بين الذات والآخر يشكل المشروع الفكري والنقدي لعبد الكبير الخطيبي مشروعاً مؤسساً لرؤية مغايرة وطموحة، تروم تجديد وتحديث مفاهيمنا النقدية حتى نستطيع مواكبة الأسئلة المعاصرة والإجابة عنها بنقد الذات والآخر، اعتماداً على الاجتهاد والبحث، والقيام بحفريات معرفية لموروثنا الفكري والأدبي. تهدف إعادة بناء الوعي بالهوية الثقافية من منظور الحداثة وقيمها الإنسانية المتجددة، المبنية على الحق في الاختلاف وتدبيره بشكل منصف، سواء للذات في علاقتها بذاتها أو علاقتنا بالآخر، لمواكبة العصر في المجالات الفكرية والعلمية والتكنولوجية. كما تهدف إلى تطوير الذات وموروثها الأدبي والثقافي بالنقد المزدوج والبناء، للخروج من دائرة الجمود الفكري والاستهلاك، قصد تملك العلم والمعرفة والإجابة عن تحديات ورهانات العصر. لقد ساهم عبد الكبير الخطيبي في فتح أفق النقد المزدوج على النسبية العلمية في الأدب والعلم والثقافة، لتجديد المعرفة بالنصوص وبالواقع المركب، وما يتطلبه من تحليل وتفكيك وإعادة تركيب، لإنتاج المعرفة وإعادة بنائها على ضوء الواقع المتحرك والمتغير، وقراءة النصوص بشكل جدلي مع الذات وواقعها. وهذا يتطلب التفاعل الفكري والنقدي مع الآخر على أساس قراءته قراءة فاحصة لنصوصه الفكرية والأدبية والثقافية بإيجابياتها وسلبياتها، للاستفادة من الإيجابيات وتصحيح السلبيات، مع القدرة على تدبير الاختلاف والتعاون من أجل علاقات متوازنة وعادلة تساهم في بناء العيش المشترك والتواصل المتكافئ بين الثقافات. كما يعتبر عبد الله العروي من أبرز المفكرين في المشهد الفكري المغربي، إلى جانب محمد عابد الجابري وعبد السلام بن عبد العالي وعبد الفتاح كيليطو، الحاملين للفكر النقدي المغربي والعربي المعاصر. وقام العروي بدراسة نقدية لهذا الفكر في كتابه "الإيديولوجيا العربية المعاصرة". كما أن مشروعه الفكري الحداثي يؤسس نظرياً وتاريخياً للحداثة الشاملة التي تمكن الانتقال من الفكر التقليدي إلى الفكر العقلاني المؤسس على العلم والمعرفة. وبالتالي، فالحداثة تتطلب إعادة قراءة الموروث الثقافي حتى يتجاوب مع العقل والمتغيرات المعاصرة، بما يخدم مصلحة الإنسان وحريته وتقدمه، في إطار دولة ديمقراطية قوية بثقافتها المتنورة وقيم المواطنة والعدالة الاجتماعية. ويعتبر عبد الله العروي، أيضاً، من بين المفكرين الذين تناولوا الحداثة السياسية بالمغرب والعالم العربي، والذي انطلق من الحداثة الفكرية والثقافية للوصول إلى الحداثة السياسية والديمقراطية. لذلك أعطى العروي اهتماماً أكبر للمفاهيم، كمفهوم الدولة والحرية والعقل، والبحث والتدقيق فيها، باستحضار التاريخ وسياقاته والتموضع في الزمن الحديث الذي أنتجها. ويقول في هذا السياق: "إن منطق الحداثة هو الذي دفع بي إلى الشروع في كتابة سلسلة المفاهيم." يركز عبد الله العروي على ضرورة التركيز على الزمن التاريخي الحديث والمعاصر، لبناء الدولة والمجتمع على أسس عصرية كالعقلانية والديمقراطية والحرية، باعتماد منهج تاريخي تحليلي وتفكيكي وتركيبي، بحيث يقول في كتابه "مفهوم العقل": "إن من يقرأ بإمعان دراساتي حول الثقافة العربية المعاصرة أو تاريخ المغرب أو الوطنية المغربية، يلاحظ أن كل واحدة منها تمر بمرحلتين: مرحلة التحليل والتفكيك... وتتبعها مرحلة تركيبية." في هذا السياق، وبالموازاة مع الدينامية الفكرية التي يعرفها المغرب، شكل المشروع الفكري والنقدي للمفكر والكاتب إدوار سعيد في كتابه "الاستشراق"، حفريات معرفية في سيرورة بناء الوعي الفكري والأدبي والنقدي والثقافي، لتفكيك وتجاوز النظرة النمطية والاستشراقية التي وضعها الغرب لثقافة الشرق، وجعل الشرق يفكر بواسطة الآخر وبوسائله الفكرية والنقدية، ومن ثم تغييب الإرادة الذاتية في الإبداع الفكري والنقدي المنبثق من تطوير الأسئلة النابعة من الواقع العربي ومتطلباته الفكرية والعلمية والنقدية، للإجابة بشكل عقلاني ومنطقي عن مختلف القضايا المطروحة، وبشكل منفتح على المتغيرات التي يعرفها العالم. لقد جعل العقل الاستشراقي الغربي الشرق ينظر إلى ذاته عن طريق الآخر ومعرفته التي تخدم مصالحه؛ وهو ما كرس مركزيته وهيمنته. وبالتالي نزوعه نحو هيمنة مشروعه الفكري والنقدي والثقافي ولقيمه على العالم الآسيوي والإفريقي، في وقت يحتاج هذا الأخير إلى ممارسة التفكير العقلي والنقدي من منطلق الذات، لمعرفة احتياجاتها الفكرية والثقافية، والاجتهاد كما اجتهد الآخر وحقق نهضته وتطوره المعرفي والعلمي والحضاري. في نفس الوقت، يشكل الانفتاح الفكري على الآخر، في إطار العلاقات الفكرية والعلمية والثقافية المتوازنة، ضرورة وجودية ومعرفية قصد التفاعل والتواصل والتلاقح الثقافي. هذا الانفتاح المتكافئ يحمي الذات من الانغلاق والجمود؛ وفي نفس الوقت يحصنها من الاستلاب والاغتراب اللغوي والثقافي بالاجتهاد الفكري والعلمي، في عالم يعلو فيه خطاب القوة والهيمنة. في هذا السياق، تعتبر التجربة النقدية لعبد الفتاح كيليطو للأدب العربي وتراثه الثقافي عملاً يؤسس لتجربة نقدية تنهض بالسؤال النقدي العربي في تفاعل مقارن مع نصوص ثقافية للآخر، تهدف إلى تطوير الفكر النقدي المغربي وتجديده للتجربة النقدية العربية، والبحث عن التفاعل بين النصوص بين الذات والآخر، وليس من منطلق إعادة إنتاج التجارب النظرية الغربية ومركزيتها المهيمنة، ولكن من منطلق البحث النقدي الذي يهدف إلى إعادة بناء المعرفة الأدبية والثقافية، من منطلق الذات الطامحة إلى تجاوز تعثرها النقدي وجمود القراءات النقدية والتأويلية السابقة، نحو أفق واعد بالأسئلة. وذلك لتطوير المفاهيم النقدية والمقاربات النظرية في تفاعل جدلي مع مختلف المقاربات الغربية. بالمقابل، لا يمكن الانغلاق على الذات في مشروع ماضوي يصادر الحاضر والمستقبل. وفي نفس الوقت لا يمكن إلغاء الماضي بموروثه الثقافي والفكري والعلمي، ومن ثم إلغاء الجدلية القائمة بين الماضي والحاضر والمستقبل، لأن الزمن سيصبح مفككاً ومنقوصاً في سيرورته التاريخية والفكرية. يحتاج الفكر النقدي إلى استراتيجية نقدية جديدة تجمع بين النظرية والتطبيق للانعتاق من التبعية الفكرية والنقدية والثقافية للآخر، وفي نفس الوقت الاشتغال على مقاربات نقدية تفكك وتعيد بناء الأنساق الثقافية العربية، لتجاوز القراءة الأحادية للنص الأدبي والثقافي، من منطلق تعدد القراءات المفتوحة على الاختلاف والتعدد الفكري لمقاربة النصوص في علاقتها بالمتلقي وتطلعاته الفكرية والسوسيوثقافية. في هذا السياق، تحتاج الثقافة المغربية والعربية، اليوم، إلى نقد مزدوج يسائل الذات والآخر بمقاربات مفتوحة على مختلف الأبعاد النصية من لغة وتأويل وفكر وواقع، في أفق تجاوز المقاربات الأحادية في الأدب والفكر والانفتاح على الاختلاف وتعدد المقاربات المعرفية والنقدية. كما يحتاج الفكر النقدي إلى الانفتاح على الأعمال الفكرية والإبداعية بشكل علمي وموضوعي يتوخى التحليل والتقييم وطرح البدائل لتطوير المعرفة وطرح الأسئلة المناسبة التي تستشرف المستقبل، بارتباط مع أنساقها اللغوية والبنيوية والسوسيوثقافية والتاريخية. في نفس الوقت، يبقى الفعل النقدي الذي يقوم به الناقد عبارة عن مقاربة من بين المقاربات، قريبة من النص وبعيدة عن تملكه، نظراً لنسبية العمل النقدي في تقديم قراءة أحادية وغير نهائية. لذلك يفترض الفكر التفاعل الجدلي مع النصوص، لتدبير الاختلاف بالمقاربات والتصورات النظرية لإعادة بناء هوية نقدية متجددة ومتنوعة، تتعامل جدلياً مع التراث الأدبي والثقافي بقراءة علمية وموضوعية، تتوخى بناء معرفة أدبية وثقافية معاصرة بالاجتهاد والإبداع على ضوء الأسئلة الفكرية والعلمية والأدبية والثقافية المعاصرة المطروحة. وذلك يتطلب إعادة النظر في رؤية الذات وإعادة الثقة في قدرة الفكر المغربي على تحليل وتفكيك النصوص الأدبية والثقافية من منظور النقد المزدوج الذي طور أدواته الباحث والكاتب المغربي عبد الكبير الخطيبي، لبلورة مشروع معرفي يسائل الأنا والآخر باستمرار، وبشكل جدلي لتصحيح أعطاب وضعية النقد الراهن القائم على استهلاك النظريات النقدية الغربية والعمل على تبيئتها في الفضاء المغربي والعربي من منطلق الاستهلاك والتبعية الفكرية والنقدية. في حين، المطلوب هو تحليل وتفكيك هذه النظريات وخلفياتها المركبة والاجتهاد من أجل تجاوزها مع تطوير موروثنا الفكري والأدبي والثقافي في تفاعل جدلي مع الثقافات العالمية. وهذا في حد ذاته إثراء وتطوير للانفتاح على الحاضر وأسئلته المركبة، لتصحيح علاقة الماضي بالحاضر، باعتماد النقد الفكري المزدوج وما ينتجه من معرفة بتعدد القراءات ورؤاها المتقاطعة، تعمل على مصالحة الذات مع حاضرها، لتجاوز الجمود والانفتاح على أسئلة العصر بكل تعقيداته والإجابة عنها بشكل موضوعي ونسبي، بحيث لا أحد يمتلك فيه أجوبة مطلقة ونهائية في عالم يسير بوتيرة سريعة حيث يهيمن اللايقين الذي يفرض على الجميع التغيير وطرح أسئلة جديدة أمام تغير الاهتمامات وتغير الأولويات. إن الفكر المغربي المعاصر بأبعاده المعرفية والنقدية والأدبية يشكل بوصلة الدولة والمجتمع لمواجهة التحديات المطروحة ومسايرة المتغيرات العالمية، وذلك بالاعتماد على المقاربات الفكرية والعلمية للمفكرين والباحثين المغاربة في الجامعات والمعاهد المغربية، في مختلف الحقول المعرفية والعلمية والمنفتحة على الواقع المغربي المركب، بموروثه الأدبي والفكري والثقافي بمنهجية متكاملة توفر بدائل وحلول علمية وموضوعية قادرة على النهوض بالواقع المركب وتحقيق التوازن بين الذات والآخر. -أستاذ باحث في الترجمة بالمعهد الجامعي للدراسات الإفريقية والأورومتوسطية، جامعة محمد الخامس، الرباط، المغرب.