لطالما كانت طنجة مدينة تعاني من فائض في الصور. فبين أسطورة بول باولز القديمة وبين مشاريع "طنجة الكبرى" الحديثة، غالبا ما تضيع التفاصيل اليومية الصغيرة. وفي هذا الفراغ بالتحديد، يتحرك عبد اللطيف بولعيش. إنه ليس "مؤثرا" بالمعنى التقليدي الذي تفرضه خوارزميات "تيك توك" المتسارعة، بل يبدو أقرب إلى "مؤرخ محلي" يستخدم الكاميرا بدلا من القلم، ليوثق تحولات مدينة تعيد تشكيل جلدها كل يوم. وفي المشهد الإعلامي بشمال المغرب، حيث يطغى "الخبر العاجل" والصورة غير المعالجة، يمثل بولعيش حالة دراسية مثيرة للاهتمام. فالرجل، الذي وجد نفسه ضمن القائمة القصيرة لشخصيات السنة في استفتاء مؤسسة "طنجة 24″، لم يصل إلى هناك عبر الصراخ الرقمي أو إثارة الجدل، بل عبر استراتيجية تبدو – للمفارقة – قديمة الطراز: "السرد المتأني". وعند مشاهدة أعمال بولعيش، يلاحظ المرء فورا غياب العشوائية. الكاميرا لديه لا "تتجول" بل "ترصد". فأسلوبه يتقاطع مع تقنيات التحقيق التلفزيوني الرصين؛ حيث البناء البصري يخضع لمنطق تحريري صارم. هو لا يكتفي بتصوير واجهة مقهى تاريخي، بل يبحث في الزوايا المعتمة، وفي وجوه الرواد، محاولا الإمساك بتلك اللحظة الهاربة التي تفصل بين طنجة الكوزموبوليتية وطنجة الشعبية. وما يفعله بولعيش، من منظور تحليلي، هو إعادة الاعتبار ل "القصة العادية". ففي عصر تهيمن فيه ثقافة ال "Reels" ذات الخمس عشرة ثانية، يغامر هو بإنتاج محتوى يتطلب "نفسا طويلا". هذا الخيار ليس مجرد تفضيل فني، بل هو موقف تحريري ضد تسليع المدينة. فبدلا من تقديم طنجة كخلفية سياحية صامتة، هو يمنحها صوتا. طريقته في المونتاج، ونبرة صوته، كلها عناصر تتضافر لتخلق مسافة نقدية بين المشاهد وبين الموضوع، مما يحول الفيديو من مجرد "فرجة" إلى "وثيقة". والمثير في تجربته هو قدرتها على جذب جمهور عريض رغم رصانتها. هذا يشير إلى تحول في مزاج المتلقي المغربي، الذي ربما بد يشعر بالتخمة من المحتوى السريع والسطحي. ويملأ بولعيش فجوة واضحة في السوق الإعلامي المحلي: الحاجة إلى محتوى يحترم ذكاء المشاهد ولا يتعامل معه كمجرد رقم في عداد المشاهدات. ومن الناحية التقنية، يتجاوز بولعيش دور الهواة. إضاءته، زوايا التصوير، والبناء الدرامي للحلقة، تشي بعقلية "مخرج" يدرك أن الشكل هو جزء من المضمون. فعندما يتحدث عن أزمة السير أو عن جماليات الأحياء القديمة، فإنه لا يقدم تقريرا إخباريا جافا، ولا يسقط في فخ النوستالجيا البكائية. إنه يقف في المنتصف؛ مراقبا ذكيا يدرك أن المدن تتغير، وأن واجبه هو تسجيل هذا التغيير بأمانة، دون تجميل ودون تهويل. وفي سياق مدينة مثل طنجة، التي تشهد تحولات ديموغرافية وعمرانية عنيفة، يصبح عمل بولعيش نوعا من الأرشيف البصري الاستباقي. قد لا تكون فيديوهاته وثائق رسمية، لكنها بمرور الوقت ستصبح المرجع الأصدق لكيف كانت الحياة تبدو فعلا في طنجة العشرينات من هذا القرن. في النهاية، قصة عبد اللطيف بولعيش ليست مجرد قصة نجاح فردي في عالم السوشيال ميديا. بل إنها مؤشر على نضج تدريجي في المشهد الرقمي المغربي، حيث البقاء لم يعد للأسرع أو للأعلى صوتا، بل لمن يمتلك "الحكاية" الأكثر صدقا، والقدرة على سردها بإيقاع يمنح المدينة حقها في أن ترى، وتفهم، وتحترم.