تنزيل إصلاح منظومة العدالة، خاصة ما يتعلق بتأهيل المهن القانونية والقضائية باعتبارها ركيزة أساسية لتحقيق النجاعة القضائية. وأوضح المسؤول الحكومي أن مهنة المحاماة تحتل موقعاً محورياً في حماية الحقوق والحريات، باعتبارها الضامن الفعلي لحق الدفاع، وأحد الأعمدة الأساسية لشروط المحاكمة العادلة، مشيراً إلى أن المشروع الجديد جاء بعد تقييم شامل للقانون الحالي الذي مضى على دخوله حيز التنفيذ أكثر من 17 سنة، وما أفرزه التطبيق العملي من تحديات وإكراهات. إصلاح عميق لمسار الولوج والتكوين وفي هذا السياق، كشف الوزير أن المشروع يقترح اعتماد نظام المباراة لولوج المهنة بدل الامتحان المعمول به حالياً، بهدف ضبط معايير الانتقاء واستقطاب الكفاءات المؤهلة. كما ينص على إرساء مسار تكويني متكامل، يمر عبر مرحلة "طالب محامٍ" لمدة سنة داخل معهد التكوين، يعقبها تدريب ميداني يمتد لسنتين، موزعة بين العمل داخل مكاتب المحامين والتدريب بالمؤسسات والإدارات ذات الصلة. وأكد أن النص يمنح أهمية خاصة للتكوين المستمر والتخصصي، عبر إلزام المحامين بتحديث معارفهم ومواكبة التطورات التشريعية والقانونية، مع اعتبار الإخلال بهذا الالتزام مخالفة مهنية. تنويع أشكال الممارسة والانفتاح على الخارج وعلى مستوى مزاولة المهنة، جاء المشروع بمقاربة مرنة تتيح للمحامي الاشتغال بشكل فردي أو ضمن شراكات مهنية أو شركات مدنية، فضلاً عن إمكانية العمل كمحامٍ مساعد، بما يواكب التحولات التي تعرفها المهنة. كما فتح النص المجال أمام التعاون مع محامين أجانب أو مكاتب دولية، وفق ضوابط قانونية دقيقة، تراعي حماية السيادة المهنية وضمان احترام القوانين الوطنية، مع إمكانية الترخيص الاستثنائي لمكاتب أجنبية لمزاولة نشاطها بالمغرب في إطار مشاريع استثمارية محددة. وفي سياق تعزيز الشفافية، ألزم المشروع المحامي بإبرام عقد مكتوب مع موكله يحدد بدقة طبيعة المهمة والأتعاب وشروط الأداء، بما يضمن وضوح العلاقة التعاقدية بين الطرفين. تعزيز حصانة الدفاع وضبط السلوك المهني وشدد المشروع على تقوية ضمانات المحامي أثناء مزاولة مهامه، من خلال التنصيص على إشعار نقيب الهيئة في حالة الاعتقال أو الوضع تحت الحراسة النظرية، وعدم الاستماع إلى المحامي إلا بحضور النقيب أو من يمثله، متى كان الأمر مرتبطاً بالمهنة. كما نص على إلزامية ارتداء البذلة المهنية أثناء الجلسات، ومنع كل ما من شأنه التشويش على السير العادي للمحاكم، بما في ذلك تنظيم وقفات احتجاجية داخل فضاءاتها. تأديب أكثر صرامة وضمانات أوفر للمحاكمة العادلة وفي الشق التأديبي، أدخل المشروع تعديلات تروم تسريع مساطر البت في الشكايات، عبر تحديد آجال زمنية واضحة لاتخاذ القرار، مع تمكين النيابة العامة من الطعن في بعض القرارات، وتعزيز رقابة القضاء على المسطرة التأديبية. كما كرس النص ضمانات المحاكمة العادلة لفائدة المحامي، من خلال تمكينه من الاطلاع على ملفه والاستعانة بدفاع، إلى جانب إمكانية إجراء تحقيقات حضورية قبل اتخاذ أي قرار تأديبي. توازن بين الاستقلالية والنجاعة وختم وزير العدل عرضه بالتأكيد على أن المشروع يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين استقلالية مهنة المحاماة ومتطلبات تحديثها، بما يعزز ثقة المواطنين في العدالة، ويرتقي بدور المحامي كشريك أساسي في إرساء دولة الحق والقانون.