نشرت جريدة لوموند يوم 24 غشت 2025، مقالًا مطولا بعنوان: «في المغرب، أجواء نهاية عهد محمد السادس» – " تحقيق: لغز محمد السادس" ( 6/1 ) وهي سلسلة مكونة من ست حلقات. للوهلة الأولى قد يبدو الأمر كتحقيق متوازن حول المغرب وملكه، غير أن النص في حقيقته مبني على قراءة مجتزأة وانتقائية، تختزل فيها تجربة حكم تجاوزت ستة وعشرين عاما في بضع صور نمطية وشائعات وحكايات شخصية وتبخيس متعمد. وهذا لا يعد ظلما في حق محمد السادس فحسب، بل هو إساءة لصورة المغرب بأسره. 1. شهادة مواطن مغربي أود أن أوضح بداية أنني لم أعد أنتمي إلى أي حزب سياسي مند عقد ونصف تقريبا، ولا أمثل أي مؤسسة، لا عمومية ولا اقتصادية ولا ثقافية. ولم يكلفني أي كان بتحرير هذا الرد. أكتب ببساطة كمواطن مغربي عاش في ظل ثلاثة ملوك: محمد الخامس، الحسن الثاني، ومحمد السادس. أحب وطني وأحرص على سمعته. 2. من الصحافة المرجعية إلى الصحافة الاستهلاكية حين كنت طالبًا في الجامعة في سبعينيات القرن الماضي – بل وحتى بعد ذلك – كانت جريدتا "لوموند" و"لوموند ديبلوماتيك" من المراجع الأساسية بالنسبة لنا لفهم العالم، بما عُرفتا به من جدية ومصداقية. أما اليوم، ومع مقالات من هذا القبيل، فإن "لوموند" التي كنا نعتبرها نموذج الجرائد الحرة المستقلة، ابتعدت عن ذلك الصحافة الرصينة، التي تتطرق وتحلل المواضيع الكبرى، لتنزلق نحو منطق الاستهلاك والبحث عن الإثارة عبر التلميح والتشهير والتنمر. 3. حصيلة متعمدة التغييب منذ سنة 1999، شهد المغرب في عهد محمد السادس إصلاحات وإنجازات كبرى لا يمكن محوها بجرة قلم: إصلاحات سياسية ومؤسساتية دستور 2011 الذي كرس استقلال السلطة القضائية، وعزز الحقوق والحريات، وأرسى مؤسسات جديدة مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهيئة المناصفة والمساواة. توسيع الفضاء العام، بما أتاح مزيدًا من حرية التعبير ودينامية جمعوية أصبحت مرجعا إقليميا. إصلاحات اجتماعية وقانونية إصلاح مدونة الأسرة (2004)، باعتبارها إصلاحا رائدا في العالم العربي، كرس حقوقا جديدة للمرأة والطفل. إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية (2005) كآلية كبرى لمحاربة الفقر والهشاشة. إطلاق العدالة الانتقالية عبر هيئة الإنصاف والمصالحة (2006)، نتجت عنها مصالحة وطنية طوت صفحة ما عرف بسنوات الرصاص والانتهاكات الجسيمة. إصلاح الحقل الديني واعتماد اسلام معتدل أصبح يضرب به المثل دوليا، التعميم التدريجي للتغطية الصحية الإجبارية (AMO) ، وتوسيع الحماية الاجتماعية وأنظمة التقاعد لتشمل جميع المغاربة. إصلاحات تعليمية لمواجهة الهدر المدرسي وتوسيع العرض الجامعي والمدارس العليا. برامج اجتماعية تضامنية: توزيع القفف الغذائية في رمضان على الأسر المعوزة، وتوزيع المحافظ واللوازم المدرسية مع كل دخول مدرسي لفائدة مئات الآلاف من التلاميذ، وهي مبادرات ذات بعد رمزي وإنساني تعكس ارتباط المؤسسة الملكية المباشر بالحاجيات اليومية للمواطن. البنيات التحتية والأوراش الكبرى ميناء طنجة المتوسط الذي أصبح واحدًا من أكبر المحاور المينائية عالميا أضف اليه موانئ عالمية أخرى كميناء الناضور والداخلة وغيرها. شبكة عصرية من الطرق السيارة مطارات دولية متعددة. إطلاق القطار الفائق السرعة "البراق"، الأول من نوعه في إفريقيا بين طنجةوالدارالبيضاء ثم بين الدارالبيضاءومراكش وربما أكادير قريبا. بناء وتجديد ملاعب رياضية كبرى، في الرباطوالدارالبيضاء وفاس وطنجة واكادير ومراكش ومنها أكبر ملعب لكرة القدم في إفريقيا هو الآن قيد الإنجاز بين الرباط والدار البيضاء. تحديث حضري يشمل الترامواي في مدن كالرباطوالدارالبيضاء، والأقطاب التكنولوجية، والمناطق الصناعية واللوجيستية. الدبلوماسية والإشعاع الدولي تكريس الموقف المغربي في قضية الصحراء مع اعتراف متزايد بمغربية الأقاليم الجنوبية (من الولاياتالمتحدة، إسبانيا، فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، البرتغال، الى جانب الدول العربية والافريقية)، وافتتاح قنصليات عديدة في العيون والداخلة. عودة مظفرة إلى الاتحاد الإفريقي، وسياسة إفريقية نشيطة في مجالات البنوك والطاقة والفلاحة والتأمينات والأشغال العمومية. الاقتصاد والطاقة والبيئة تنويع اقتصادي منفتح على إفريقيا والعالم. · إطلاق مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب–أوروبا، الذي سيربط أحد أكبر المنتجين في إفريقيا بالأسواق الأوروبية، مرورًا بأكثر من 11 دولة إفريقية، مما سيجعل من المغرب منصة طاقية عالمية ومحورًا إستراتيجيًا للأمن الطاقي الإقليمي والدولي. · البيئة والتنمية المستدامة لم يغب البعد البيئي عن رؤية المغرب خلال ربع قرن من حكم محمد السادس، بل أصبح ركيزة إستراتيجية في السياسات العمومية. فقد أطلق المغرب الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة (2010)، الذي حوّل حماية البيئة إلى التزام دستوري وقانوني. كما استضاف المغرب محطة عالمية بارزة مثل مؤتمر المناخ COP22 بمراكش (2016)، الذي كرّس صورته كفاعل ملتزم بمواجهة التغيرات المناخية. وعلى المستوى العملي، تم تعزيز التشجير وحماية الغابات، وإطلاق برامج لمعالجة النفايات وتطهير المياه العادمة، وتعميم استعمال الطاقات النظيفة في النقل والصناعة والسكن. كما ساهمت المشاريع الكبرى للطاقة المتجددة في تقليص انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وتخفيض التبعية الطاقية للخارج. تم أيضا تطوير الطاقات المتجددة: مركب نور بورزازات الشمسي، محطات الرياح، والاستراتيجية الوطنية للهيدروجين الأخضر. هذه الأوراش البيئية تعكس رؤية متكاملة تجعل من المغرب ليس فقط بلدا صاعدا اقتصاديا، بل أيضا نموذجا إقليميا في الجمع بين التنمية والاحترام العميق للتوازنات البيئية.. السياحة والجاذبية الدولية تحول المغرب إلى وجهة سياحية عالمية تستقطب أكثر من 17 مليون زائر سنويا، بفضل منتجعاته البحرية، ومحطاته الجبلية، ومنتجعات الصحراء، والمسارات الثقافية والذواقة. بروز مدن مثل مراكش وفاس وأكادير والداخلة كوجهات عالمية تجمع بين الأصالة والمعاصرة. الرياضة، الثقافة والفخر الوطني -التأهل التاريخي لنصف نهائي كأس العالم 2022. -تنظيم كأس إفريقيا 2025، والمشاركة في تنظيم كأس العالم 2030. بناء المسارح والمعاهد الموسيقية · تحفيز النخبة الوطنية عبر تتويج عدد كبير من المثقفين، والرياضيين، والفنانين، والمبدعين بأوسمة ملكية سامية، اعترافًا بمساهماتهم في إشعاع المغرب داخليًا وخارجيا، وترسيخا لثقافة الاعتراف والتقدير. بناء المتاحف في جميع المدن المغربية بل ومن المدن من تعرف أكثر من متحف واحد، إن اختزال كل هذه المنجزات في شائعات أو في «صداقات» شخصية لا يعدو أن يكون تشويها غير لائق بصحيفة يفترض أنها رصينة. 4. التقاليد، الاستقرار وضمان الخلافة المؤسسة الملكية في المغرب قائمة على تقاليد عريقة تضمن الاستمرارية والاستقرار. أما التكهنات بشأن صحة الملك أو عن «تردده» في مواصلة الحكم، فهي محض خيال. وككل شعوب الأمة الإسلامية، نحن نؤمن أن الحياة والموت بيد الله وحده، لا بيد معلقي الصحف. وفوق ذلك، فإن مستقبل المغرب مؤمن بفضل وضوح تقاليده السياسية. فولي العهد الأمير مولاي الحسن، البالغ 22 سنة، يضطلع منذ الآن بمهام تمثيلية كبرى، وقد رُقّي مؤخرا إلى رتبة كولونيل ماجور، كما حصل لوالده في نفس العمر. وهذه الترقية تجسد انتقالا تدريجيا ومنظما للمسؤوليات العسكرية والرمزية، في احترام تام للتقاليد العلوية. ولا تعكس محاولة تهميشه أو التقليل من شأن تأهيله، كما يفعل الصحفيان، إلا سوء نية وجهلا بأعراف المغرب بل وقلة احترام لرموزه. فالأمير مولاي الحسن حصل على شهادة البكالوريا بتقدير ممتاز عام 2020 ثم التحق بجامعة محمد السادس المتعددة التخصصات (UM6P)، حيث تابع دراسته في كلية الحكامة والعلوم الاقتصادية والاجتماعية (FGSES)، وتخصّص في العلاقات الدولية. كما يواكب ولي العهد الأمير مولاي الحسن والده الملك محمد السادس في العديد من الأنشطة الرسمية والمناسبات الوطنية والدولية، مما يعكس تهيئة مبكرة ومدروسة لتحمّل المسؤولية، في احترام تام للتقاليد العلوية التي تجمع بين الرمزية الدينية والقيادة السياسية. 5. خلط كاشف للجهل يقع مقال لوموند كذلك في خطأ جسيم حين يخلط بين مسمى «الوزير الأول» – وهو المنصب قبل دستور 2011 بسلطات محدودة ومرتبطة بالملك – وبين منصب «رئيس الحكومة» الحالي، الذي منحه الدستور الجديد صلاحيات واسعة في إطار فصل السلط. وهذا الخلط ليس تفصيلاً تقنيا، بل يكشف جهلا حقيقيا بالتطور الدستوري الذي شهده المغرب خلال العقدين الأخيرين. وإلى جانب كل هذه الإصلاحات والإنجازات، لا يمكن إغفال البعد الأمني الذي شكل ركيزة أساسية في حماية التجربة المغربية وتعزيز مكانتها الدولية. الأمن والاستقرار: بعد استراتيجي إلى جانب الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، رسخ المغرب في عهد محمد السادس منظومة أمنية متطورة قائمة على اليقظة الاستباقية والتعاون الدولي. فمنذ أحداث الدار البيضاء سنة 2003، تمكنت الأجهزة الأمنية المغربية من تفكيك مئات الخلايا الإرهابية قبل أن تصل إلى مرحلة التنفيذ، مما جعل المملكة نموذجًا في مجال مكافحة التطرف العنيف على الصعيد الإقليمي. كما عزز المغرب شراكاته الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي، والولاياتالمتحدة، ودول الساحل والصحراء، في مجالات مكافحة الإرهاب، والهجرة غير النظامية، والجريمة المنظمة العابرة للحدود. هذه السياسة الأمنية الاستباقية لم تضمن فقط استقرار البلاد داخليًا، بل جعلت من المغرب فاعلًا محوريًا في أمن البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، وشريكًا موثوقا للمجتمع الدولي. وإذا كانت الحقائق السابقة تكشف بجلاء عن حجم المغالطات، فإن الأخطر هو ما يُستشف من خلفيات غير بريئة وراء هذا النوع من الكتابة. 6. خلفيات مريبة يبقى السؤال: لماذا يختار صحفيان فرنسيان التركيز على الشائعات المرتبطة بالملك محمد السادس، في الوقت ذاته الذي تعرف فيه العلاقات بين الرباط وباريس انفراجا جديدا؟. أهو محض صدفة، أم محاولة مقنَّعة لتصفية حسابات معينة، منها ربما القضية الشهيرة لصحفيين فرنسيين أدانتهما العدالة الفرنسية بمحاولة ابتزاز ملك المغرب؟ خاتمة المغرب ليس لغزا. إنه بلد صاعد، في طور البناء، يتقدم بقوته وبضعفه وبما يواجهه من تحديات، لكنه يسير برؤية واضحة، وبنقاش داخلي مفتوح، وبمؤسسة ملكية تبقى، باعتبارها إمارة المؤمنين، الضامن الأول للاستقرار والتنمية. أما اختزال هذه الحقيقة المركبة في صور نمطية مثيرة، فليس من الصحافة في شيء، بل هو أسلوب سهل لا يليق بمرجعية إعلامية مثل لوموند. والنتيجة أن الصحيفة الفرنسية هي التي خرجت خاسرة، حين خانت الإرث من المصداقية والرصانة الذي كان يوما مصدر قوتها. أما بالنسبة للتصريحات أو الآراء الواردة بالرسالة فهي تخص المرسل ولا تمثلها. -محامٍ بهيئة الرباط